صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

26 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

بين «عبده عبد المنعم جعفر».. و«جرجس عبدالمسيح»

28 ديسمبر 2014



عاطف بشاى

بين «عبده عبدالمنعم جعفر» و«عبدالمسيح عزت» ثورتان وعدالة اجتماعية ضائعة.. وأحلام بسطاء وطن فى حياة كريمة.. ففى مقدمة منطقية قبل الانفجار البركانى فى ميدان التحرير الذى أثمر عن ثورة (25 يناير).. تصدر المشهد وقائع القهر والظلم الاجتماعى الذى تراكمت مظاهره تراكماً بشعاً ينذر بانفجار ثورى لم يكن أحد يعلم من أين يبدأ.. وإن كنت تصورت أنه سوف يأتى من غضب عشوائيات الجوع والمهانة التى تشكل حزاماً يطوق البلاد فى فوضى طبقية لا مثيل لها.
لكن المشهد ظهر على رصيف مجلس الوزراء المقابل للبوابة الرئيسية لمجلس الشعب.. وكان بطله «عبده عبدالمنعم جعفر» الذى ربما نسيناه ونسينا حكايته بسبب تدفق الأحداث الصاعقة التى بدأت بتظاهر الشباب وانتهت باعلان سقوط النظام سقوطاً تاريخياً وتولى المؤسسة العسكرية شئون الحكم.
فمن هو«عبده عبد المنعم جعفر»؟!
إنه صاحب كشك الفول الصغير بالقنطرة غرب بمحافظة الإسماعيلية الذى شعر بأن الموت هو وسيلته الوحيدة التى لا يملك سواها للتعبير عن وجوده.. وعن وجود أمثاله الذين يعيشون حياة تعسة يعانون فيها فقراً وظلماً اجتماعياً يفوق قدرتهم على الاحتمال والتجاوز.. فهم عاجزون عن تلبية أبسط حقوقهم فى الحياة.. لقمة يابسة تسد الرمق.. وهدمة متواضعة تستر البدن.. وقروش قليلة لاحتياجات أساسية كتعليم أطفال أو سداد إيجار مسكن متداع مبنى بالطوب اللبن وباب خشبى متهالك وأثاث منزل لا يزيد على قطع خشبية بسيطة على أرضية طينية تتراكم عليها المياه.. وعلى بعد أمتار يلعب «سيد» وأمينة» ابنا «عبده» الصغيران دون وعى منهما بحالة والدهما وربما كانا أحد أسباب اقدامه على الانتحار.. فهو يعولهما ويعول زوجته وأمه المريضة وابناً أكبر يساعده فى العمل على طريق رئيسى يربط بين محافظتين وكل رواده من سائقى النقل والمقطورات.. وبعدما بدأ إضراب المقطورات تأثر الدخل جداً.. لم يطلب «عبده» إلا زيادة حصة العيش.. والوحدة المحلية تتعسف معه فى صرف الخبز المدعم المخصص له.. ولوالدته.. كما تتعسف فى استبدال مكان تسلم الخبز من الإدارة المحلية إلى قريته.
وقف «عبده» على رصيف مجلس الوزراء.. وسكب على نفسه البنزين.. وهتف.. «منكم لله.. قطعتم عيشى.. آكل منين أنا وعيالى.. حقى ضايع».. ثم أشعل النار فى جسده.. إن صرخات الاحتجاج بالانتحار تحمل رسالة بائسة تعني.. أننى وأمثالى من البؤساء سوف نؤرق ضميرك أيها المجتمع المتحجر القلب بازهاق أرواحنا.
لكن تلك الرسالة العاجزة المؤلمة لم تصل وقتها إلى المسئولين.. فقد كان رد فعل محافظ الإسماعيلية يتلخص فى تعليقه على الحادث فداحة المأساة التى نعيشها وبشاعة خطايا نظام فاسد بأكمله.. وحتمية أن تهب عاصفة عاتية.. تطيح به وتجتثه من جذوره.. فقد وصف المحافظ فى بيان أصدره أن إقدام «عبده» على الانتحار أمام مجلس الشعب تصرف غير لائق (مش شيك أو رقيق يعنى) وناتج عن خلل نفسي.. فالمواطن يحصل على حصته من الخبز.. لكنه افتعل مشكلة مع مدير منفذ توزيع الخبز.. وحرر له محضراً فى قسم الشرطة ثبت من خلاله أنه يرغب فى بيعها بالكشك بالمخالفة للقانون.
