صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

26 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

المعنى الشرعى والقانونى لاستقلال الجامعات

2 نوفمبر 2014



كتب - د. عبدالله النجار

استقلال الجامعات مبدأ ضرورى من أهم المبادئ التى يقوم عليها نجاح البحث العلمى، وفى نفس الوقت يقوم عليها نظام المجتمع، لأن المبدأ إذا نجح على مستوى الباحثين فى نطاق الجامعة، وطلابها الذين سيتخرجون فيها، ويقومون بمسئولياتهم العامة بعد التخرج، فإنه سوف يؤدى إلى نجاح البلد الذى تقوم الجامعات على أرضه، لأنه سيعودهم على التجرد والحياد والموضوعية فى اتخاذ القرار، بعد أن تشكلت عقولهم على التجرد والحياد والموضوعية فى رحاب الجامعة، وفى مجال البحث العلمى بوجه أخص، ومن ثم يبدو أن المبدأ على درجة كبيرة من الأهمية على المستوى الفردى للطلاب والباحثين والمتخرجين، وعلى المستوى العام من خلال إدارة تلك العقول لدواليب العمل فى الدولة بعد التخرج، والتوظف.
والمبدأ فى ذاته وبصرف النظر عن إدراك البعض لأهميته، أو عدم إدراكهم لها يكاد يشبه شعارًا طيبًا عند من لا يفهمون معناه، لأن الاستقلال فى ذاته أمر محبب إلى النفوس، سواء اكان فى جانب الأفراد أم فى جانب البلاد، ولكن يبقى أنه من المهم أن نعرف معنى الاستقلال، فإن معرفة معنى المصطلح فى أى مجال أو جهة يطلب الاستقلال لها، هو الذى يتوقف عليه تحديد معنى هذا الاستقلال، وتحويله إلى واقع محدد عند الممارسة، وبدون تحديد معناه يبقى مصطلحا واسع المرونة وعصيا على التطبيق وربما استغل حسن المسمى استغلالا يناقض معناه، وينافى المقصود به، فيكون الاستقلال أداة لكل معنى كريه لا يمكن أن يتخرج على مسماه، ومن قبيل هذا الفهم الملتوى لمعنى المصطلح فى مجال استقلال الجامعات ما يتشدق به البعض من معان لا يمكن أن تكون من معطيات هذا الاستقلال، بل ولا يمكن أن تمت له بصلة، وذلك كحرمان الجامعات من أن تمتد إليها حماية الجهات الأمنية عندما تتعرض للحرق أو التخريب أو التدمير من قبل بعض المجرمين المستأجرين لتلك الجرائم الخسيسة، أو أولئك الذين يعتدون على الطلاب حتى لا يستمروا فى الدراسة، أو الذين يميلون لتعطيل الدراسة ومنع الطلاب من الاستمرار فيها، فإذا ما دخلت قوات الأمن للقبض على المجرمين الذين يفعلون ذلك، ارتفعت عقائر بعض الفارغين بالصياح والاستنكار، والتباكى على مبدأ استقلال الجامعات، وقس على ذلك كل فعل إجرامى يمارس فى ظل شعار حسن، ليس احتراما لهذا الشعار، وإنما لاتخاذه ستارا ترتكب فى ظله أقبح الجرائم واعتاها، وذلك مثل السباب والنداءات الموجهة ضد الأفراد أو الشخصيات العامة أو الخاصة، والتى تمثل جرائم محكومة بنصوصها، وإذا ما قدم فاعلوها للقضاء، راح البعض يتباكى على حرية التعبير، أو حقوق الإنسان، ولا مانع أن يتخوض فى استقلال القضاء الذى ينظر تلك الجرائم الداخلة فى اختصاصه فيقول عنه ظلما وكذبا: انه قضاء مسيس، أو ضد حقوق الإنسان أو ما إلى ذلك  من الشعارات البلهاء التى يجيد ترديدها بعض ذوى العقول الفارغة.
ولنا أن نتساءل بعد ذلك عن معنى مصطلح «استقلال الجامعات» ومجالات تطبيقه تحديدا، وللإجابة عن ذلك تقول:
إن الجامعات تعتبر شخصيات معنوية تتكون من مبنى ومعنى يقوم به الباحثون، أو مبانٍ ورسالة، أما المبنى فهو مجمل تلك المنشآت التى تمثل إدارة الجامعة، وكلياتها ومراكز البحث العلمى فيها، وأما المعنى أو الرسالة، فإنها تتمثل فى المهمة العلمية التى تضطلع بها الجامعة من خلال كلياتها وقلاعها العلمية فى التخصصات المختلفة.
