صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

13 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

الغرب يكره مسمى الجهاد ويعتبره دليلاً على العدوانية

26 اغسطس 2014



وفى يوليو2005م أدلى «مايكل جرام» أحد مقدمى البرامج الحوارية فى إذاعة «دبليو إم إيه إل» الأمريكية فى أحد برامجه بتصريحات قال فيها: «الإسلام منظمة إرهابية» و«الإسلام فى حرب مع أمريكا» و«المشكلة ليست فى التطرف الإسلام هو المشكلة و«نحن فى حرب مع منظمة إرهابية تدعى الإسلام».
وفى شهر أغسطس2005م اعتبر إدوارد لوتواك مدير المركز القومى للدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن أنه «لا فرق بين الإسلام والإرهاب»، وذلك فى مداخلة له بمؤتمر أقيم بمدينة نرفيك شمال النرويج. وقال: «كلنا يتكلم عن الإرهاب على أنه عدونا الكبير، وعلينا أن نتذكر أن الإرهاب هو مجرد وسيلة عدونا هو الإسلام العنيف «مضيفًا أنه «لا بد أن نتجرأ على تسمية الإرهابيين باسمهم الحقيقى».
بعد هذا كله لا يمكن نفى أن هنالك جدلاً واسعًا فى الغرب حول الإسلام وعلاقته بالإرهاب وأنه فى وسط هذا الجدل هنالك تيار فكرى وسياسى تنامى فى الغرب وجاءت عمليات 11 سبتمبر وما تلاها فمنحته بعض المصداقية والوقائع التى يدعم بها خطابه ولعل أبرز مثال عليه هذا النص الأيديولوجى الذى كتبه لوران أرتور دو بلسيس الصحفى الفرنسى اليمينى قائلا: إن الإسلام اليوم مثل بداية انتشاره هو مصدر العنف فالألفية الثالثة بدأت بانتقال عدوى التطرف فى العالم الإسلامى فى أوساط شباب محبط يعانى من البطالة ومصغٍ لنداءات الجهاد التى يطلقها الأئمة الأصوليون وحتى ضواحى المدن الغربية أصبحت هى الأخرى مناطق اتصال لأئمة يجندون للجهاد أبناء الجالية الإسلامية، مع أن قسمًا كبيرًا من هؤلاء المجندين من الجيل الثانى والثالث. وتمثل السجون أحد أهم أماكن الدعوة الدينية التى تستخدمها الشبكات الإسلامية الدولية لتجنيد شباب للجهاد على استعداد لتفجير نفسه. أما عدد الذين اعتنقوا الإسلام فهو فى تزايد والبعض منهم التحق بالشبكات الإسلامية».
ثانيًا: النماذج التفسيرية والخلفيات الفكرية وتشمل:
1- سؤال التفسير
هنالك فصل بين الفهم والتفهم، وبالمقابل هنالك علاقة قد تنشأ أو يسبق إليها الوعى بين التفسير وبناء الموقف من القضية، أو لنقل: التبرير، فالموقف المتشنج من حدث 11 سبتمبر والتباس العلاقة بين التفسير والإدانة، يبدو أن ذلك كله كان وراء الرفض الشديد لمحاولة تفسير دوافع الذين قاموا بعمليات 11 سبتمبر بُعيد حصولها، بحجة: أن هذا التفسير يعنى التبرير، والإرهاب لا يمكن تبريره ولا قيمة للنظر إلى دوافع القائمين به. إضافة إلى ذلك فإن أوليفيه روا يقول: «إن النظر فى الجذور العميقة للإرهاب معطل حاليًّا، خصوصًا أن الذين يتساءلون حول هذا الموضوع يوصفون بأنهم إما غير أكفاء وإما بأنهم مواطنون سيئون» استمر هذا التجاهل لدى البعض ممن يكاد يصور العمليات والمنظمات القائمة بها وكأنها لا هدف لها إلا إراقة الدماء متجاهلاً كل خطابها ورؤاها وبنيتها الفكرية. ونحو هذا نجده على وجه التحديد فى مثل الكتب التى كتبها بعض السياسيين أو الاستراتيجيين الذين تحكم رؤيتَهم وتفسيرهم مصالحُهم فقط وبناء عليها تتم صياغة المفاهيم والمواقف والتفسيرات بحسب بوصلة المصلحة القومية أو الأمنية أو الاستراتيجية بعيدًاعن أى إطار معيارى أو قيمى يتسم بأقل قدر من المعقولية والإنصاف.
