صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 اكتوبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

سيكو دراما الثورة المصرية التحليل النفسى لشخصية المصريين بعد الثورة ـ 1 ـ التحول من التسامح إلى العصبية

27 ابريل 2014



كتب: د/ على الشامى

«السيكودراما»  أو الدراما النفسية هى احد انواع أو فنون العلاج النفسى الذى تكمن فنياته فى تفريغ الانفعالات الناتجة عن الصراعات الداخلية فى النفس البشرية ويتم ذلك فى اطار تحليلى وهى كذلك محاولة لفهم ما يدور داخل النفس البشرية وهو ما سنقوم به بالضبط، فسنقوم برصد ما حدث وما يمكن أن يحدث من تحولات نفسية والتى تؤدى فى الاغلب الأعم إلى تحولات اجتماعية فى نفوس بل وفى المجتمع المصرى بشكل عام، سنقوم بذلك بشكل تحليلى وفقا لقواعد الدراما النفسية على حلقات متوالية لنرصد الخلل ونحاول تقديم انماط مختلفة أو رؤى وتصورات جديدة لعلاج ما طرأ على المجتمع المصرى من خلال ما ظهر منه وما بطن.
بعد ان يسترخى الشيخ ذا اللحية الطويلة جدا فى مقعده أمام احدى الكاميرات قائلا بتحريم السلام على المسيحيين – النصارى- أو الحديث معهم أو تهنئتهم أو مصافحتهم بشكل يوحى للمستمع غير العالم ببواطن الأمور بأن المسيحيين جميعا أو غير المسلمين عموما مصابون بمرض خطير مثلا، وطبعا تعنى كلمة المسلمين هنا عند هؤلاء الشيوخ الوهابيين من ذوى اللحى الطويلة والجلابيب القصيرة والخيام السوداء ارث طويل لصحراء جرداء وخيام وسيوف وجمال وخواء فكرى يجعل جميع العرب يشتبكون من أجل بضعة حشائش أكلتها ناقة من مكان يخص قبيلة أخرى، بل ويتغنون بهذا على سبيل المفاخرة فيما يعرف بحرب الباسوس .. المهم ان نفس هذا الشيخ ذو اللحية وذو المرض الجلدى فى الرأس المعروف بالزبيبة تجده رقيق الصوت متحدثاً عن سماحة الإسلام، طبعا هو يعنى الوهابية ولا تحاول أن تفكر فى أى صورة من صور السماحة التى يحاول الرجل الصاقها بالوهابية لأنه ببساطه يهذى هو واقرانه، والهذيان فى الغالب لا نعتد به ولا يجب أن نفعل بكل تأكيد.
سيدة بسيطة فى منتصف العمر تشبه سيدات كثيرات، لا شيء مميز، ملامح عادية دخلت إلى العيادة جلست أمامى والتقطت انفاسها ثم اخذت نفسا عميقا واطلقت زفيرا حارا، وبدأت حديثها عن اعراض قلق واعراض عضوية واضطرابات غير مفسرة رغم عدم وجود أى امراض عضوية، اعراض عادية تصيب العديد من الناس لأسباب عديدة ويتم علاجها وتحقق نجاحا كبيرا، وفى الغالب تزول الاعراض لكن المفاجأة أن السيدة البسيطة جدا العادية جدا التى لا تستطيع تفرقتها عن أى سيدة اخرى فى منتصف العمر أمالت كفها أمامى لترينى رسغها فيظهر الصليب، ثم تضع يديها على وجهها وتجهش بالبكاء وتقول بصوت متقطع يكاد يبين كل ما ذكرته «الآن يمكننى تحمله، لا يمثل أى مشكلة بالنسبة لي، استطيع العيش والتعايش بشكل طبيعى جدا لكن ما يجعلنى عاجزة عن أن أعيش بشكل طبيعى هو نوبات الفزع التى تصيبنى الاحلام أو الكوابيس المفزعة، الوحوش التى تظهر لى الفزع من أى صوت أو أى عابر أو حتى من الخروج