صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

19 ديسمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

إضلال الأمة بفقه الأئمة فقه السلفيين يجعلنا أمة من أصحاب العاهات

19 يوليو 2012

كتب : المستشار أحمد عبده ماهر




 الحدود مصطلح فقهى عن العقوبات وليس مصطلحا قرآنيا له، وهى النهايات القصوى للزجر عن الجريمة وليست قطعيات محددة، ودليلنا فى ذلك هو قوله تعالى (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)، فالحدود هى النهايات الطرفية للأمور، فإذا فهمناها بهذا الإدراك فلن نجد من يصرخون ويتصورون بتر يد السارق أنها صلاة مفروضة يؤدونها ويا ليتهم يؤدونها وهم على صواب، بل أراهم على خطيئة كبرى.
 
وكما أسلفنا فإن الحدود العقابية وسيلة وليست غاية، ولقد بينا كيف أن النص القرآنى يحمل معانى متعددة لتتناسب مع كل جيل، لكن الخلط وقد أصاب المجتهدين من الأمة حتى اختلط حابل التوراة مع الإنجيل والقرآن بشأن حدود الجروح والأعضاء، وما تلكم إلا خطيئة فقهية ما كان لها أن تسافر عبر القرون إلا بسبب من توقفت عقولهم عن العمل بإرادتهم، بل ودفعوا الناس حتى لا يفكروا.
 
كنتيجة لما نتوارثه من فقه، وعزوف الأجيال أن تتدبر كتاب الله، وتصورهم بأن الأئمة الأربعة هم سقف العلم، مما أوقف الاجتهاد، بل وجدت أهل بلدى ينقمون على كل مجتهد، وكأنهم يحكمون سلفا على فشل وبطلان أى اجتهاد، لكن ذلك لا يمنع من أخلصوا لدين الله أن يجاهدوا ويجتهدوا، لذلك تجد كثيراً منا من يتصور وجود قصاص فى الجروح والأعضاء عملا بقوله تعالى بسورة المائدة: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{45} ؛ وهذا ما عليه فقه الأئمة بكل أسى وأسف، فكانوا يبردون من سن من كسر سن أخيه بذات القدر الذى كسره، وغير ذلك من قطع الأعضاء وغيرها ظنا منهم بأنه قصاص، وأن ما يقومون به شريعة إسلامية، حتى أضاعوا سمعة دين الإسلام ولطخوه بأوحال ليست منه.
 
ومن بين طقوسهم التى تصورونها عدلا أنهم كانوا يرون القصاص بكل شيء إلا اللسان والقضيب باعتبار أنهما يتمددان وقد لا يعلم مقدار القطع حين يتم القصاص إن كان الامتداد هنا مثل الامتداد هناك أم لا، وكانوا يتصورون هذا هو عين العدل.
 
 وهذا ما يتم تدريسه بالأزهر فى كتاب الاختيار لتعليل المختار بالمذهب الحنفى [كتاب الجنايات صفحة 419] حيث ورد به ما يلي:
 
 ولا قصاص فى اللسان ولا فى الذّكَر إلا أن تقطع الحشفة.
 
 ولا قصاص فى عظم إلا السِّن، فإن قلع يُقلع، وإن كسر يبرد بقدره.
 
 
 ولا يجرى القصاص فى الأطراف إلا بين مستوى الدية إذا قطعت من المفصل وتماثلت.
ولا قصاص فى العين إلا أن يذهب ضوءها وهى قائمة بأن يوضع على وجهه قطن رطب وتقابل عينه بالمرآة المحماة حتى يذهب ضوءها.
 
 فهل نقيم شريعة نكثر بها من سواد العاهات، أيكون هذا فهمنا لكتاب ربنا!؟
 
لكن هذا الفقه يجعل منا يوما أمة من أصحاب العاهات، وهو حكم رَفَعَهُ الله تخفيفا على البشرية المتحضرة، فالقرءان لم يُشِرْ أبدًا لما فهمه الفقهاء وتصوروه شريعة، بل لقد نسخه الله تماما بنزول شريعة سيدنا محمد، وبالمناسبة فهذا هو النسخ الذى عناه القرآن، يعنى نسخ شريعة اليهود بشريعة القرآن؛ وإننى لأتعجب من الفقهاء يقولون بالنسخ ولا يرتضون النسخ إلا داخل القرآن فيقومون بإلغاء آيات لحساب أخرى، بينما إذا ما بيّن الله لهم نسخه للشرائع فلا يعتبرون لبيانه سبحانه وتعالى.
 