وعلى المعنى الأول (العلاقة بين التفسير والتبرير) لا يبدو غريبًا أن جان بودريار حين حاول فهم الإرهاب وكتب عن «ذهنية الإرهاب» فى اللوموند الفرنسية بُعيد الأحداث (3 تشرين الثانى 2001م) أثار ردود فعل عنيفة من عدد من الكتّاب أمثال جاك جولياروألان مينك وجيرار هوبيرالذى كتب رده بعنوان: «رفض مديح الإرهاب» مستنكرًا ما أسماه «التضامن الفكرى والعاطفى مع الإرهابيين الجدد» بل إن ألان مينك سماه «فيلسوف النموذج الإرهابى» ووصفه بـ«مشعوذنا الضال» إلى غير ذلك من النقد العنيف والساخر أحيانًا، لكن المهم أنه اعتبر صنيع بودريار «تقريظًا للإرهاب فى صيغة التفسير».
فهل التفسير يخفف من الإدانة فعلاً؟ وهل الخوض فى تفسير الإرهاب يورِّط فى تبريره؟ ما جرى لاحقًا وما يجرى حتى الآن هو الخوض فى تفسيرات شتى ومتباعدة إلى حد التناقض لكن ليس هذا المهم، ولكن المهم مرة أخرى أننا نخوض فى التفسير ذاته، ما يعنى أن تجريمه قد زال بعد صدمة الحدث وإذا كنا قد قلنا إن التفسير له صلة بالموقف الذى نقفه من الفعل بعد تفسيره من حيث إنه يخفف من حدة الإدانة فإن تأمل بعض التفسيرات المطروحة - على الأقل - لأحداث الإرهاب ربما يصدق عليه عكس تلك المقولة، بمعنى: أنها تفسيرات للإمعان فى الإدانة، ليس فقط لذاك الشخص أو المجموعة أو التنظيم، بل لكل ما يمت إليه بصلة، من دين أو أمة أو دول إلى الحضارة نفسها التى ينتمى إليها وإلا بأى منطق أو عقل يحمل وزر تنظيما أو جماعة كلّ (من وما) يمت إليه بصلة؟! أليس عدد من تلك التفسيرات التى طرحت ينطبق عليها «التبرير» لكن التبرير الممعن فى الإدانة الشمولية؟.
جدل الفهم والتبرير والعلاقة بينهما ليست مسألة سهلة فى الواقع، ولا يحسنها المشتغلون فى السياسة أصحاب المصالح، فجاك دريدا كان لافتًا حين قال: «الفيلسوف هو من يبحث عن نسق جديد للمعايير وهذا من أجل أن يميز بين الفهم والتبرير فبإمكان المرء أن يصف وأن يفهم وأن يفسر هذه أو تلك من المسببات التى تؤدى إلى الحرب أو إلى الإرهاب دون تبريرها أبدًا بل ومع إدانتها ومع محاولة اكتشاف نسق آخر من المسببات فقد يكون بمقدورنا أن ندين بشكل غير مشروط الأعمال الإرهابية سواء كانت من صنع الدولة أم لا دون أن نتجاهل الأسباب التى تقود إليها أو الأسباب التى تجعلها مشروعة... فبمقدورى أن أدين دون قيد أو شرط عملية 11 سبتمبر كما أفعل هنا دون أن أحرم نفسى من الأخذ بعين الاعتبار الشروط الحقيقية أو المزعومة التى جعلت هذه العملية ممكنة» غير أن ما يستحق التقدير والتأمل هو ما قالته جانيت ويليامز، رئيسة وحدة الاتصال مع الإسلام فى شرطة ميتروبوليس البريطانية أمام تجمع فى المعهد الملكى المتحد للخدمات (RUSI) فى 14 يونية 2005م: «إن التطرف شكّل التهديد الأكبر للأمن القومى البريطانى. ولمحاربة التطرف علينا أن نفهم معناه. وإذا عجزنا عن معرفة (من) الفاعل؟، علينا حينئذ أن نسأل: (لماذا)؟ ومن شأن الإجابة على هذا السؤال أن تحدد سياستنا التقاربية» إن هذا التصريح يعكس وعيًا متقدمًا فى التعامل مع الإرهاب أو التطرف.
