صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

17 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

محمد والمسيح.. تلاقى المولد والرسالة

18 يناير 2015



د/ ناجح إبراهيم

أشق وأصعب وأدق ثلاثة أيام تمر على الإنسان هى يوم مولده وقدومه إلى الدنيا.. ويوم موته ومفارقته لها ووداعه للأهل والأحباب والسلطة والمال والدخول إلى قبر مظلم تحت باطن الأرض.
أما الثالث فهو يوم يبعث حيا فيحاسب أمام الخلائق كلها على الصغير والكبير والحسنة والسيئة والظاهر والباطن وعمل القلب والجوارح وهفوات اللسان.
وقد سلم الله الأنبياء جميعا من أهوال هذه الأيام الثلاثة.. وخص بالذكر سيدنا عيسى عليه السلام لخصوصية ولادته من جهة.. وخصوصية رفعه إلى السماء من جهة أخرى.. ونجاته ممن أرادوا الفتك به وقتله.. قال تعالى فى كتابه العزيز «وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّا».
وكنت كلما شرحت هذه الآيات للإخوة فى المعتقل أضيف إليها مازحا يوما رابعا فيتعجب الإخوة لذلك.. ثم يزول استغرابهم حينما أقول لهم: يوم دخول الإنسان السجن.
ولعل هذه الآية هى جزء من تكريم القرآن لسيدنا عيسى.. فالقرآن العظيم ومحمد صلى الله عليه وسلم أعظم من احتفى بعيسى بن مريم وأمه العذراء مريم وأسرته «آل عمران».. فثانى أكبر سورة فى القرآن هى سورة «آل عمران».. أما سورة «مريم» فهى من السور الرائعة التى يعشق القراء قراءتها ويحب قوام الليل التهجد بها وتدبر معانيها الرائعة.
وقد احتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بأخيه عيسى بن مريم فهتف قائلا فى أجيال الدنيا كلها «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم فى الدنيا والآخرة»
وفى هذه الأيام تلتقى ذكرى مولد الحبيبين الكريمين والنبيين العظيمين محمد والمسيح عليهما السلام.. كما التقت أرواحهما ورسالتيهما وتعاليمهما.
وكلما كتبت عن ميلاد المسيح عليه السلام بادرتنى بعض التعليقات بأن عيسى عليه السلام ولد فى الصيف وليس فى الشتاء لأن الرطب المذكورة فى القرآن لا تكون إلا فى الصيف ولا تخرج فى الشتاء «وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً».. ونسى هؤلاء أن قصة حمل مريم وولادتها كلها تدخل فى باب المعجزات الكبرى.. فإذا كان الله قد ساق إليها وهى معتكفة متعبدة متبتلة فاكهة الصيف فى الشتاء وفاكهة الشتاء فى الصيف حتى سألها سيدنا زكريا تعجبا «أنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ».
فضلا عن معجزة حمل مريم وولادتها دون زوج.. وأن يتكلم عيسى فى المهد.. وإبرائه وشفائه للأكمه والأبرص وإحيائه للموتى بإذن الله «وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـى الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ» والأكمه هو من ولد أعمى وهى أشد حالات العمى.
فإذا كانت كل هذه المعجزات ذكرها القرآن ويؤمن بها كل مسلم وإذا كانت مريم قد استطاعت أن تهز جذع النخلة وهى فى قمة تعبها.. أليس من المعجزات أيضا أن تنزل الرطب من النخلة فى الشتاء إكراما للنبى عيسى عليه السلام وأمه العفيفة العابدة المتبتلة الصائمة القائمة الزاهدة مريم؟
إن التشكيك فى أصل مواعيد الميلاد لن يفيد المسلمين شيئا ولن يضر المسيحيين شيئا.. ولن يغير من مواعيد احتفالاتهم.. ولن تكون له ثمرة سوى إلقاء ظلال الكراهية بين المسلمين والمسيحيين الذى يعيشون فى وطن واحد.
لقد وجد النبى صلى الله عليه وسلم اليهود يصومون عاشوراء فى المدينة فلم يسأل عن ارتباط الشهر العربى بالواقعة رغم أن الحساب العبرى مختلف عن العربي.. ولم يكلف نفسه إثبات خطأ أو صواب يهود المدينة فى الحساب.. ولكنه قال بتلقائية محببة صادقة: «نحن أولى الناس بموسى منهم» وكأنه يقول لليهود «نحن أعرف بفضل ومكانة موسى أكثر ممن يزعمون اتباع هديه من اليهود».
فإذا أضيف إلى ذلك انطلاق دعوات تحريم تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد كل عام.. وامتلاء الفيس بوك بمثل هذه الفتاوى.
صحيح أن ابن تيمية أفتى بحرمة تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم.. وهو عالم واحد من بين عشرات الآلاف من العلماء الذين لم يفتوا بذلك.. وانفرد به دون سواه من علماء عصره.. ولم يستند فى فتواه إلى نص صريح من القرآن والسنة يحرم تهنئة المسيحيين بعيد الميلاد.. وإنما استند إلى أدلة عقلية تدور حول أن التهنئة قد تعنى قبول أو دخول المسلم فى عقيدة المسيحى أو اليهودى بطريقة أو بأخرى.
والحقيقة أن التهنئة مسألة اجتماعية وليست عقائدية.. وإنسانية أكثر مما هى دينية.. فالمسيحى يهنئ المسلم بعيدى الفطر والأضحى فهل أصبح بذلك مسلما؟! أو أقر بعقيدة المسلم بتلك الكلمات القليلة التى تشيع جوا من الألفة والمودة والترابط والتآزر بين أبناء الوطن الواحد والشارع الواحد والمنزل الواحد والعمل الواحد؟!
