صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

14 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

غروب الشمس.. صباح عبقرية الفن والحياة

30 نوفمبر 2014




حسام عطا

صباح شمس الشموس الرائعة جاء مساء رحيلها وذهبت إلى عالم الحق والهدوء والسكينة هذا هو قدر الفنان المحبوب النموذج فى بلاد العرب، إنه ميراث من التحفظ الشديد يجعل من فنانى الأداء نجومًا استثنائية ينتخبها الجمهور العام لتقوم نيابة عنه بالغناء والرقص والمرح وإرتداء الملابس المبهجة وعندما تفعل ذلك بينما يبقى الآخرون فى تفاصيلهم الواقعية اليومية المكررة، يسقطون عنه صفة الانضباط الاجتماعى القادمة من المشترك العادى بينهم الذى يفعل فى السر مالايمكن إعلانه ويختبئ وسط الجموع الكثيرة ليتمتع بحرية السلوك الطبيعى الذى لا يراقبه أحد.
والجميلة صباح شجرة الأنوثة اليانعة ذات العطر الخاص، حضورها فقط سبب لاهتمام الجميع، هى لا تفعل شيئًا إلا أن تطل على الدنيا فيشرق نور الصباح، هى شديدة الجاذبية وليست كنجمات السينما المصرية فى الخمسينيات والستينيات صغيرة الحجم رقيقة لدرجة الضعف، فياضة المشاعر هى امرأة قوية منذ ظهورها الأول لا تبدو كفتاة تستحق العطف، بل طاقة أنوثة جميلة عصية على الامتلاك بطولها الفارع وملامح وجهها الواضحة وجمالها الذى هو لأميرة تسكن فى قصر مرصود هربت منه عندما نام الحارس وذهبت لتسعد الجميع فى الحوارى والشوارع والمدن الكبيرة والصغيرة، هى حلم الفقراء والأغنياء، هى تلك المسافة الدقيقة التى تفصل بين الإعجاب والاشتهاء، وبين المرح والمجون، وبين الدلال والغواية هى حلم لا يمكن امتلاكه، ولذلك تعددت زيجاتها واعترفت بأنهم جميعهم تركتهم من رجل لآخر، صباح أحبتهم جميعهم لكنها كماء الحياة انسابت من بين أيديهم جميعاً، واعترافها بذلك فى آخر حديث مصور لها هو قمة الصدق الإنسانى، فهى ليست كعموم النساء تقول مايريد الناس أن يسمعوه منها، فهى فعلت ماشعرت به وقالت ماحدث لأنها طاقة صدق لاتجيد الكذب، وسيدة استثنائية خارج الأطر الاجتماعية المتحفظة.
وهى لم تهرب من مواجهة الناس والصور والمجتمع عندما طال عمرها ليصل إلى السابعة والثمانين، وليس العمر الطويل عبئًا دائمًا وها هو محمد حسنين هيكل يتألق فى السنة الأولى مابعد التسعين،ولكن هيكل رجل العقل والكتابة، فماذا كان عبد الحليم حافظ فاعلًا إن امتد به العمر مثله؟
لاشك أن فنون الأداء القائمة على قوة الجسد وحيوية الصوت وجمال الهيئة تصنع من أصحابها نجومًا لامعة فى السماء تحصد الشهرة والمال والحب، ثم يصبح العمر بعد ذلك سببًا لصدمة الجمهور الذى يريد أن يرى نجمه المحبوب شابًا طوال الوقت.