2- النماذج التفسيرية وخلفياتها
إن الحديث عن النموذج التفسيرى وتتبعه سيكشف عن التحيزات الكامنة، سواء كانت سياسية مصلحية أم ثقافية أم دينية. فمن شرط التفسير أن ينطبق ويطرد على كل الظواهر المشابهة فى الظروف والخصائص ونحو ذلك. فهل من المنطقى - مثلاً - أن يتم الحديث عن الإرهاب بناء على معيار «من يعارض السياسة الأمريكية والإسرائيلية بالقوة»؟ هذا بالفعل ما أنجزه خبراء الإرهاب لصالح مؤسسة راند مثلاً فخلصوا إلى تحديد قائمة بكل المنظمات الإرهابية، وفيها حماس والجهاد وحزب الله وغيرها، وليس فيها أى منظمة إسرائيلية ثم إن الذى يدرس ظاهرة الإرهاب مثلاً لماذا يقف فقط عند تلك التنظيمات الإسلامية ويتجاهل غيرها فى الأديان الأخرى؟ إنه تحيز مسبق لمعيار المصلحة والأخطار التى تواجهها وليس دراسة للظاهرة بما هى ظاهرة كلية.. توزعت تفسيرات الإرهاب على خمسة نماذج وفق تقسيمنا لها وقد رأيت أنها تنتظم كل المقولات والتفسيرات المطروحة وتشمل الأبعاد المختلفة: السياسية والاستراتيجية والدينية والثقافية، وهى: التفسير الدينى والثقافى والسياسى، والاستراتيجى والفلسفى.
1- التفسير الدينى
ما سبق يؤكد إن جدلا كبيرا فى الغرب حول علاقة الإسلام بالإرهاب وركز الباحث على ذلك التفسير الذى يلقى اللوم - فى نشوء الإرهاب ونموه - على الإسلام كديانة تشكل مرجعية هؤلاء الذين يقومون بهذه الأعمال وفى الحقيقة أن خطابات بن لادن والقاعدة تحديدًا وكذلك بعض خطابات بوش الأولى تحمل هذا التفسير كما تحوى الحجج التى تؤيده فحملتهم موجهة ضد «الكفار» والعالم منقسم إلى فسطاطين: مؤمنين وكافرين وقاموس القاعدة وطقوسها وشعائرها مستمدة من القاموس الدينى العقائدى بدءًا من الجهاد ضد «الإلحاد السوفييتى» وصولاً إلى «غزوتى نيويورك وواشنطن»، قابَلَ ذلك بعض تصريحات بوش وقاموسه الدينى بدءًا من الحملة الصليبية إلى «الحرب العادلة» مرورًا بمعسكرى خير وشر فضلاً عن الرسالية الشديدة فى سياساته التى تستمد جذوتها من الله والمسيح الملهِم لبوش الابن.
