صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

الديمقراطية فى ظل التوظيف السياسى للإسلام

18 يناير 2015



عبدالله النجار

لا يؤمن بالديمقراطية أى تيار من التيارات التى توظف الإسلام توظيفا سياسيا لخدمة أصحابها فى الوصول إلى الكراسى، ويعتبرها رجسا من عمل الشيطان ولا تمت للإسلام بصلة، بل يصرح مفكرو تلك التيارات ومنظروها بأنها تصل إلى درجة الشرك بالله، لأن الحاكمية لله، وهذه الديمقراطية اللعينة تنزع عن الله اختصاص الحاكمية وتعطيها للناس، فيقومون بصياغة التشريعات والقوانين وفقا لما يرونه، وليس وفقا لما يريده الله ورسوله، ولأنها تجعل العقل هو الأساس، والمصلحة هى الغاية وفقا لما يراه العقل بنظره هو وليس وفقا لترتيب المصالح واعتبارها فى التشريع الإسلامى، ولذلك كانت الديمقراطية شرا مستطيرا وعدوا خطيرا للإسلام، ثم إنها تجعل السيادة للشعب، مع أن السيادة لله، والحاكم والإمام لن يستطيع الوصول إلى منصبه إلا باختيار الشعب له، حتى ولو لم يكن من بين هؤلاء المنظرين الذين امتلأت نفوسهم ثقة وغرورا حتى ظنوا بأنفسهم ما ظنه اليهود فى أنفسهم حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وإذا وصل إلى كرسى الحكم، ثم ارتكب خطأ أو اعتراه مانع يحول دون استمراره فى الولاية، فإنه يعزل بإرادة الشعب وليس وفقا لما يفهمه هو من نصوص الشرع التى تدعو إلى تأبيد الإمامة حتى يموت الإمام أو يعتريه من عوارض الأهلية أو فقدها ما يجعله كالميت مثل الجنون والعته، وربما اعتراه من تلك الموانع ما يستوجب عزله لكنه يجب أن يظل إماما فوق أنفاس الناس، وبالمخالفة لمصالحهم وما تتجه إليه إراداتهم فى المحافظة عليها، ولأن الإمام فى نظر الديمقراطية خادم للناس، ونائب عنهم فى الحفاظ على مصالحهم فهو مثلهم فى الحقوق، ويزيد عنهم فى أعباء المسئولية وهموم المنصب، لأن الولاية غرامة، وليست مغنما، وهى واجب لا يقابله سوى حق الإمام فى كفالة العيش الكريم مثله كمثل آحاد الناس، وهذه النظرة ربما لا توافق هوى بعض ولاة العصر الذين تفتحت أعينهم اليوم على ما فى الدنيا من بهارج الحكم وأبهة السلطان وتقاليد الرئاسة وأعراف الزعامة والتعظيم الذى يلقاه الإمام أو الزعيم كلما حل أو ارتحل، ومن المعلوم أن الزعامة والكراسى لها شهوة تفوق شهوة الطعام والنساء، لأنها أساس كل ذلك وهى أداة الاقتدار التى يستطيع الحاكم أن يصل بها إلى ما يريده من كل الشهوات التى تميل إليها نفسه، ويقع عليها هواه، ولهذا كان التمسك بها موافقا لتلك الغريزة الإنسانية التى لا تعترى الحاكم وحده، بل تتعدى إلى المحيطين به من الأعوان والأنصار، حيث يكون لهم - بالقطع - من أبهة الحكم وكعكة الولاية نصيب، وأى نصيب.
هذه الأمور الجبلية التى تحيط بالزعامة وترتبط بالرئاسة تجعل من الديمقراطية - فضلا على مخالفتها لحاكمية الله ومساراتها المعاكسة لمسار الدين - غرما ثقيلا وهما كبيرا على نفوس الحاكمين المستبدين بالطبع، أو المستبدين بالاكتساب من طبيعة المنصب وسطوة الزعامة والحرص عليها أكثر من الحرص على الحياة.
ورغم أن الديمقراطية أصبحت حلما لبعض الشعوب التى شبعت استبدادا من حكامها، إلا أن فيها من الثقوب الموصلة للديكتاتورية من أقصر الطرق ما فيها، ومن ذلك التلاعب فى أصوات الناخبين أو التزوير أو تغيير الصناديق، أو إقبال الناخبين على اختيار مرشح لا يعرفون عنه أكثر مما أعلنه هو أو فريق دعايته عن نفسه، وشهادة الإنسان لنفسه مجروحة، ومع ذلك لا يكلف كل مرشح عن ذكر محاسنه وفضائله، وكأنه الفذ الذى لا نظيره له، أو الملاك الطاهر الذى سيملأ الأرض عدلا وخيرا وسعادة، ويكفى من يطالع لافتات الدعاية التى يعدها المرشحون ومن يؤيدونهم أن يتأكد من ذلك بنفسه، ولم نجد حتى الآن مرشحا قال عن نفسه: إنه كذاب أو مُداهن أو أُلعبان أو ما إلى ذلك من ملامح الأخلاق السيئة التى توجد فيه، وقد يكون المرشح سيئا ردىء الأخلاق، إلا أنه يمتلك أموالا طائلة يمكن أن يقدم قدرا ضئيلا منها رشوة للناخبين على هيئة مبلغ من المال أو بعض السلع التموينية كالزيت والسكر، أو الدعوة إلى وليمة فاخرة فيها من أطايب الطعام ما هو كفيل بأن ينسى الناخب أفظع سوء فى أخلاق المرشح صاحب الوليمة، ومن ثم فإن الديمقراطية ليست طريق الورود الموصل إلى السعادة السياسية، ولكنها فى الدول الفقيرة التى تنتشر