لذلك تختفى نادية لطفى عن الحضور فى تكريمها بمهرجان القاهرة السينمائى الدولى الأخير مكتفية برسالة مسجلة، ولذلك يندر أن نشاهد فاتن حمامة فى الظهور العام، إنه الحرص على الصور الأولى شديدة الجاذبية، إلا أن الناس تقبل صور العقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم بملابس المنزل وبعقل متقد يقاوم السنين وبجسد مكدود، ولكن صباح عندما تطل بصور نهايات العمر تصبح مثارًا للنقد، لاشك أن شيخوخة الجميلة صباح صدمة لكل فاتنات العرب،وحزن لكل معجبيها من الشباب المتقد الحيوية إنها تؤلمنا عندما ندرك أن هذا هو السبيل الطبيعى لكل حى إن امتد به العمر، هذا هو سر صدمتنا وأنانيتنا التى أردنا بها أن نحرمها حرية الفعل الإنسانى، ولكن صباح رفضت أن تسجن نفسها فى صورتها القديمة وأطلت علينا حية فخورة بعمرها وفنها وتجربتها الإنسانية العميقة الثرية الحقيقة والاستثنائية الطابع.
صباح غنت للمحبة وللحياة وعاشت عمرها عاشقة للناس والحياة والفن خمسة وثمانون فيلمًا، وسبعة وعشرون مسرحية غنائية فى بيروت وثلاثة آلاف أغنية تقريبًا هى إنتاجها الفنى وثروتها الكبيرة التى تركتها لنا ميراثًا للأجيال القادمة فى مصر ولبنان والوطن العربى الكبير ثم يسألها المحاور فى لقاء تليفزيونى من أين لها بالمال؟
كانت كملكة الحياة الأكبر من الإجابة عن أسئلة النقود والملكية فهى تعرف أنها ملك لنا جميعنا جمهورها ومحبوها وأنها أعطتنا وستظل تعطينا سعادة لا تقدر بثمن،صباح فنانة أكبر من الثروة والمال والأولاد والأحفاد ودكاكين البقالة وقسوة المتسلطين وكآبة المتحفظين الكاذبة وبخل محدثى النعمة، ولو أن حقوق الأداء العلنى لأغنية واحدة من أغانيها التى تصدح فى كل مكان فى العالم يفهم اللهجة المصرية ذهبت إليها كحق مستحق لتركت خلفها أموالًا طائلة، ولصنعت ثروة أكبر مما صنع أى سمسار لئيم أو فاسد مقيم فى حضن واحدة من سلطات الإستبداد المنهارة.
صباح هى من أعطتنا جميعًا بيوتًا من دفء وطعامًا من حرية واحتفالًا دائمًا بالتحرر والرقة، إنها واحدة من علامات إنسانيتنا، هى اللبنانية التى علمت العالم العربى لهجتنا المصرية، هى مصرية الفهم والحس وهى واحدةمن بنات البلد المصريات حرة بلا حدود واستثنائية فى العطاء والصدق والوضوح، أعطت كلاً منا فى روحه نورًا، ولم يعطها كل منا فى يدها شيئاً، شمس الشموس الجميلة الصوت والصورة والموهبة والإبداع العبقرى، ألا سامحك الله وأسكنك فسيح جناته وغفر لكِ اللمم، فأنتِ يارائعة لم تؤذ أحداً، أنت يامشرقة أحببت دنيا الله وتمتعى بمنحة الحياة كما ينبغى أن يفعل العباقرة الذين لايردون لله منحًا وعطايا، اللهم اغفر لها بقدر ما أشرقت على دنياك الجميلة صدقًا ومحبة وحرية وإبداعًا.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

«روز اليوسف» داخل شركة أبوزعبل للصناعات الهندسية.. الإنتاج الحربى شارك فى تنمية حقل ظهر للبترول وتطوير قناة السويس
الدولة تنجح فى «المعادلة الصعبة»
كاريكاتير أحمد دياب
ماجدة الرومى: جيش مصر خط الدفاع الأول عن الكرامة العربية
الانتهاء من «شارع مصر» بالمنيا لتوفير فرص عمل للشباب
مباحث الأموال العامة تداهم شركة «تسفير» العمالة للخارج بالنزهة
جنون الأسعار يضرب أراضى العقارات بالمنصورة

Facebook twitter rss