وهذه النزعة الدينية العقدية هى ما أشار إليها فرانسوا هايزبور وفريقه الفرنسى حين رأوا أنه حتى نهاية الثمانينيات كان الإرهاب سياسى النزعة أساسًا، محددًا بذلك وسائله ومآربه، أى ما تستهدفه عملياته، وفق الأهداف السياسية الملموسة التى يسعى إليها. أما فى التسعينيات ومع مجموعات مثل تنظيم بن لادن وآوم شنريكوفقد ظهرت عمليات إرهابية ذات نزعة ميتافيزيقية لا تنتمى إلى عالم البشر الذى نعيش فيه، بل إلى عالم يتمحور حول الجنة والنار ويفتقر لأى محدد سياسى بإمكانه وضع سقف لعمل هذه التنظيمات، وإن كان هؤلاء لا يغفلون السياق السياسى لنشأة هذا الإرهاب.
وإذا كنا قد أشرنا سابقًا إلى أن قيادات اليمين الأمريكى المتدين، كفرانكلين جراهام وجيرى فالويل وبات روبرتسون، وغيرهم من الفرنسيين كآلان مينك، ولوران أرتور دو بلسيس، ممن يذهبون إلى إلقاء اللوم على الإسلام، وأنه دين عنفى بطبعه، فإن هنالك آخرين غيرهم، فقد كتب باتريك دكليرك المحلل النفسى الفرنسى فى اللوموند 12 أغسطس 2004م واصفًا كرهه للإسلام، وأنه «نسق فكرى يقوم على الحرب المقدسة، ومن ثم فإن الذبح وقطع الرءوس ظاهرتان تندرجان فى قلب الإسلام ذاته».
سبق أن أوردنا طرفًا من الجدل حول كون المشكلة فى: الإسلام، من مقال دانيال بايبس، وهنا نورد طرفًا من جدل آخر أورده تورى مونتي، ومما ذكره فى هذا الخصوص: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم). [الآية 5 من سورة التوبة].
(قاتِلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أوتوا الكتب) [الآية 29 من سورة التوبة].
توحى المقاربة الأولى بأنّ الدعوة إلى الجهاد هى - ببساطة - التعبير الصحيح عن الديانة الإسلاميّة. ولكن المعنى الضمنى فى هذا التحليل يؤكّد وجود صراع طبيعى كليًّا لا يمكن تفاديه بين الإسلام والغرب. أمّا العنصر الذى لا مهرب منه فيكمن فى الديانة نفسها أى فى القرآن. ولكن يمكننا بالطبع إيجاد تشابه فى مواضع أخرى أيضًا:
(متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التى أنت داخل إليها لتمتلكها وتطرد شعوبًا كثيرة من أمامك الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزّيين والحوّيين واليبوسيين؛ ودفعهم الرب إلهك أمامك وضربتهم فإنك تحرّمهم؛ لا تقطع لهم عهدًا ولا تشفق عليهم ولا تصاهرهم.. ولكن هكذا تفعلون بهم تهدمون مذابحهم وتكسّرون أنصابهم وتقطّعون سواريهم وتحرقون تماثيلهم بالنار...) [الكتاب الخامس من العهد القديم – التثنية، الإصحاح السابع، الفقرات 2 إلى 5].
وجود هذا التشابه لا يبطل الحجّة بأنّ الشرق والغرب، أو اليهوديّة - المسيحيّة والإسلام مصممان على التقاتل، بل إنّه يؤكّد فكرة «التصادم الحضاري». ولكن قد يوافق الكثيرون على أنّ ما شكّل «الغرب» هو الآن ما بعد المسيحيّة، ومن هذا المنطلق فإنّ تعبير «اللوم على الإسلام» يُظهر أنّ الحداثة هى التى تتعارض مع الإسلام، وهو برهان راج فى القرن الثامن عشر، وقام بإحيائه برنارد لويس، عميد دراسات الشرق الأوسط فى الولايات المتحدة.
وتفترض هذه المقاربة أنّ المعركة سبق أن احتدمت، وذلك عندما أعاد الغرب اكتشاف اليونانيين، وأعلن ابن خلدون أنّه من الأفضل ترك العلوم الطبيعيّة للإفرنج وتركيز المسلمين على العلوم الدينيّة. وبما أنّ المعركة اشتعلت، فإنّها ستستمرّ إلى أن تربح إحدى الجهتين، وهذا يعنى فى أفضل الأحوال، أنّ الغرب الحديث سيجرّ الإسلام وسط صراخ وضجيج إلى القرن الواحد والعشرين.