فيها الأمية يمكن أن تكون ضارة بها وسببا لتعاستها لأن الناخب ليس له صوت يقدر قيمته، فليس الذى يعنيه هو ممارسة حق الانتخاب، وإنما الذى يعنيه هو الوصول إلى أدنى أسباب الحياة الكريمة وهى الطعام والشراب والمسكن الكريم والكسوة، وكما قال عمر بن الخطاب: إن الإنسان ليس أمينا على نفسه إذ أنت أجعته أو أهنته، ولأن طلب الطعام مقدم على ممارسة حق الانتخاب، ولهذا فإن الديمقراطية فى الدول الفقيرة تكاد تشبه العلاج القوى لجسم لا يتحمله، مثله كمثل من يقوم بتركيب محرك طائرة على سيارة صغيرة، إنه لن يقويها ولن يسرع بها على الطريق ولكنه سيمزقها إربا ويدمرها تدميرا، وقد رأينا قصة بعض الدول مع الديمقراطية، حيث لم تلبث حين طبقتها بأصولها الصحيحة أن انشطرت إلى شطرين، شطر مع المؤمنين أصحاب الأيدى المتوضئة، وشطر مع العلمانيين أصحاب الأيدى المتهرئة.
ولهذا فإن نظام الإسلام فى الممارسة الديمقراطية يصلح تلك الثقوب، ويعالج ما فى الديمقراطية من قصور لأنه يعتمد نظام الشورى التى تتيح للناخبين أكبر قدر من الحرية واليقظة فى اختيار حكامهم، وذلك من خلال فلترة الاختيار عن طريق أهل الحل والعقد الذين يقدمون خبرتهم للعوام فى الاختيار ويسوقونهم إلى المسار الصحيح فيه، وتحديد العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس واضح فى الحقوق والواجبات.
ونظام الإسلام السياسى لا يحب الديمقراطية بصورتها التقليدية، ولا بصورتها المهذبة بمبادئ الشريعة الإسلامية، لأن المآل فى النهاية واحد، وهو أن الاختيار سوف يتم بواسطة الشعب، وسيكون أهل الاختيار من الشعب هم أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة فى مصائر بلادهم.. وهذا ما لا يقبله هذا التيار، ولم يتردد المنظرون الأوائل فى إعلان التبرؤ من الديمقراطية صراحة وأنها تنافى الإسلام وتناقض مبادئه وأنها غير مقبولة فى ممارسة العمل السياسى كما كشفت التجارب عن طاعة الأتباع لأستاذتهم فى ذلك دون مخالفة، وقد استمرو فى ذلك الانصياع الكاره للديمقراطية إلى أن تأكد لهم فى عصرنا أن أصحاب السطوة العالمية الذين يستنصرون بهم يريدون تلك الديمقراطية اللعينة، فتحول مقتهم لها إلى رضا واختيار حتى أصبحت تلك الديمقراطية فى نظر بعض الخطباء منهم فتحا إلهيا ووسيلة من وسائل الغزو، وسماها «غزوة الصناديق» فأصبح الأمر المقيت لهم محببا ومفضلا، بل ومقدما وأصبح له شرعية تسمى «شرعية الصندوق» ومن ثم أصبحت الديمقراطية المحرمة حلالا، بل واجبا، وأصبحت ممارستها مطلوبة فى كل وظيفة عامة، بعد أن ملكوا ناصيتها وأخرجوا كل ما عندهم من النساء والشباب والشيوخ والكهول ليجاهدوا فى سبيل الله بأصواتهم فى الصناديق، وبعد أن أفهموهم أن ذلك الصوت يقوم مقام السيف فى الجهاد، فاختاروا أهلهم وعشيرتهم، وأقصوا كل طوائف الشعب لأنهم لا يرقون إلى مكانتهم فى القرب من الله والحرص على دينه.
إن التحول من كره الديمقراطية وبغضها، ولعنها، إلى التمسك بأهدابها والتغنى بآثارها ونتائجها، هذا التحول من النقيض تماما إلى النقيض يدل على أن الأمر أمر مصلحة، ورغبة جارفة فى الوصول إلى الحكم بأى وسيلة، يستوى أن تكون تلك الوسيلة إيمانية مأثورة أو علمانية كافرة مبتدعة من أهل البلاد الكفرية، كما أن فكرة الشورى غير واردة، لأن المقصود هو الاستبداد والتسلط، ولهذا فإن كل ما ينافى الاستبداد والتسلط لن يكون مرغوبا حتى لو كان مستندا إلى كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إنهم لا يقصدون الإسلام ولكنهم يقصدون الكرسى والسلطة وأبهة الحكم يستوى أن يكون الطريق إليه بالديمقراطية أو بالديكتاتورية المهم الوصول، وليفعل الله بعد ذلك ما يريد وربما كان ذلك هو الذى يفسر سر المقت الشديد للديمقراطية، ثم الحب الشديد لها والإشادة بمحاسنها والكرسى هو السبب الأول والأخير.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

دينا.. جاليرى للمشغولات اليدوية
القوات المسلحة: ماضون بإرادة قوية وعزيمة لا تلين فى حماية الوطن والحفاظ على قدسيته
كاريكاتير أحمد دياب
الجبخانة.. إهمال وكلاب ضالة تستبيح تاريخ «محمد على باشا»
معركة بالأسلحة فى مركب على النيل بسبب «الفاتورة»
قرينة الرئيس تدعو للشراكة بين الشباب والمستثمرين حول العالم
الأرصاد الجوية تعمل فى الإجازة بسبب تفتيش «WMO»

Facebook twitter rss