صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

18 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

عامان مع البابا الجديد: الكنيسة بين «شنودة» و«تواضروس»

30 نوفمبر 2014




عاطف بشاى


حينما قامت ثورة (25) يناير تمرد شباب الأقباط ضد سلاطين الكاتدرائية من المطارنة والاساقفة واتباعهم من القساوسة والرهبان.. وعلى رأسهم قداسة البابا شنوددة وانطلقوا متجاوزين الحوائط الخرسانية التى بناها البابا لاغلاق ابواب الكاتدرائية فى وجه خطر هجوم أشاوس الاخوان والسلفيين -  المتخيل أو الافتراضى - فى اطار خطتهم لقتل الاقباط ونسف الكنائس.
انطلق شباب الاقباط إلى ميدان التحرير مع اخوانهم المسلمين متشابكى الايدى ومتوحدى المشاعر والافئدة لاسقاط نظام جائر.. والدعوة إلى فجر يوم جديد يرفع شعار الحرية والكرامة والعدل ويرسى دعائم الديمقراطية والمساواة وحقوق المواطنة غير مبالين بغضبة البابا الذى دعاهم إلى قداسات صلاة لحفظ مصر من المظاهرات التخريبية التى تقوم بها قلة مندسة من الاشرار الضالين المحرومين من دخول ملكوت السماوات مع الابرار والقديسين كما يدعو فى الصلاة إلى ان يحفظ رئيسنا المحبوب ويبارك خطواته الفاسدة ويزيد ملياراته المتكاثرة هو واولاده وزوجته ونسلهم من بعدهم وحتى انقضاء الدهر.
تلاحم الشباب القبطى مع المسلم واقيمت القداسات يومى الأحد والجمعة على ارض ميدان التحرير التى سجد عليها المسلمون خمس مرات فى اليوم يحميهم المسيحيون بسياج من الأيدى المتشابكة وبقلوب تخفق بالحب والتآخى ووحدة المصير.. وامتزجت الاناشيد مع الترانيم المسيحية والصليب مع الهلال فى ملحمة رائعة تؤكد أواصر الوحدة الوطنية الحقيقية التى تختلف مع زيف تقبيل اللحى بعد احداث فتنة أو مآرب نفاق مشتركة فى مناسبات مفتعلة.. رفض شباب الاقباط اذن ان يكونوا «طائفة دينية» أو مجرد «رعايا» بمفهوم الدولة الدينية التى كان يحاول البابا شنودة دائمًا ان يفرضها كما يفرض وصايته السياسية وتعاليمه الجامدة على جموع الاقباط محاولًا أن يختزلهم فى شخصه.. لقد انتبه الشباب فى رفضهم إلى عمق المهانة التى سوف تلحق بهم إن هم تخلوا عن مبدأ «المواطنة» من أجل الانتصار لـ«طائفية» بغيضة تلزمهم بها الكنيسة وتفرض عليهم عزلة إجبارية تمنعهم من المشاركة الايجابية فى الحياة الاجتماعية والسياسية للوطن.. وفطنوا إلى فداحة ان يتم وصمهم بالخيانة اذا ما هم انفصلوا عن ثورة الشعب التى تعنى ثورة المسيحيين والمسلمين من اجل اقامة دولة مدنية تختفى فيها الشعارات الدينية..
ثم كان من الطبيعى بعد ذلك ان يذهب الشباب فى مسيرات إلى ماسبيرو حينما كانوا يطالبون بحقوق مغتصبة بدلًا من الذهاب إلى الكاتدرائية.. ورغم هذه الحقوق تتصل بالتمييز أو الاضطهاد لأسباب دينية.. فان التظاهر بالطبع يتخذ طابعًا سياسيًا امام سلطة سياسية وبالتالى فلا ينبغى ان يكون للكهنة دور فيه.. ولا سيما انهم يرفضون التظاهر بأوامر من البابا حيث التشدق بأن الدين المسيحى يدعو إلى نبذ التظاهر وطاعة الحاكم حتى لو كان طاغيًا.. وهو ادعاء ينافيه ان المسيح نفسه كان ثائرًا عظيمًا.. سعى إلى نسف التقاليد والطقوس والتعاليم البالية.. وشرائع اليهود المتحجرة التى من شأنها ان تقيم الحواجز بين الانسان واخيه الانسان.