وهناك العديد من الأسباب الجيّدة التى تجعل هذه الحجّة صحيحة:
- أسامة بن لادن وأتباعه يؤمنون بها. وهم أكثر من هنتنغتون ولويس يؤمنون بصدام الحضارات الأخير وتقوم «سياساتهم» على تعجيله.
- فى المبدأ، ليس هناك من وسيلة لحلّ الخلاف على السور القرآنية القليلة (مع أنّ الكثير منها يدعو إلى التوافق، غير أنّ السور المذكورة هى بالنسبة إلى المسلمين كلمة الله التى أملاها الملاك جبرائيل إلى محمد (ص). فكون المرء يتبع الحداثة (لا يضرب اليهود والمسيحيين أينما وجدوا) يعنى بالضرورة أنّه مسلم غير صالح (وهو أيضًا رأى أيمن الظواهري). وإن أخذنا الأمر حرفيًّا نجد أنّ الإسلام يتعارض مع الحداثة.
- أمّا تصوير مشكلة الإرهاب على أنّها مشكلة مع الإسلام فتقدّم فوائد كثيرة للثقافة الغربيّة. وكون سكان الغرب ثنويين - أى أنهم يؤمنون بعقيدة دينيّة أو فلسفيّة ثنويّة - فإنّ صورة الأعداء من الخارج ووصفهم على أنّهم «الشرّ» تعطيهم تحديدًا نافعًا «للآخر» ليضعوا أنفسهم فى مواجهته.
- لا يملك الغرب مناعة ضدّ هستيريا «يوم الدينونة»، فاليمين الدينى المتطرّف فى الولايات المتحدة وأوروبا هم دعاة ناشطون للحرب الكبرى. أمّا دخول برنامج التقاليد اليهوديّة - المسيحيّة لنهاية العالميّة إلى ثقافتنا فهو أمر يرغب الكثيرون برؤيته يتحقق فى فترة حياتهم» ما يُلاحظ على وجهة النظر هذه من خلال شرح بايبس وتورى مونتى لها، ذلك الاجتزاء الواضح والاستخدام الانتقائى لآيات القرآن الكريم، وهو ما سبق أن أشار إليه أكبر أحمد وقال: «إن خبراء الإعلام كلهم مذنبون فى مثل هذا الاستخدام الانتقائى للإسلام عمومًا وللقرآن الكريم لتدعيم وجهات نظرهم الجاهزة». وحتى إيراد هذا الجدل بهذه الطريقة المتوازية والتى توحى بأن لهؤلاء القائلين بهذا التفسير وجهة نظر تستند إلى حجج يمكن تفهمها، يخفى جهلاً عميقًا بالإسلام وتاريخ علومه، فعلى المستوى النصى أنشئت علوم القرآن كأحد العلوم التى تضبط التعاطى مع النص القرآنى وكيفية حل مشكله وربط أجزائه ببعضها، والتوفيق بين ما يبدو متعارضًا، وقد كتبت مئات الكتب والدراسات حول ما سُمى بآية السيف، والحرية الدينية، وثمة اجتهادات قديمة وحديثة تضبط فهم هذه الآيات التى أُشيرَ إليها، كما تضبط غيرها فى إطار منهجي، وكلى غير مجتزأ.
أما على مستوى التاريخ والتطبيق، فوجود مثل هذه الآيات والصورة المختزلة عن القرآن، كان يقتضى أن يلتزم المسلمون بها - إن كانوا صالحين - على مدار التاريخ وتعاقب القرون، فلماذا تنشأ المشكلة الآن تحديدًا، وعبر القرنين التاسع عشر والعشرين فقط حتى انبرى العديد من المسلمين ليكتبوا دراسات تبين أن الإسلام لم ينتشر بالسيف وأن الجهاد دفاعى فقط وليس هجوميًّا؟ إن تلك الأطروحات كلها، وذلك الجدل الذى أوردناه إنما استُقى من الاستشراق التقليدي، الذى شكّل مرجعيتَه، فإن «الأحكام والمقولات الاستشراقية التى تهاوت علميًّا، غدت توظف على نطاق واسع فى حقل الدراسات الاستراتيجية والسياسية، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.
