صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

18 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

رسالة إلى وزير الثقافة

16 نوفمبر 2014



 

عاطف بشاى

خاطبت وزير الثقافة الأسبق «فاروق حسنى» من أكثر من عام قبل ثورة (25) يناير أطالبه مخلصاً بأن يصدر قراراً وزارياً بتحطيم تمثال «نجيب محفوظ» المقام فى ميدان «سفنكس» ليس استجابة لممارسة متطرفى «طالبان» أو لفتوى شيوخ التطرف السابقة بتحريم فن النحت.. أو تماشياً مع تخلف الدعوة إلى تكفير الرجل.. ولكن استنكاراً لسوء التجسيد الفنى.. وافتقاره إلى أبجديات العمل النحتى وأصوله ونسبه.. فالتمثال يبرز «نجيب محفوظ» كضرير يرتدى نظارة تخفى عينيه التى كانت تعبر بجلاء ونفاذ عن عمق فكره وعظمة رؤيته للواقع المصرى.. والتمثال أيضاً يبرزه مسكاً بعصا وكأنه ضرير يتحسس بها طريقه.. ويخلو من الجمال الفنى فى القدرة على التعبير عن شخصية الكاتب الكبير.. ويعكس ضعف موهبة المثال وفقر إحساسه الفنى، وجهله الفادح بقيمة وقدر ومكانة الكاتب الكبير الذى بدا وكأنه كاريكاتير سيئ لرسام مبتدئ.. فأصبح وكأنه شاهد على الإساءة ليس فقط للعظيم «نجيب محفوظ» ولكن لفن النحت ذاته.. مثله فى ذلك مثل تمثال «د.طه حسين» برأسه الصغير كبيضة ورداءة الغريب وقدميه الحافيتين.. وتمثال «أحمد شوقى» الذى يجلس منحنياً فى وضع غريب وكأنه يقضى حاجته.
ويبدو أن هذه التماثيل قد قام بنحتها مثال واحد فهى تتشابه فى فقر ثقافة النحات وسطحية تناوله.. وهو ما يدعو إلى التساؤل: هل عقمت «مصر» من مثاليها الكبار حتى يعبث الصغار برموز ثقافتنا المعاصرة؟!
لم يستجب وزير الثقافة الأسبق مصراً على مقولته التى كان يرددها دائماً وهى: من أين أتى بمختار جديد؟! ثم كررت مخاطبتى تلك للدكتور «صابر عرب» دون جدوى.. بل إنه ترك تمثال «طه حسين» فى مسقط رأسه بالمنيا يحطمه التكفيريون دون أن يحرك ساكنا اللهم أنه وعد بسرعة نحت تمثال آخر بديلاً له يوضع فى نفس المكان.. لكنه ما لبث أن تراجع عما وعد به.. أو مسايرة لدعوة المصالحة.. ولا بأس عندئذ من اعتبار الرائد كافراً زنديقاً خارجاً عن التقاليد الإسلامية متأثراً بالحضارة الغربية الكافرة – وهكذا ظل التمثال حتى يومنا هذا قائماً بلا رأس شاهدا على خيبة تخاذل وهوان همة وعجز إرادة تسير فى ركب «جوقة العميان» – كما نعتهم «نزار قباني» الذين كفروا نور البصيرة لأحد رواد التنوير العظام فى عصرنا الحديث.
والحقيقة أنه – وقبل وصول الإخوان إلى الحكم – بأكثر من عشر سنوات.. والظلاميون المكفرون الذين يكرهون الفنون ويشيعون ثقافة الحلال والحرام والتجريم والمصادرة من خلال فتاواهم السامة قد أثروا تأثيراً خطيراً فى العامة الذين اعتبروا أن تلك الخزعبلات أوامر ونواهٍ دينية ومسلمات فقهية لا تقبل المناقشة والمراجعة ما دفع سيدة ملتاثة منذ فترة أن تقفز سور فيلا متحف المثال «حسن حشمت» وتحطم أحد التماثيل الموجودة فى حديقة الفيلا باعتبار أنه صنم.. بل إن المفارقة المؤلمة التى كنت أتصور اننا لا يمكن أن نشاهدها إلا فى مسرح العبث أن بعض أساتذة قسم النحت فى كلية الفنون الجميلة يؤمنون بذلك إيماناً راسخاً ويعترفون للطلبة بأن النحت حرام.. ولكنه أكل العيش هو الذى جعلهم يقومون بتدريسه.. طالبين من الله العفو والمغفرة.
