صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

قضايا تنويرية

«التكفير- التفجير- الحاكمية- العزلة».. برقيات ضد الإرهاب

16 فبراير 2015



عرض: نسرين عبد الرحيم

لم يعد خافيا أن التكفير أصبح آفة الشباب المسلم الراغب فى التدين، نتيجة اختلاط المفاهيم والفهم الخطأ لصحيح الدين، ما دعا إلى تسهيل مهمة الراغبين فى تشويه صورة الإسلام السمحة، وإذا كان سيد قطب ألف كتابه «معالم فى الطريق» وهو فى السجن، الذى يستند إليه شباب جماعات الإسلام السياسى، فإن د. ناجح إبراهيم، أعد مادة كتابه «برقيات مهمة إلى شباب الأمة» من داخل المعتقل، فى الفترة من 2002 الى 2005، ليبصرهم بما التبس عليهم فى الفهم، ولينير لهم طريق العودة إلى صحيح الدين، مؤكدا أن الدعاة هم «هداة لا وُلاة».


«برقيات مهمة إلى شباب الأمة»، هو العنوان الذى اختاره ناجح إبراهيم لكتابه، والذى تطرق فيه إلى أخطر القضايا المنتشرة فى العالمين العربى والإسلامى، وهى قضية التكفير التى يتساهل فيها بعض شباب المسلمين الآن لدرجة أنهم حادوا عن صحيح الدين، يستهل ناجح كتابه بإهداء غير معتاد، ويمكننا القول إنه آثر مخاطبة المقصودين والمعنيين بكتابه وهم الشباب، فتوجه إليهم مباشرة بقوله «إلى الشباب الحائر فى كل مكان» خاتما إهداءه بتوقيعه «مُحبكم».
يقول ناجح فى مقدمته، إنه بدأ فصول هذا الكتاب منذ 2002 وانتهى منها فى 2005، أى فى فترة اعتقاله، ما يعنى أنه بذل فيه جهدا مضنيا ولم يكن متعجلا فى إصداره، ومن ثم، فقد وجد أن قضية «التكفير» هى القضية المحورية، الحاضرة الغائبة، فى دنيا الحركات الإسلامية فى العالم كله، فإما أن تحاربها وإما أن تقع فيها تلك الحركات، ووجد أنها السبب فى كل مشاكل الحركات الإسلامية ومتاعبها المتوالية، وهى أيضا السبب فى متوالية «التكفير والتفجير»، وقد جمع فى كثير من  القضايا الفقهية والعقائدية والفكرية مثل «الحاكمية» المرتبطة بالتكفير فى هذا الكتاب، خصوصا تكفير عوام المسلمين والجيش والشرطة، موضحا أن هدفه بيان الحق والصواب، مشيرا إلى أن هذه القضايا هى نفسها التى دوخت عقول الشباب المسلم منذ الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والتسعينيات ومازالت، مشيرا إلى أنه لم يكتب كلمة فى هذا الكتاب إلا وهو متوضئ مخافة الله ورجاء ثوابه.
يعتبر ناجح هذا الكتاب نقطة الانطلاق الأولى نحو علاج ظاهرة تكفير المسلمين حكاما ومحكومين، إذ جاء الكتاب على فصلين، الأول يتناول عددا من قضايا الكفر والإيمان بأسلوب مبسط مع تصحيح المغلوط من مسائل الاعتقاد، وفى الفصل الثانى يلقى الضوء على قضية الحاكمية وبعض المسائل المتعلقة بالحكام سواء نظريا أو عمليا.
يؤكد فى أولى مسائل الفصل الأول أن المهمة الحقيقية للدعاة هى هداية الخلائق، وإعادة العصاة إلى حظيرة الإيمان، وليس إخراج الناس من الإسلام وإدخالهم فى الكفر، يقول «نحن دعاة لا قضاة، وهداة لا ولاة»، والحكم على الناس هو من شأن القضاة بما وهبهم الله من ملكات وقدرات لتحرى الحق وإصابته، ويضرب فى ذلك مثلا بالرجل الذى كان يدمن الخمر ويقام عليه الحد مرارا، وجاء إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات مرة وهو على سكره، ثم أقيم عليه الحد، فقال أحد الصحابة للنبى ـ ص: اللهم العنه، ما أكثر ما تؤتى به»، فنهاه النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله «لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله».