وقد كان فى تمرد شباب الاقباط ضد السلاطين الكاتدرائية - عند اندلاع الثورة - وانطلاقهم إلى ميدان التحرير مع اخوانهم المسلمين هو اول انذار يؤكد للقيادات الكنسية ان التغيير القادم سوف يمتد من ميدان «التحرير» إلى «العباسية».. من الثورة الشعبية التى جاءت من أجل القضاء على الفساد إلى الثورة على الجمود والتعنت والتحريم والتجريم وفرض الوصاية الاجتماعية والانسانية باسم الدين على بشر معذبين يبحثون عن الرحمة والخلاص والحب والسلام الذين بشر بهم المسيح منذ أكثر من ألفى عام.
لكن رياح ثورة (25) يناير لم تمر امام الكاتدرائية. وصم السلاطين آذانهم عن صراخ المقهورين واغلقوا قلوبهم وابوابهم فى وجوه المستضعفين واوقفوا عقولهم عند تعاليم اباطرة العصور الوسطى وكتبهم القديمة.. ومن ثم فقد اندفع الثوار من البؤساء واعتدوا على الانبا «بولا» المسئول عن ملفات الاحوال الشخصية مطالبين باعادة العمل بلائحة (1938) وحل مشاكل الالاف الحاصلين على احكام نهائية بالطلاق ولا يستطيعون الحصول على تصريح زواج ثان من الكنيسة.
إن الدنيا تغيرت.. واصحاب المظالم عرفوا طريق الاحتجاج والخانعون تحولوا من محتمين بأسوار الكاتدرائية إلى محتجين ضدها.. والايدى التى كانت تمتد بخشوع لتقبيل اياديهم المباركة اصبحت تلوح لهم بغضب.. وتطاردهم باللعنات.
لكن الأنبا ومعه بقية أمراء الكاتدرائية اطلقوا على الاعداء كلاب الحراسة البوليسية الشرسة.. ولم لا وقد هتك المستضعفون العزل استار القداسة الزائفة التى يتدثرون بها.. ومزقوا اقنعة الوداعة والرحمة التى يغطون بها وجوههم واعتدوا لاول مرة فى تاريخ الكنيسة القبطية على زيف كهنوت يحتمون به لتحقيق هيبة ونفوذ وسطوة «انهم يزلزلون عروشهم المستقرة ومملكتهم الزائلة التى يحكمون بها باسم الرب.. من كانت مملكته ليست من ذلك العالم».
إنها المرة الأولى اذا بعد ثورة (25) يناير التى يتظاهر فيها الاقباط داخل الكنيسة ضد الكنيسة.. وليس ضد النظام السياسى.
المرة الثانية كان التظاهر ضد الأنبا «بيشوى» سكرتير المجمع المقدس السابق الذى كان يسمى بالرجل الحديدى فى الكاتدرائية وصاحب التصريح الشهير ان المسلمين ضيوف على مصر المسيحية وليسوا شركاء وطن.. هذا التصريح الذى تسبب فى تصريح «العوا» ان الكنائس بها اسلحة، وفى بيان لجبهة علماء الازهر الذين يدعون فيها لمقاطعة البضائع والمنتجات التى يثبت ان اصحابها من المسيحيين.. كما قامت المظاهرات العارمة فى الاسكندرية.. ما اضطر البابا شنودة وقتها إلى سرعة الاعتذار العلنى.. ثم حاول بعد ذلك «بيشوى» ان يبيض وجهه ويجمل صورته امام التيار الاسلامى الكاسح.. فاراد ان يصالحهم على حساب كرامة بناته المسيحيات وعفافهن.. فارتدى قناعًا وهابيًا ووصمهن بالتبرج والسفور غير المحمود.. وطلب منهن اتخاذ الفتيات المسلمات المحجبات قدوة لهن فى الاحتشام والعفاف.. فتصدت له الفتيات متذمرات فى غضب جامح متظاهرات امام الكاتدرائية يحملن لافتات تشير إلى اتجاهه الوهابى ذلك.. وتحذرن من المساس بكرامتهن.. وتستنكرن سعية الرخيص للقفز فوق اكتافهن للوصول إلى الكرسى المقدس بوسيلة غير مقدسة.