أو التجمع أو الاجتماع بأحد أو الجلوس وحدى، الفزع من أى شيء ولأى سبب»، الأمر مخيف حقا.. فالسيدة العادية مسيحية مصرية من اللواتى يعتبرن الدين جزءاً أصيلاً من مكونات الحياة، أى اننا نستطيع القول انها متدينة - لا استطيع طبقا لحديثى معها وصفها بالتشدد - الا إننى يمكننى القول بأنها من ذلك النوع من السيدات المصريات اللائى يقلن بأن ابونا فلان قال كذا فهذا هو الصواب، أو أن الشيخ علان قال كذا فهذا لا يقبل النقاش .
ما جعل السيدة هذه تصل إلى عيادتى شاكية من تلك الأعراض وعارضة المشكلة المخيفة بين يدى أن «الماستر سين» كما يقول السينمائيون هو مشهد حرق احدى الكنائس، بالتحديد حدث ذلك فى عهد المجلس العسكرى فى اعقاب ثورة 25 يناير والانفلات الأمنى والأخلاقى والاجتماعى الذى ضرب مصر فى ذلك الوقت، واتوقف هنا لحظات وأقول أن الأزمة الحقيقية فى مصر ليست أزمة أمنية فى الاساس أو ازمة اقتصادية، وإن كانت تلك الازمات موجودة بشكل ثانوى للأزمة الرئيسية ألا وهى الأزمة الاخلاقية.
تعيش مصر أزمة اخلاقية وهى مصيبتها الكبرى، وللحق فالأمر يسبق بكثير أحداث الثورة، بل نستطيع القول بارتياح شديد أنها من العوامل المؤسسة لتلك الثورة، ونستطيع أن نقول أيضا ان حالة العنف المتفجرة فى الشارع المصرى لا تعنى تحولاً فى الشخصية المصرية ما بعد الثورة، الأمر ببساطة أن العنف تكون داخل الشخصية المصرية منذ وقت سابق للثورة بعشرات السنين تزامن مع ازدهار الحركة الوهابية بعدما تغذت جذورها بالنفط فتحولت الأوضاع فى مصر إلى التصحر التدريجي، وبدأ فى مصر لأول مرة فى تاريخه انتشار الاسمنت وتجريف الارض وهى أمور لم تحدث فى التاريخ المصرى ابدا، فنجد فى احدى البرديات المصرية  فى قصة سنوحى ان الملك نفاه إلى خارج البلاد فظل فى حالة استعطاف للملك حتى عاد الرجل، أى ان النفى كان عقابا والبعد عن الوادى كان بمثابة الجحيم للمصريين اما التحول النفطى فحول المنفى إلى اثابة واصبحت الاعارة للخليج هى حلم جيل كامل من المصريين وهو الجيل الذى حطم مصر فعليا ودمر تراثها وباع كل شىء فيها ليس انتهاء بالمبادئ .. جيل النفط.
كان لابد من هذا التقديم لاستعراض الاسباب التى حولت الشخصية المصرية المتسامحة إلى شخصية انزلقت فى هذا المستنقع من العصبية إلى الحد الذى يجعل اشخاصا يحملون هذه الجنسية يتوجهون عمدا إلى دار عبادة يعبد فيها الله ويذكر فيها اسمه لإحراقها .. يجب مناقشة ثلاث مستويات للأزمة، المستوى الأول يمتد فى التاريخ لأكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، هنا يجب الوقوف للحظات لإيضاح بعض المفاهيم، فأنا أعنى فى الأساس الغزوات العربية للدول الحضارية أو ذات الحضارة القديمة، وأقول واؤكد العربية، حيث أرى أن الأمر لم يكن فتحا اسلاميا ولكنه محض غزو عربي، هكذا وبدون أى قدر من المواربة أو التجميل أو الالتواء، فإذا كان الأمر يمثل فتحا اسلاميا فالإسلام فى الأساس – بل وأى دين أو عقيدة أخرى – هو مجموعة من القيم الاخلاقية فقط، قيم اخلاقية منزلة من السماء لإصلاح مجتمع فاسد، «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» كما ذكر فى القرآن، إذن فلا يعقل أن تتحول المفاهيم الأخلاقية إلى مبارزات بالسيف وقطع رؤوس وبحور لا تنتهى من الدماء، وموجات من التعصب والعصبية، لم ولا ولن تنتهى، وارتداء العرب لعباءة الإسلام لا يمكن ان يخدع عاقلاً أو منصفاً أبدا ولنا فى ذلك حديث مطول لاحقا.