وفى مسألة رحمة الله بالعباد، ذكر حديث النبى ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن أبى مسعود البدرى: حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر.. قال الله ـ عز وجل: «نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه». وهذا الكلام ليس تبريرا لعصيان العصاة والمذنبين، فمثل هؤلاء «لا تنظروا إلى صغر الخطيئة، ولكن انظروا إلى عظمة من عصيتم».
فى مسألة أخرى يقول د. ناجح، لو أن نهرا جاريا من الماء العذب ألقى فيه بعض من الشوائب، فهل تعكر من صفوه شيئا؟ بهذا المنطق يكون الحكم على الناس، فالعبرة بكثرة الفضائل والحسنات، فمن رجحت كفة فضائله، وفاض نهر خيراته ومحاسنه، فلا تؤثر فيه هنة من الهنات، مثلما قال ابن رجب الحنبلى «من اغتفر قليل خطأ المرء فى كثير صوابه».
وتتصل بالمسألة السابقة مسألة أخرى، وهى أن «لنا الظاهر.. والله يتولى السرائر»، فالعبرة فى تعامل المسلم مع الخلق إنما هو الظاهر، والله يتولى السرائر، فليس مطلوبا من المسلم التفتيش عما فى قلوب الناس، وفقا لقوله تعالى «يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور» (غافر ـ 19)، فلو فتح باب الحكم على الناس بناء على خبايا صدورهم لعمت الفوضى وساء الاضطراب واتهم البريء وبرئ المتهم.
وينبه ناجح فى مسألة التدين إلى أن التدين الحقيقى لا يعنى تكفير أكبر قدر من المسلمين أو تفسيقهم،  دون مبرر شرعى، فعلماء الامة والسلف الكرام لم نسمع عن اهتمام أحدهم بالإكثار فى وصف أحد من المسلمين بكفر أو فسق أو بدعة أو نفاق، فعبد الله بن عباس الذى عاصر النبى وامتد عمره حتى حكم بنى أمية، لما ظهر الخوارج كان له نصيب فى علاج الخلل الفكرى الذى أصاب نفرا منهم، إذ ذهب إليهم وناظرهم فى تكفير الصحابة وطعنهم فى عقيدة المسلمين، وهدى الله الكثير منهم على يديه وعادوا إلى الحق ورجعوا إلى الصواب. فقد ذكر شارح العقيدة الطحاوية، حديثا للرسول عليه الصلاة والسلام «من صلى صلاتنا.. واستقبل قبلتنا.. وأكل ذبيحتنا.. فهو المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا»، والمراد من استقبل قبلتنا، من الإسلام ويستقبل الكعبة، وإن كان من أهل الأهواء، أو من أهل المعاصى، ما لم يكذب بشيء، مما جاء به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم.
كما يتعلق بهذه المسألة أمر آخر، وهو أن الإسلام يثبت بالشهادتين دون شروط زائدة، إذ تواترت نصوص الوحى وأدلة الشرع على هذه الحقيقة، فالداخل فى الإسلام لا يقدم الأدلة والبراهين على إسلامه،  فها هى الجارية التى ورد ذكرها فى حديث معاوية بن الحكم السلمى.. وحكم لها النبى ـ ص ـ بالإيمان بعد أن سألها : أين الله؟ قالت فى السماء، قال: من أنا؟ قالت أنت رسول الله، فقال النبى ـ صلى الله عليه وسلم: اعتقها فإنها مؤمنة، فلم يسألها النبى عن أى شروط زائدة.