ومن يتدبر ويتمعن فسيجد بأن هذا الحكم [القصاص فى الجروح والأعضاء] فى التوراة فقط لقوله تعالى: [وكتبنا عليهم فيها....]، فهذا هو ما كتبه الله عليهم، ولم يكتبه علينا، وكان ذلك بكتابهم وليس بكتابنا.
 
 
بينما تجد أهل التدين الشعبى وهم يقولون فى كلامهم بأن العين بالعين والسن بالسن وهم لا يدرون بأنهم يتكلمون باسم التوراة، وليس باسم القرآن.
 
 ومن يقرأ سورة المائدة يجد بأن الله بعد أن ذكر شريعة موسى بالتوراة، ذكر شريعة عيسى بالإنجيل، ثم تناول شريعة محمد بالقرآن قائلا: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }المائدة48.
 
 
فقوله تعالى: [لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً] تعنى أن شريعتهم غير شريعتنا وإن كانت العقيدة واحدة لا تتغير، وهى لا إله إلا الله، والعمل الصالح، والإيمان بالبعث، فهذه الثلاثة قواسم مشتركة بكل الرسالات وهى الإسلام الذى عناه الله بقوله تعالى [إن الدين عند الله الإسلام]، لذلك فالعقيدة واحدة وإن اختلفت الشرائع، فشريعتنا غير شريعتهم، لكن شريعتنا هى المهيمنة، [مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ]؛ بما يعنى أن الشريعة الخاتمة هى المهيمنة وهى التى يتوجب نفاذها، فشريعة القصاص فى الجروح والأعضاء تم تخفيفها وهى ليست شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، لكنها شريعة تم نسخها، كانت وانقضت لتتواكب مع الحضارة وذلك منذ يوم نزول تلك الآية بالقرآن [المائدة48] وإلى يوم القيامة؛ فالقصاص فى الجروح والأعضاء كان يتناسب مع الطبيعة البشرية التى انقضت قبل نزول القرءان.
 
 
وانظر ما جاء فى إنجيل متى ( العهد الجديد ) (18 : 8 )(قول المسيح فإن أعثرتك يدك ارتكبت بها معصية أو رجلك فاقطعها وألقها عنك . خير لك أن تدخل الحياة أعرج أو اقطع من أن تلقى فى أتون النار الأبدية ولك يدان أو رجلان . وإن أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك . خير لك أن تدخل الحياة أعور من أن تلقى فى جهنم ولك عينان.
 
والقصاص فى الإسلام منحصر فى أمرين لا ثالث لهما وهما القتل والحُرُمَات، فأما القصاص فى القتلى فقد ورد بقوله تعالى بسورة البقرة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ{178} وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{179}.
 
فهل انتبه أحدنا لقوله تعالى: [ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ]؛ الواردة بالآية 178 البقرة، فالآية تعنى بأنه كُتِبَ َعلينا القصاص فى القتلى كما كُتِبَ على اليهود، لكن تم تخفيف القصاص فى الجروح المفروض على أهل التوراة والإنجيل، والوارد بالآية 45 المائدة، فذلكم هو نسخ الشرائع والتخفيف الذى أرادته شريعة محمد التى تتواءم مع تطور البشرية إلى يوم القيامة، لذلك فهى مهيمنة على ما بين يديها من التوراة والإنجيل ولم يتم إلغاؤهما، بل طالب الله أهل التوراة بأن ينفذوا ما فيها وطالب أهل الإنجيل أن ينفذوا ما فيه، وما ذلك إلا ليتبين لهم أن شريعة القرءان هى التى تخاطب الحضارة الإنسانية فى طورها النهائي، وعلى ذلك فلا قصاص فى الإسلام .
 