وتجرى فى النهر مياه كثيرة.. وبعد وفاة البابا شنودة واستيلاء قراصنة المكفرين على الحكم وجلوس الانبا «تواضروس» على الكرسى المقدس ليقود سفينة الاقباط وسط امواج عاتية واحداث صاخبة ومناخ طائفى محتدم.
صرح منذ اليوم الاول بعدة تصريحات مهمة منها ان الكنيسة لم يكن لها دور سياسى فالشباب القبطى الان ينضم للحركات السياسية والاحزاب ويتوجه بمطالبة للدولة وليس للكنيسة.. كما أعلن رفضه للحوار الوطنى الشكلى وسعادته لرؤية المسيحيين يشاركون فى الاحتجاجات ويعربون عن آرائهم السياسية منذ ثورة يناير (2011).. وقال: المسيحيون جزء من تراب هذا الوطن وليسوا اقلية عندما يتعلق الامر بتاريخنا وقيمة حبنا لامتنا.. ومن المفترض ان توحد الدساتير الشعوب ولا تفرق بينهم.
والبابا حينما يتحدث عن الدستور ويرفض ما به من مواد تمييز فهو يعبر عن رأى معظم المصريين الذين رفضوه.. انه يعبر عن رأى الشارع.. لذا فقد سبق ان انسحبت الكنيسة من الجمعية التأسيسية لوضع الدستور.
وفى تظاهرات (30) يونيو الأخيرة التى ازاحت الإخوان عن الحكم أكد البابا ان الأقباط ليسوا قطيعًا يساق وان لهم حرية التظاهر السلمى كمواطنين مصريين يمارسون حقوقهم السياسية وكان من الواضح أن زيارة السفيرة الامريكية «أن باترسون» له فى (17) يونيو لم تجد استجابة فى اتجاه الضغط على الكنيسة لمنع مشاركة الاقباط فى تظاهرات (30) يونيو.. وهو ما اثار حفيظة «صفوت حجازى» الذى علق فى سخط: «البابا تواضروس صرح للاقباط بالتظاهر فى (30) يونيو.. بينما سبق أن البابا شنودة قضى بعدم جواز المظاهرات فى (25) يناير.
وكان الرد بيانًا رسميًا فى يوم (26) يونيو من الكنيسة تعلن فيه تأييدها للجيش مؤكدة انه فى اطار سلامة الوطن وتماسك جبهته الداخلية والحفاظ عليه من دواعى الفرقة والانقسام فان الكنيسة القبطية تؤيد بكل الشكر والتقدير الدور الرائع الذى تقوم به قواتنا المسلحة فى حزم ومسئولية تجاه الاوضاع الصعبة الحالية.. كما بارك البابا حركة تمرد وصاح مغردًا على «تويتر»:
ما أروع الشعب المصرى وهو يسترد ثورته المسلوبة بأسلوب حضارى راق..
ومن هنا فالرجل اذًا قد صحح إلى حد كبير مسار ومحتوى خطاب الكنيسة وانحاز للوطن وأعلى من شأن المواطنة فوق الطائفية.. ولم يتجاوز الخيط الدقيق الذى يفصل بين السياسة والدين.. بين المقدس والدنيوى.. بين الزعيم الدينى.. والراعى الروحى..

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الرئيس يرعى مصالح الشعب
466 مليار جنيه حجم التبادل التجارى بين «الزراعة» والاتحاد الأوروبى العام الماضى
16 ألف رياضى يتنافسون ببطولة الشركات ببورسعيد
فى معرض الفنانة أمانى فهمى «أديم الأرض».. رؤية تصويرية لمرثية شعرية
الطريق إلى أوبك
الأهلى حيران فى خلطـة «هـورويا»
مستــر مشـاكـل

Facebook twitter rss