يواصل د. ناجح عرض مسائل الإيمان، فعن القول بأن: الإيمان كل لا يتجزأ، والعمل جزء من حقيقته، وبالتالى لو أن مسلما ترك واجبا من الواجبات فقد ضاع إيمانه بالكلية.. ودخل فى دائرة الكفر، فهذا قول الخوارج الذين يكفرون أهل الإسلام بترك واجب من واجباته، ولا يخفى ما فى هذا الأمر من غلو يأباه منطق الإسلام وعدله ورحمته. إذ قال أهل السنة لما اختلف الناس: الإيمان هو الاعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح والأركان. والإيمان حقيقة متفاوتة، يزيد وينقص فى قلوب المؤمنين، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والأعمال شرط فى كمال الإيمان وليس فى صحته. والذنوب لاتنقص إيمان صاحبها بالكلية، ولكنها تنقص من كمال إيمانه بقدرها، فالمعاصى مهما عظمت لا تحجب صاحبها عن الجنة، ولا تحكم له بالخلود فى النار. يقول تعالى «وعصى آدم ربه فغوى» (طه ـ 121) فهل كفر آدم عليه السلام؟! لا يقول بهذا عاقل.
ينتقل د. ناجح فى موضع آخر إلى مسألة مهمة حصل عليها جدال وخلاف، هى «المعلوم من الدين بالضرورة.. حدوده وضوابطه»، خصوصا أن كثيرا من شباب المسلمين يتساءلون عن هذا الأمر، فيقول، إن العلماء استثنوا فئتين ومنحوهما العذر فى الجهل بالمعلوم من الدين بالضرورة، الأولى هم حديثو العهد بالإسلام، والفئة الثانية هم الذين نشأوا فى أرض بعيدة عن أرض الإسلام مثل البادية البعيدة. أما عن تعريف المعلوم من الدين بالضرورة وحدوده وضوابطه، فيقول «هى تلك الأمور التى شاع وانتشر علمها بين الناس جميعا، بحيث صار يعرفها جميع المسلمين ولا فرق فيها بين صغير وكبير، وعامى ومختص، فهى واضحة وضوح الشمس فى وسط النهار، وذلك وفقا لتعريف الإمام النووى وشيخ الإسلام ابن تيمية، ويشترط فيها شروط ثلاثة: أن تنقل بالتواتر مثل القرآن الكريم، ثانيا: أن يتفق عليها علماء المسلمين فى أى عصر بعد النبى بالإجماع، وأخير أن يصل العلم بها إلى جميع المسلمين.
ويستهل د. ناجح إبراهيم الفصل الثانى من كتابه بالحديث عن مسألة مهمة، ظهرت منذ الستينيات ومازالت تشغل عقول بعض الشباب إلى يومنا هذا، إنها مسألة «الحاكمية»، إذ يضع للفصل الثانى عنوان «حاكمية الخالق لا تعنى تكفير الخلائق»، ثم يسرد الحديث حول مسألة الحاكمية بضرورة ضبط المصطلحات أولا قبل الخوض فى هذا الأمر، مشيرا إلى شيوع هذا المصطلح وشهرته فى أوساط الشباب بعد أن تناوله سيد قطب فى كتابه «فى ظلال القرآن» و«معالم فى الطريق»، فخلطوا بين «حاكمية الله عز وجل» وبين «حق البشر فى التشريع لأنفسهم فى حدود ما أنزل الله»، ليفاجئنا بأن «الحاكمية» لفظ مستحدث لم يكن له وجود فى كتب السلف، وأنها كلمة لم تظهر إلا فى القرن العشرين على يد «أبى الأعلى المودودى»، ونقلها عنه «سيد قطب»، لكن هذا لا يعنى إنكارها، بل يجب أولا ضبط المصطلح ضبطا علميا دقيقا قبل الخوض فيه، لأن المعيار هو «موافقة مضمونه للشرع»، فما وافق الشرع قبلناه، وما خالفه رددناه على من جاء به.