موقف المحافظ يمثل غلظة واستعلاء فى مواجهة البسطاء الذين يقتربون من حد الفقر فى مجتمع يعانى من بطالة وغلاء أسعار وقهر اجتماعى وفساد إداري.. بينما واجبه يحتم عليه أن يبسط حمايته ورعايته للمحتاجين.. ويعمل على حل مشاكل بسيطة لن تكلفه جهداً أو وقتاً أو تخطيطاً أو أموالاً فادحة.. إنها بضعة أرغفة لأفواه جائعة.. كما يكشف بيان المحافظ عن افتقار فاضح للرؤية الاجتماعية والسياسية لأحوال المجتمع وبيروقراطية ذميمة تعلى من أهمية الإجراءات العقيمة حتى لو كان الثمن جوع أسرة أو إغلاق مطعم صغير.. فزيادة حصة الخبز تستلزم طلباً يقدمه المواطن يوافق عليه رئيس المدينة.. ثم تأشيرة مدير التموين.. ثم توقيع مدير منفذ توزيع الخبز.. وربما عشرات الموظفين الآخرين الذين يقومون بدراسة حالة المواطن الاجتماعية وتقدير مدى احتياجه للخبز.. ثم ينتهى الأمر فى النهاية بقرار أنه.. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. إن الظلم الاجتماعى مضاف إليه تفشى الفساد كانا المقدمة المنطقية التى أدت إلى ثورة شعب يعيش ملايين منه بالمقابر.. ونهب اللصوص ثروات الوطن.. وأراضيه وأتوا على الأخضر واليابس.. وهكذا فإن ثورة (25) يناير التى رفعت شعارات الحرية العدل والكرامة الإنسانية.. هى ثورة الطبقة المتوسطة التى جاءت من أجل التعبير عن أحلام بسطاء الوطن الذين يمثلون أغلبيته البائسة فى حياة أكثر عدلاً وإنسانية.
ثم تجرى فى النهر مياه كثيرة.. ويستولى الإخوان على الحكم ويأتى الطوفان الثانى ممثلاً فى ثورة (30) يونيو ليقتلعهم ويتولى «السيسى» إدارة الدفة وسط عواصف عاتية وأنواء صعبة لتحقيق ثورة إصلاحية.
لكن أهم أهداف الثورة فى إعلاء قيمة العدالة الاجتماعية مازالت ملامحه غائبة.. وبين صراع «عبده عبدالمنعم جعفر» على رغيف الخبز.. ومأساة الطفل «جرجس عزت» أكثر من أربع سنوات.
لقد ضبطوه يسرق من الفرن الذى يعمل به خمسة أرغفة وسيق إلى قسم البوليس وأفرج عن وكيل النائب العام على جريمته فى إعلان العصيان على الجوع.. «لو كان الفقر رجلاً لقتلته».. ثم كانت المفاجأة العاصفة بعد عام ونصف العام حيث حكم على الطفل بالإيداع فى مؤسسة أحداث فهناك إخطار من جنايات «بنى سويف» بالأمر.. وهذا يعنى أن أوراق القضية حملها مخصوص من النيابة العامة للمحكمة.
يقول الأستاذ «عصام كامل» فى مقاله عن «عبد المسيح» فى «فيتو» إن المجتمع خطط بليل أن يسرق من عبدالمسيح فى حياته.. وهو ذاته نفس المجتمع الذى خطط فى مؤامرة حيكت للسطو على روح «عبدالمسيح» تلك الروح التى وهبها الله له وأمره وأمر أولى الأمر، أن يحافظوا عليها.. عبدالمسيح سرق - من أجل الحياة، وحكم المحكمة عليه قضاء ضد الحياة».
«عبدالمسيح» شأنه شأن «عبده عبدالمنعم جعفر» ضحايا مجتمع يكره الفقراء ويزدريهم ويطلب منهم أن يقدموا اعتذاراً عن وجودهم فى حياة تعسة فى مجتمع - مازال - يحتفى بالفوارق الطبقية بين الثراء الفاحش فى مقابل الفقر المدقع.. تناقض حاد وصارخ - مازال - بين قاهرة الفقراء.. وقاهرة يعيش نصف سكانها تحت حد الفقر.. وقاهرة أخرى تشيد الفنادق الفاخرة لخدمة مائة وستين نوعاً من الكلاب المدللة.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

15 رسالة من الرئيس للعالم
الأبعاد التشكيلية والقيم الروحانية فى «تأثير المذاهب على العمارة الإسلامية»
الحكومة تعفى بذور دود القز من الجمارك لدعم صناعة الحرير
الرئيس الأمريكى: مقابلة الرئيس المصرى عظيمة.. والسيسى يرد: شرف لى لقاء ترامب
رسائل «مدبولى» لرؤساء الهيئات البرلمانية
الاستثمار القومى يوقع اتفاق تسوية 500 مليون جنيه مع التموين
هؤلاء خذلوا «المو»

Facebook twitter rss