صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

13 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

تفصيل قصة سقوط الخلافة الإسلامية فى تركيا

1 مارس 2015



كتب: د. عبدالله النجار

من المضحكات المبكيات فى أمر الخلافة العثمانية ما يقوم به فى هذه الايام السيد رجب طيب أردوغان رئيس تركيا من محاولات مستميتة لاستردادها وليستعيد بها مجد الخلافة الإسلامية التى كانت تركيا أول من أعلن نعيها للعالم كله، بعد أن قامت بإلغائها وعزل الخليفة وحيد الدين خان وتعيين خلفه الامير عبدالمجيد خان 1924 بعد أن جردته من جميع سلطاته كخليفة يقوم على شئون الدين والدنيا وبيده جميع مقاليد الحكم وجميع جوانب السلطة ولم يتبق له سوى أن يكون رمزا روحيا فقط، مجرد خيال للخلافة يحمل اسمها فقط، ولا يمارس أدنى قدر من سلطاتها بل ان مصطفى كمال أتاتورك عندما عينه وجعله مجرد رمز روحى لا يملك من أمر السلطة الدينوية شيئا بعد أن سلبها منه لنفسه ولحكومته، استكثر عليه ذلك ورأى أن وجوده كمجرد رمز للخلافة يمثل خطرا على النظام الجديد فى تركيا، لأنه سيجمع جميع الراغبين فى استرداد الخلافة والذين أحزنهم بل وأفزعهم إلغاؤها ضد النظام التركى الجديد، لاستعادة سلطات الخليفة منه واعطائها لصاحب الحق فيها وهو الخليفة الشرعى الأمير عبدالمجيد خان وهذا ـ فى حذ ذاته ـ يمثل أعظم خطر يمكن أن يتهدد ميلاد الدولة العلمانية الجديدة، فسلبه جميع اختصاصاته كخليفة بخاصة ما تبقى له من تلك الاختصاصات وهى الرمز الروحى، وحدد إقامته وعزله عن الناس جميعا، وبذلك قضى على جميع مظاهر الخلافة العثمانية الإسلامية، وأنهى وجودها إلى غير رجعة حيث كان يعلم جيدا ـ وفى إطار ارتباطات الدولة العلمانية الجديدة مع القوى الاستعمارية ودول الغرب ـ أن أرض الخلافة أو الامبراطورية العثمانية سوف توزع فى إطار تقسيم دولى جديد يشطرها إلى عدة دول هى التى نرى حدودها على خرائط العالم العربى، والشرق الأوسط الحالى، وذلك تنفيذا لاتفاقية «سايكس بيكو» ومع ضمان تنفيذ الوعد الذى أصدره «بلفور» بشأن إقامة دولة يهودية على حساب دولة فلسطين، وقد انتهى أمر تلك الاملاك الاسلامية الشاسعة إلى هذا المآل الذى لا يمكن تصور عودتها بعده، ولهذا كان من السفه تصور إمكان استرداد تلك الخلافة يوما ما، بعد أن قسمت أرضها كتركة الرجل المريض ووزعت على أصحاب النصيب فيها وكان تصور هذا الاسترداد كتصور عودة الميت إلى الحياة، أو رجوع الزمان لما كان عليه لأن أساس تلك العودة وهى الأرض قد تلاشى وأصبح كيانات وطنية مستقلة، لكل دولة فى تلك الكيانات انتماء يجمع شعبا مرتبطا بأرض، وله جيش وعلم، ومؤسسات وهيئات وخصائص وعلاقات ومن المتعذر إن لم يكن من المستحيل أن يقبل شعب أى دولة من تلك الدول أن يترك وطنه ويتنازل عنه، ليكون جزءا من خلافة مضى عهدها وولى زمانها وإذا افترضنا ـ مجرد فرض ـ أن شعبا يمكن أن يقبل على نفسه هذا ويرضى لنفسه التشرد والتنازل عن وطنه وبلده فإن هذا القبول سيرفضه الأخرون ولن يكتب له النجاح، ثم أن تلك الدول أصبحت مرتبطة مع بعضها، ومع العالم كله ومنه الاعداء والاصدقاء باتفاقات ومواثيق دولية تعترف لتلك الدول بحدودها، وتعتبرها مع بقية الدول أفراداً معنوية فى الاسرة الدولية، وانتهاك حدود أى دولة منها يعنى قتل هذا الشخص الدولى، وهو ما يمثل جريمة دولية لن يسمح العالم بحصولها، ومن ثم غدا موت الخلافة أمرا واقعا يستحيل استرداده، وحقيقة دولية تؤكدها الاتفاقات والمواثيق التى تمنع المساس بالنظام الدولى الذى قام على أنقاضها ولهذا كان الحديث عن استردادها استخفافا بالعقول، وسفها لا يتصور وجوده إلا فيمن عنده خلول.