وفيما يخص التقسيم الفقهى الوسيط للعالم فهو موجود منذ القرون الهجرية الأولى، وأنتجته ظروف تاريخية لم تعد موجودة فى هذا العصر، فقد اختلفت صورة العالم، ويقول عدد من الفقهاء المعاصرين إنه تقسيم اجتهادى من واقع زمان الأئمة المجتهدين، ومع ذلك لم يكتسب هذا التقسيم حضوره الواقعى فى القرون المتأخرة، إلا حين استخدمه بن لادن فى خطابه.
وفيما يخص الجهاد، فقد كان أحد محاور الاهتمام فى ظل الحديث عن الإرهاب وممارسات القاعدة التى تسميها «جهادًا»، فقد سبق أن القائلين بالتهديد الإسلامى يدللون على ذلك بأربعة عشر قرنًا من الجهاد الإسلامي، وكأن الغرب فى حالة دفاع دائمة!! والواقع أنه إذا كان هؤلاء يحشرون التاريخ الإسلامى كله المتمثل لديهم فى أربعة عشر قرنًا فى زاوية الجهاد، فإن البعض الآخر من دارسى الحركات الإسلامية، يحشرها فى إطار كلى يعتقد أنه ينظمها وهو «الجهاد»، وهذا ما فعله جيل كيبل حين تتبع «انتشار وانحسار الإسلام السياسي» خلال الربع الأخير من القرن العشرين، وعنون كتابه بـ «جهاد». وقد يبدو للبعض أن هذه التسمية هى باعتبار ما تسمى به بعض هذه الحركات نفسها، لكن هناك العديد منها الذى يتبع منهجًا سلميًّا ودخل اللعبة السياسية، ومع ذلك فهو داخل ضمن «جهاد» جيل كيبل. وإن فكرة الجهاد «يمقتها الغرب منذ زمن طويل لاعتقاده أنها إشارة إلى العدوانية الإسلامية» كما أن بول ويليامز اعترف بأن وقع كلمة «جهاد» قوى على الأذن الغربية وفى هذا الجو يتم فهم تلك التسميات والمقولات.
وكلمة الجهاد ذاتها توحى بالعنف كما يقول بروس لورانس، «وغالبًا ما تترجم إلى الإنجليزية (حربًا مقدسة) أى الحرب التى يتم شنها على غير المسلمين أو مثل حرب صليبية معكوسة. وبالإمكان استحضار الجهاد فى الاحتجاجات الإسلامية ضد الحكم الاستعمارى الأوروبي، وهو أمر حصل فعلاً فى السابق، إذ إن الجهاد يجسد أيديولوجية؛ فهو يترجم الفكر إلى عمل ويجيّش الالتزام لقضية يُنظر إليها على أنها عادلة وضرورية فى آن واحد ولكن للجهاد تاريخًا فى الديانة الإسلامية يسبق الحركات المناهضة للاستعمار، ثم بعدها الحركات الوطنية».

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

روزاليوسف داخل شركة حلوان لمحركات الديزل: الإنتاج الحربى يبنى الأمن.. ويلبى احتياجات الوطن
الداخلية تحبط هجومًا لانتحارى يرتدى حزامًا ناسفًا على كمين بالعريش
الصحة 534 فريقًا طبيًا لمبادرة الـ100 مليون صحة ببنى سويف
جبروت عاطل.. يحرق وجه طفل انتقامًا من والده بدمياط
قصة نجاح
اقتصاد مصر قادم
أردوغان يشرب نخب سقوط الدولة العثمانية فى باريس

Facebook twitter rss