 
وفى الجروح يتم الحبس أو الغرامة أو الجلد لكن لا يجرح بعضنا بعضا قصاصا، ثم نتصور بأننا ننفذ ما نسميه شريعة، ونقول بكل فخر :[قال الإمام فلان]ونتصوره يفهم بالإسلام أكثر منا رغما عن أنوف كل الأجيال المسلمة، لكنى أفهم إن أردنا فلنسميها شريعة اليهود، لذلك أنصح بضرورة فهم الشريعة قبل المناداة بتطبيقها، ودعكم من إدراك وفقه الأقدمين فلا يمكن أن يصعد لقاماتنا الفكرية والفقهية، وبخاصة من درسوا بالأزهر إن أعملوا عقولهم.
أما القصاص الآخر فيكون بتوقيت القصاص وكذا فيما يتم تعظيمه فقد ورد بقوله سبحانه: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ{194}؛ يعنى ذلك بأن من اعتدى عليك خلال الشهر الحرام فيمكنك أن تقتص منه فى الشهر الحرام، أو تقتص منه خلال شهره الحرام أو أزمنة التقديس عنده، كما هجم جيش مصر على إسرائيل يوم عيد الغفران عندهم عام 1973.
 
وهناك نوع آخر من أنواع الاعتداء على الحرمات، وهو أن يعتدى أحد على مقدساتك فيمكن للدولة أن تتخذ إجراء ضده على مستوى القصاص، وهكذا تكون الحرمات قصاص سواء فى الزمن أو الفعل لكن ليس فيه أن يتم إحماء الحديد حتى يحمر ثم نقربه من عينيك حتى يذهب نورها كما يقول بذلك فقه المذاهب حين يقتص ممن قلع عين غيره.
 
وعن قوله تعالى [فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ]؛ تعنى بأن الواحد حين يعتدى على الحُرُمات فإن الاعتداء عليه يكون بسلطان الدولة، وذلك لقوله تعالى [ فاعتدوا]؛ وليس أن تقوم جماعة ما أو عائلة أو قبيلة بذلك التنفيذ، فذلكم هو القصاص البدعى الذى لم ينزله الله بكتابه.
أما قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ126.
فهذا لا يخص الاعتداء على الأعضاء والجروح، إنما يخص الخطأ فى تنفيذ العقوبة، ولكن الله حبب العفو عن الخطأ العقابي، ولقد أخذ القانون الوضعى بذلك فليس على النيابة تثريب إن هى أخطأت بحبس أحدهم بالمخالفة للاستحقاق والحقيقة، وقد أورد الطبرى فى تفسيره ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ) يقول: إن أخذ منك رجل شيئا، فخذ منه مثله؛ بما يعنى أن الأمر لا يخص جروح ولا بتر ولا قطع.
لذلك فلابد من مراجعة أحكام الشريعة لتنطبق على صحيح مفهوم النص القرآنى بعقول اليوم، بلا تهوك فى نسخ أو تمسح فى حديث ظنى الثبوت والدلالة ولا يصلح لإقامة دين الله، ولا لينبع منه قانون، وليعلم الجميع بأن الحدود العقابية وسيلة وليست غاية، وهى وسيلة للإصلاح وليست وسيلة للانتقام، ولا يسمن بها الضرع ولا ينزل بها الغيث كما يحب الدمويون أن يقولوا، لكنها وسيلة إصلاحية تتطور بتطور الأجيال طالما يمكن للنص القرآنى أن يحمل المعنى المتطور بلا انحراف ولا تحريف.
 






الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

المترجم العراقى تحسين رزاق عيد: رواية «لاوروس» تجمع بين المعرفة والخبرة والخرافات والأوهام
مصيلحى: الاتحاد السكندرى قادر على تخطى الهلال السعودى
العالم يسعى لتقليص أيام العمل فى الأسبوع
السيسى: إفريقيا حققت على مدار السنوات العشر الماضية معدلات نمو إيجابية.. لكنه لم يحقق المستهدف منه
الحمام الزاجل يزين ميدان العروسة بـ«الغردقة»
«المالية» تعيد الكمبيوتر والصابون إلى عباءة الدولار الجمركى
«شيكابالا» يشعل أزمة جديدة بين الزمالك والاتحاد

Facebook twitter rss