ولا يتصور أن يكون مبدأ استقلال الجامعات خاصا بالمبانى والمنشآت لأن استقلال تلك المبانى ثابت لها حكما من جهة أنها تتبع دولة تتمتع بالاستقلال، وبلدا متحررا فى كل وزاراته من التبعية أو الاستعمار من دولة أجنبية كما أنها مستقلة حكمًا من جهة أنها كغيرها من هيئات الدولة ومؤسساتها تتمتع باستقلال إدارى يحدد مهمة الداخلين لها والخارجين منها، ومثل هذا لا يسمى استقلالاً على وجه الحقيقة، وإنما هو تنظيم إدارى لحفظ الأمن فى تلك الهيئات وهذه المؤسسات ومن ثم يبقى معنى الاستقلال موجهًا نحو المهمة التى تقوم بها الجامعة والرسالة العلمية التى تضطلع بها ويكون ذلك الاستقلال خاصًا بالباحثين وما يقومون من أبحاث والجامعات فى أداء مهمتها العلمية إنما تعنى بالدرجة الأولى بتكوين عقل الطالب وصقل شخصيته من خلال ممارسة البحث العلمى وليس من مهمتها أن تملأ عقل هذا الطالب بمعلومات بحفظها عن ظهر قلب، ثم يكتبها فى ورقة الإجابة ويحصل بها على أعلى الدرجات فإذا ما انتهت الامتحانات نسى الطالب تلك المعلومات التى حفظها وأصبح كما يقول القرآن الكريم: كالحمار يحمل أسفارًا مع فارق أنه لا يحمل شيئًا أصلا لأنه قد نسى ما حفظه بعد أداء الامتحانات ولأن الأمر لو كان متعلقًا بالحفظ والتلقين لما كنا بحاجة إلى جامعات أصلا.
ولكان بمقدور الطالب أن يحفظ ما يشاء خارج أسوار كليته ومبانى جامعته.
وإذا كان ذلك كذلك لم يبق إلا أن يكون استقلال الجامعات منصبًا على أسلوب البحث العلمى فيها وأنه أسلوب يقوم على استقلالية عقل الباحث وتجرده وموضوعيته وأن غايته أن يصل إلى حقيقة الأمر فى المسألة التى يبحثها على نحو متجرد لا يتأثر فيه قبل أن يصل إلى النتيجة المطلوبة برأى شخص أو توجه حزب أو جماعة أو سلطة، ولأن البحث العلمى إذا ولد فى بيئة متحيزة لاتجاه معين لن يحقق المصلحة العامة، بل سيحقق المآرب التى تتحيز لها ومن الواجب أن يكون بعيدًا عن كل ضغط أو توجيه إلا ما يقتضيه التقويم والتعليم.
وهذا الأمر واضح كل الوضوح فى مجال الدراسات الجارية فى التشريع الإسلامى وفقهه، حيث لا يجوز أن ينحرف الاجتهاد الفقهى لمناصرة فصيل بعينه أو سلطة معينة أو أهل أو عشيرة بل يجب أن يكون اجتهادًا داعيًا مخلصًا لوجه الله وحده - ولا يبغى المجتهد به إلا رضاه - ولا يهدف إلا إلى الوصول لما يراه صوابًا وفقًا لاجتهاده وليس للإنتصار على خصمه أو الحصول على شهرة.
وأما فى مجال البحث العلمى المتعلق بآيات الله الكونية فى الطب والهندسة والزراعة والصناعة وما إليها، فإنه كذلك لا يمكن أن يستقيم إلا بحياد الباحث وتجرده وموضوعيته ومنع تدخل الآخرين مهما كان وضعهم من التأثير عليه فيما يقوم به من بحث ولا يصلح للعمل البحثى من ينتمى إلى تيار يمكن أن يدفعه للانحراف بمبدأ استقلال الجامعات إلى خدمة الجماعة أو التيار الذى ينتمى إليه.
إن الذين يتباكون على استقلال الجامعات ليمنعوا عنها وسائل الحماية حتى ينفردوا بها ويستقلوا بحرقها وهدمها لا يريدون استقلال الجامعات ولا يعينهم أمر هذا الاستقلال من قريب أو بعيد ولكنهم يريدون منع ما يعوق تخريبهم لها، إنهم يحمون استقلالهم فى ارتكاب أفحش الجرائم ولا يريدون استقلال الجامعات، إنهم الخطر الذى يجب حفظ استقلال الجامعات منه ولهذا لا يجوز تصديقهم فيما يقولون والمبدأ يحتاج إلى حياد فيمن يختارون لمهمة البحث العلمى كما يحتاج إلى حماية تمنع التلاعب به وتضمن احترامه وهذا ما يحتاج إلى بيان أو فى ربما نتداركه فى مقال مستقل إن شاء الله.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

رسائل «مدبولى» لرؤساء الهيئات البرلمانية
الاستثمار القومى يوقع اتفاق تسوية 500 مليون جنيه مع التموين
الحكومة تعفى بذور دود القز من الجمارك لدعم صناعة الحرير
15 رسالة من الرئيس للعالم
لمسة وفاء قيادات «الداخلية» يرافقون أبناء شهداء الوطن فى أول أيام الدراسة
بروتوكول تعاون بين قطاع الشهر العقارى والقومية للبريد
بدء إنتاج المرحلة الثانية من حقلى «جيزة و«فيوم» ديسمبر المقبل

Facebook twitter rss