ومنذ أن سقطت الخلافة العثمانية والمسلمون جميعا مدركون لتلك الحقيقة، ويعلمون جيدا أن ما سقط من أمرها لا يمكن عودته ولهذا كان وقع سقوطها على المسلمين مفزعا، ومحزنا حينما تصوروا سقوط الرمز الذى يجمعهم فى بوتقة إسلامية واحدة يكون لها وجود مهاب وكلمة مسموعة، وراح بعضهم يندب حظ المسلمين الذين لن يستطيعوا بعد سقطوها أن يدعو الله على منابر الجمعة بأن يحفظ خليفة المسلمين فلم يعد هناك خليفة يدعى له بالعون والحفظ وتداعى أكابر العلماء فى جميع الاقطار الاسلامية للتباحث بشأنها والعمل على استردادها، أو إيجاد مكان بديل لها بعد أن أصبح وجودها مستحيلا على أرض تركيا التى عزلت آخر الخلفاء، وضيقت عليه عيشه بل وحددت إقامته ومنعت أى واحد من مقابلته أو الاتصال به ولهذا فر الرجل هاربا من بلده تركيا إلى حيث قدر الله له المقام فراح يستصرخ فى المسلمين همتهم لاستعادة سلطانه والوقوف ضد النظام التركى الجديد الذى أسقط الخلافة الاسلامية وأعلن وفاتها وعزل خليفتها وحدد اقامته ثم اضطره إلى الفرار والهرب ولم تخل رسائل السلطان عبدالمجيد لولاة الدول الاسلامية وعلمائها من بيان للأسباب التى حدت بالنظام التركى العلمانى الجديد لإلغاء الخلافة وسوء مقصده مما فعل به وبالاسلام وأن تصرفات هذا النظام ـ كما جاء فى رسائل السلطان وحيد الدين خان التى كتبها من منفاه تدل على الإلحاد إذ أباحوا تزوج المسلمات من غير المسلمين وحرموا تعدد الزوجات وأخرجوا نساء المسلمين متبرجات إلى الرقص والبارات ومنعوا تدريس القرآن الكريم ومنعوا الاتراك من حج بيت الله الحرام، وأحلوا الحروف اللاتينية محل الحروف العربية وختم وحيد الدين رسالته بقوله: نقسم بعظمة الله وعلو عزته تعالى يا ورثة سيد الانبياء لقد دقت ساعة الوعظ والايقاظ على حركة الكماليين وإلا فإن دين الاسلام وشمس الشريعة والتوحيد على وشك غروب قريب من سماء الاناضول.
ولم تكد تركيا تعلن وفاة الخلافة حتى تعرضت الخلافة نفسها لجملة من التصرفات التى تمثل استهانة بها وبالاسلام، حيث أغرت بعض الحكام المغمورين على الفوز بها ومن سخريات الامور أن الملك فؤاد وهو ذو شارب كث وهيئة بدنية لا يمكن أن تركب على الخلافة قد أغراه سقوط الخلافة فى تركيا للطمع فيها والفوز بها ولم يعدم تشجيعا على ذلك من بريطانيا التى رأت فى ذلك التطلع فرصة لمساومته على المساعدة فى تحقيق نظير ثمن وفير ولتكون مصر ذات حجم كبير بهذه الخلافة فتزيد بها مكانة بريطانيا التى تحتلها وستجد فى الخلافة على أرض مصر، أداة لبسط هيمنتها على بقية الدول التى تدين لها بالسمع والطاعة لكن الامر تأبى على هذا الذى لم يكن مؤهلا لها ولا يصلح لتوليها.
ولما توفى فؤاد وآل حكم مصر بالميراث إلى نجله الوسيم «فاروق» طمع هو الآخر فى الخلافة وعمل الانجليز معه ما صنعوه مع ابيه لنفس المقاصد التى توظف الخلافة للدنيا وتستخدم الدين فى عكس ما نزل له الدين لكنهم لم يكونوا وحدهم هذه المرة بل انضم إليهم حسن البنا رئيس الاخوان المسلمين الذى وضع جميع امكاناته الدعوية وشعب جماعته تحت إمرة الملك فاروق وكان يأمل من وراء تعيين فاروق خليفة أن تسهل اقتناصها منه لسوء سيرته وتدنى سمعته، وعدم اهتمامه ـ أصلا ـ بشئون الملك والبلاد ومن ثم يكون وصول الاخوان للحكم أمر قريب المنال ولن يكلفهم أكثر من خلع فاروق أو اغتياله وعند ذلك يتحقق المراد من رب العباد، وأما بريطانيا فلم يكن يعنيها إلا اتساع نفوذها على بقية الدول التى تدين للخلافة بالولاء وهذا الهدف لن يكون مختلفا اذا ما تم تعيين فؤاد أو فاروق أو حسن البنا خليفة للمسلمين كما بادر الملك عبدالله ملك الحجاز آنئذ بتعيين نفسه خليفة للمسلمين وبايعه عليها أولاده وعشيرته وقبل هذه البيعة وأعلن أنها بيعة صحيحة مما أفزع المسلمين فى جميع بقاع الدنيا وأخذ علماء الهند وغيرهم يستصرخون المسلمين ويستنجدون بالعلماء والفقهاء لإيجاد مخرج لهذا المأزق الأليم وها هو أردوغان يصنع ما قام به فؤاد وفاروق وحسن البنا لكن بإيعاذ من أمريكا وإسرائيل.