لينتقل إلى نقطة أخرى وثيقة الصلة بأمر الحاكمية هى «حاكمية الخالق لا تعنى تكفير الخلائق»، فالمتتبع للحاكمية عند أبى الأعلى المودودى يجد ان معناها يدور حول إقرار ربوبية الخالق، وتعنى ببساطة أن المرجعية العليا فى الحكم وفى كل الأمور لله وللرسول ـ صلى الله عليه وسلم، ولا يعنى ذلك أن كل أمر دنيوى لابد أن يكون منصوصا عليه فى هذين المصدرين.
فالفرق شاسع بين الإيمان بحاكمية الله، وبين الحكم على البشر بالكفر، فالأول واجب على كل مسلم، والثانى مختص بالمجتهدين فقط، الأول قطعى يقينى، والثانى اجتهادى ظنى.
فكثير من القرى فى مصر شاع فيها بين أهلها حرمان الإناث من الميراث، وفى هذا مخالفة صريحة لحاكمية الله تعالى، التى تقضى بحق الإناث فى الميراث وفق ما قرره الشارع الحكيم.
يلفت د. ناجح فى موضع آخر من كتابه إلى شيوع كثير من العبارات على ألسنة الشباب المسلم، من هذه المقولات «كفر النظام الحاكم»، ويتساءل: «هل توصف الأنظمة الحاكمة بكفر أو إيمان؟ يقول: إن النقطة الجوهرية الغائبة عن أذهان القائلين بكفر الأنظمة الحاكمة، هى أن تلك المؤسسات والأنظمة شخصيات اعتبارية، لا تلحق بها أوصاف الكفر والإيمان، فهى لا تلحق إلا بالشخص المكلف شرعا، الذى يصبح مسئولا عن أفعاله أمام الله ـ عز وجل ـ يوم القيامة، وهو الشخص البالغ العاقل الراشد المختار (غير المكره)، العالم بحكم ما يفعله شرعا، ووصلته دعوة الإسلام من قبل. وهذه الأوصاف لا تنطبق على المؤسسات والأنظمة الحاكمة، فهل يقصدون بذلك المبانى والجدران والمكاتب، وإذا كان القائل يقصد الأشخاص القائمين على النظام والعاملين فيه، فإنه يرد على ذلك بأنهم ليسوا شخصا واحدا، لانه يقصد بذلك الملايين من العاملين فى هذا النظام، فأيهم يقصد، ومثل هذا يوضح مدى الغموض الذى فى المصطلح وعدم دقته، وهذا غير مقبول فى مسائل التوحيد والعقيدة، فى حين ان السلف تميزوا بالدقة فى هذه المسائل، لأنهم يدركون مدى الآثار الوخيمة من استخدام لغة لا تعنى بتحديد مدلولات الألفاظ بدقة.
فكما قال ابن عباس: «كل من عصى الله تعالى جاهل»، أى جاهل بالله عز وجل، لأنه لم يقدره حق قدره، والجاهلية بهذا المعنى لا علاقة لها بمسألة الكفر، ولا يصح أن تستخدم لتكفير المجتمعات المسلمة على مر عصور المسلمين.
وفى مواضع أخرى، يوضح د. ناجح إبراهيم فى كتابه أن الكفر كفران، أى نوعين، والشرك شركان أى نوعين، والظلم ظلمان أى نوعين، والنفاق نفاقان أى نوعين أيضا.
ويختم د. ناجح كتابه بالحديث عن مسألة «عزلة الدول.. انتحار وفناء»، موضحا أن دولة الإسلام الأولى لم تكن تحيا كجزيرة منعزلة عن بلاد العالم حولها، فقد أدرك النبى ـ صلى الله عليه وسلم، منذ اللحظة الأولى ضرورة التواصل مع مختلف الممالك المحيطة، وسعى لتكوين شبكة علاقات دولية لتسهيل مهام الدعوة، وتحقيق مصالح المسلمين، ولم تكن هذه المجتمعات أسلمت بعد.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

أبوالليل.. ترك الوظيفة.. وبدأ بـ«ورشة» ليتحول لصاحب مصنع
مارينا.. أنشأت مصنعًا لتشكيل الحديد والإنتاج كله للتصدير
دينا.. جاليرى للمشغولات اليدوية
كاريكاتير أحمد دياب
قلنا لـ«مدبولينيو» ميت عقبة انت فين..فقال: اسألوا «جروس»
«شىء ما يحدث».. مجموعة قصصية تحتفى بمسارات الحياة
المقابل المالى يعرقل انتقال لاعب برازيلى للزمالك

Facebook twitter rss