وماذا يضير المسلم فى دينه لو هنأ المسيحى من بنى وطنه بعيده.. وهل الذين هنأوا المسيحيين من قبل فى الأعياد السابقة ارتدوا عن الإسلام.. أو كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ؟!
إن المسيح هو ملك للجميع وليس لطائفة بعينها.. وكذلك محمد وموسى عليهما السلام وكل الرسل.
إن ما بين محمد والمسيح صلى الله عليه وسلم من الحب والود والنصرة أكبر من «أن يكتب عنه مثلى أو أى كاتب.. ويكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم فى الأولى – أى الدنيا- والآخرة».
وقد تشابه الرسولان فى كثير من مضامين الرسالة.. ويمكننى اختصارها على النحو التالى:
1- أرسل الله عيسى عليه السلام ليؤدب بنى إسرائيل الذين قتلوا بعض الأنبياء وكذبوا بعضهم وتحايلوا على الشريعة وأصاب الجفاء قلوبهم ونفوسهم حتى أصبحت كالأرض البور المجدبة .
وأرسل الله محمدا إلى أمة العرب التى ملأتها العصبية والقبلية والتقاتل وحب الذات والفخر بالدنيا وعبادة الأوثان والأصنام من دون الله وطواف النساء والرجال عرايا حول البيت الحرام يصفقون ويغنون ويصدون عن سبيل الله.
2- جاء كل منهما يوجه خطابا دعويا قويا وحازما ورقيقا فى الوقت نفسه إلى قومه.. فهذا المسيح يصدح فى بنى إسرائيل « قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله – أى القيامة- فتوبوا وآمنوا بالبشرى».
وفى نفس النهج يهتف محمد فى قومه « إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت على الناس جميعا ما كذبتكم.. إنى رسول الله لكم بين يدى عذاب شديد».
3- وكلاهما دعا إلى العمل وعدم الاتكال على النسب الصالح.. فهذا نبى الله عيسى يهتف فى عصاة بنى إسرائيل الذين يعتقدون أن نسبهم إلى إبراهيم عليه السلام سيشفع لهم دون عمل أو طاعة» يا أولاد الأفاعى لا تقولوا لنا إبراهيم أبا.. لأنى أقول لكم إن الله قادر على أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم.. فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى فى النار».. وكأنه يقول لهم إن انتسابكم لإبراهيم لن يغنى عنكم من الله شيئا وإن الدين والهداية ليست بالوراثة ولكن بالعمل والطاعة.
وها هو محمد يصيح فى قومه نفس الصيحة وبنفس المعاني: « يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِى عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِى عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِى مَا شِئْتِ مِنْ مَالِى لاَ أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».
4- وكلاهما كان يدعو للسلام ويحض عليه.. فهذا عيسى عليه السلام يدعو للسلام قائلا: «طوبى لصانعى السلام».. أما شقيقه محمد فيقول: «أفضل الأعمال بذل السلام للعالم».. ويقول آمرا «أفشوا السلام بينكم».. ويقول «لا تتمنوا لقاء العدو» ولكن إذا فرض القتال وألزمتم الحرب فما عليكم إلا « فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا -  أى وقتها - أن الجنة تحت ظلال السيوف» أى التى بسببها يسقط الشهداء دفاعا عن الإسلام والأوطان.
5- وكلاهما كان يدعو للحب وهى السلعة الغالية التى إن غابت عن دنيا البشر فإن الدنيا تصبح موحشة قاتمة كئيبة.. فالحب هو الرباط الجميل بين القلوب الذى يجعلها تتكاتف وتتآلف وتتغافر وتتسامح وتتراحم وبغيابه تغيب كل الفضائل .
ويؤسفنى أنه غائب اليوم عن مصرنا وعن معظم الدول العربية التى ملأتها الكراهية والأحقاد.. فهذا المسيح يهتف فى قلوب بنى إسرائيل الصخرية مختصرا رسالته فى كلمتين «الله محبة».. ويتابعه ويؤيده محمد صلى الله عليه وسلم الذى يصدح بنفس الشعار الرائع «أفضل الأعمال الحب فى الله».. ويذكر من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله «رجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه» .
وكان العرب فيهم من الأنفة والجفاء ما يمنع الرجل أن يقول لأخيه «إنى أحبك فى الله» مهما كان حبه إياه فعلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك .
فمن لا يعرف المحبة لن يصل إلى الله.. لأن الله هو الحبيب الأعظم.. ومن لا يحبه سبحانه لن يحب الناس ولن يحبه الناس.. وكل المحاب مثل محبة الوالدين والزوجة والأولاد والأصدقاء والناس تنبع أساسا من محبة المحبوب الأعظم وهو الله.. ويعد الأنبياء جميعا أكثر الخلق حبا لله وحبا للناس.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى يتسلم رسالة من نظيره الغينى.. ويؤكد: التعاون مع إفريقيا أولوية متقدمة فى السياسة المصرية
«السياحيون «على صفيح ساخن
واحة الإبداع.. «عُصفورتى الثكلى»
قرض من جهة أجنبية يشعل الفتنة بنقابة المحامين
إحنا الأغلى
كاريكاتير
كوميديا الواقع الافتراضى!

Facebook twitter rss