وفى ظل تنامى التيارات السلفية والوهابية بعد وصول الإخوان إلى الحكم وتصاعد نشاط التكفيريين الذى وصفوا الحضارة الفرعونية بالعفن لم يكن غريباً أن يطالب الشيخ «مرجان الجوهرى» بتحطيم الأهرامات وتمثال «أبوالهول» باعتبارها أوثاناً تعبد حتى الآن.. وهكذا أرادوا العودة بنا إلى عصور سحيقة من التخلف والجهل بسطو صريح على عقل أمة وتراث شعب.. وتاريخ حضارة باعتبار أن التماثيل محرمة لأنها صنعت للعبادة أيام الجاهلية وليست فنونا راقية تجسد أفكاراً سامية وابدعات إنسانية عظيمة.
أما وقد جاء أخيراً د.«جابر عصفور» إلى وزارة الثقافة حاملاً راية التنوير منحازاً لحرية الفكر والرأى والتعبير مؤمناً بأن أعداء العقل لن يتمكنوا أبداً من إعادتنا إلى عهود محاكم التفتيش والتصحر وتدمير هويتنا والإجهاز على روحنا الإبداعية.. قادراً على قيادة سفينة ثورة ثقافية حتمية ومرتقبة.. فإنى – وشر البلية ما يضحك.. ويا لها من مفارقة – أطالبه ليس فقط بأن يوجه تلك الثورة ضد الجمود والظلام والإرهاب والتحريم.. ولكن أيضاً ضد القبح الذى يصنعه بعض من ينتسبون إلى صناع الفن.. وقبل أن تستفحل ظاهرة التماثيل التى ينبغى علينا تحطيمها.. ففى ميدان محطة الرمل بالإسكندرية قامت شركة خاصة تعمل فى مجال تطوير وتجميل الميادين.. والاتفاق بإقامة تمثال اسمه «الحضارة».. صممه أستاذ نحت بكلية الفنون الجميلة أثار سخط العامة والمتخصصين حيث وصفه البعض بأنه قريب الشبه من «حسنى مبارك».. وآخرون استنتجوا أنه «عدلى منصور» والبعض اعتبره.. «أبو لهب» وأجمع الفنانون التشكيليون على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى على النحت السيئ للتمثال.. والتكوين العشوائى.. والعناصر المفككة للتصميم.. وقبح الشكل.. وفجاجة الطلاء باللون الذهبى.. والتمثال لا علاقة له بالتراث ولا بتاريخ عروس البحر المتوسط.. وكتبت فنانة سكندرية: «ونحن بصدد بداية صفحة جديدة من تاريخ «مصر» نرى هذا التشويه لمدينة من أجمل مدننا بسبب التفاف مجموعة من الأفاقين وأنصاف الموهوبين على ميزانية مدينة عريقة بدون مراعاة الذوق العام.. بينما قال فنان آخر إن المصمم مدعٍ ويسرق التصميمات العالمية وينفذها بركاكة.
يا دكتور «جابر عصفور» تراكمات سنوات ماقبل الثورتين جعلت القبح يواصل زحفه والفنون وعلى رأسها فن النحت العظيم الذى ميز حضارتنا يتراجع.. والذوق المتخلف يفرض نفسه.. ونخشى ما نخشاه أن يعتاد الناس على القبح فيتصورونه جمالاً!       







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

«الدبلوماسية المصرية».. قوة التدخل السريع لحماية حقوق وكرامة المصريين بالخارج
6 مكاسب حققها الفراعنة فى ليلة اصطياد النسور
حل مشكلات الصرف الصحى المتراكمة فى المطرية
تطابق وجهات النظر المصرية ــ الإفريقية لإصلاح المفوضية
بشائر مبادرة المشروعات الصغيرة تهل على الاقتصاد
الفارس يترجل
وسام الاحترام د.هانى الناظر الإنسان قبل الطبيب

Facebook twitter rss