ولأن الأزهر الشريف كان ولايزال هو الهيئة الاسلامية الكبرى فى العالم الاسلامى وهو المرجعية الأعلى فى أمور الدين والشريعة فقد تم استنهاضه من جميع المسلمين وأخذ كبار علمائه زمام المبادرة لبحث تداعيات سقوط الخلافة الاسلامية وما يلزم بشأنها ولهذا الامر اجتمعت هيئة كبار علماء الازهر الشريف فى 2 مارس 1924 لبحث أمر الخلافة ووضعت تعريفا لها وحددت ضوابط الخلافة، وانتهت الى أن تلك الضوابط لم تعد موجودة فى السلطان عبدالمجيد لأن سلطان الخلافة سلبت منه وعلى فرض بقائها فيه فإنه لا يقوى على ممارستها وإذا كان يقوى على ممارستها فإنه لا يستطيع لتغلب الاتراك عليه ولهذا كانت بيعته على ذلك وعلى أنه مجرد رمز روحى بيعة باطلة حيث لم يعهد فى بيعة الخلفاء السابقين ذلك وانتهت هيئة كبار العلماء إلى أن أمر سقوط الخلافة خطير وأنه يحتاج لمؤتمر إسلامى جامع وعام لتدارسه ووضع حلول له وأوصت بأن يكون هذا المؤتمر عاجلا، وحددت لانعقاده عاما لايزيد عليه وتحديدا فى 24/3/1925 وفى هذا اليوم حضرت وفود قليلة من بعض البلاد الاسلامية وبعضها جاء تطوعا وليس بصفة رسمية، والبعض الآخر جاء لإثبات الحضور دون أن يكون لديه ما يقدمه، وبعض الوفود قدمت بدائل واقتراحات مضحكة مثل مندوب الهند الذى قدم مذكرة للمؤتمر قال فيها: إن الخلافة هى خلافة جيل عن جيل وليس إماما عن أمة فهمش موضوع الخلافة وصرف الانظار عنه.
وكان هذا المؤتمر تحت إشراف الأزهر الشريف، وبمشاركة كبار علمائه وبعد جلسات اتسمت بالاضطراب وسوء التنظيم انتهى المؤتمر إلى أن عودة الخلافة أصبح مستحيلا فى إطار المتغيرات الدولية التى جرت وأنه لم يعد بالامكان أكثر من وحدة إسلامية يمكن أن تجمع شتات الجهود المتناثرة لتلك الأمة الكبيرة حتى لا تتلاشى هيبتها ويكون لها وجود محترم بين الأمم ومع ذلك فإن المؤتمر لم يشأ أن يغلق ملف الخلافة أو الكلام فيه نهائيا حتى لايصدم مشاعر المسلمين ويضيف إلى أحزانهم على ما فعلته تركيا بالخلافة الإسلامية حزنا جديدا فقرر ترك المجال فيه مفتوحا للحديث ليس إلا بل وتأجيل الكلام فيه إلى أجل غير مسمى، وذلك ومع التأكيد على أنه لا مفر من الوحدة لمن يريدون تلك الخلافة بعد أن أصبحت فى خبر كان، ولم يعد الحديث عنها سوى نوع من الحديث عن ذكريات جميلة، أو ماض بديع طواه النسيان ومضى به الزمان وما مضى به الزمان لا يعود، أن جميع المسلمين يعلمون أن عودة الزمان مستحيلة ولكن السيد رجب طيب أردوغان يعلم غير ذلك، أنه يريد بالخلافة كلمة «حق» يراد بها باطل هو نشر الفوضى والحروب وتحطيم كيانات الدول الاسلامية التى سيقيم الخلافة عليها، اللهم اهدنا، واحفظ علينا عقولنا يارب العالمين.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

روزاليوسف داخل شركة حلوان لمحركات الديزل: الإنتاج الحربى يبنى الأمن.. ويلبى احتياجات الوطن
الداخلية تحبط هجومًا لانتحارى يرتدى حزامًا ناسفًا على كمين بالعريش
جبروت عاطل.. يحرق وجه طفل انتقامًا من والده بدمياط
الصحة 534 فريقًا طبيًا لمبادرة الـ100 مليون صحة ببنى سويف
كاريكاتير أحمد دياب
قصة نجاح
أردوغان يشرب نخب سقوط الدولة العثمانية فى باريس

Facebook twitter rss