اما المستوى الثانى فهو ما تلا ذلك طوال الأربعة عشر قرنا من الزمان، من الولاية العربية البدوية على الأمم الحضارية والهجرات العربية المتعاقبة على مصر تحديدا وتأسيس مبدأ أن السلطة واليد العليا تتمركز فى يد بدوى قادم من الصحراء وهى العصبيات التى لا تزال تحكم مصر حتى هذه اللحظة، فإن كان الأمر فتحا اسلاميا فلماذا التفاخر بالنسب العربى المحتل وجعله درجة أولى فى مقابل المصرى صاحب البلد الذى هو فى الدرجة الثانية وربما الثالثة؟، ولماذا لا يكون التفاضل والتفضيل أخلاقيا أو بالتقوى كما أمرت تعاليم الإسلام المنزلة من السماء ؟.
المستوى الثالث هو الحركة الوهابية وهى الحركة التى وعت منذ أن أسس لها الاستعمار فى صحراء نجد أنها لن تقوم لها قائمة إلا بمصر، وبقاؤها رهن بانتشارها فى مصر، وعندما وعت السلطة الحاكمة فى مصر ممثلة فى محمد على - المشروع المدنى المصرى الأول فى العصر الحديث – حاربت الوهابية حتى أجهزت عليها إلا أن الأخيرة عادت بعد ازدهارها بظهور النفط لتتغلغل فى الواقع المصرى ولم يظهر مشروع مدنى قوى يردعها حتى اللحظة .. فالوهابية بذرة التعصب الحقيقية التى ضربت مصر فى العقود الاخيرة خلقت أمرا فى غاية الخطورة وهو العصبية المفرطة حد القتل وسفك الدم والترويع بالحرق، فى سابقة لم تحدث فى التاريخ المصرى من قبل على يد مصريين وهى على المستوى النفسى حيلة دفاعية يركن إليها الضعيف المفلس أمام قوة الحضارة الغربية المنفتحة الفتية، ولأنه لا يستطيع المواجهة فإنه ينكص إلى الخلف حتى يصطدم بالماضى كما هو فيلبس رداءه كما هو دون أى اعتبارات لمعايير حضارية أو مجتمعية ويمضى به متحصنا من ضعفه، وهذا على مستوى الأصوليين من المسلمين وهو ما يحدث بالضبط عند الاصوليين المسيحيين من احتماء بالكنيسة فى ظل غياب الدولة الحقيقية أو ضعفها، وتراجع مفهوم المواطنة المتقدم إلى مفهوم القبيلة البدائى والمتخلف فنجد انفسنا بحكم الغلبة وقوة السلطة أمام قاهر ومقهور، امام رجل يلقى «مولوتوف» لإحراق دور عبادة، وآخر إما يهرب مذعورا إلى دول أخرى أو يلجأ لطبيب نفسى ليعالج ما نسميه هنا بنوبات الهلع.
دعونا نستكمل هذه الصورة المهمة من التحولات النفسية والاجتماعية التى حدثت للمصريين بعد ثورة أو نتيجة لأسباب كانت بلا شك مقدمات لتلك الثورة فى الحلقة القادمة.



[email protected] 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الحكومة تعيد «الذهب الأبيض» لبريقه فى «المنوفية»
المحافظات جاهزة لـ«الأمطار»
«فوانيس» جديدة تضىء «قويسنا» ليلا
شوارعنا نظيفة
«ادعم نقيبك»: أعضاء بالمجلس يستغلون قضايا حبس المحامين لـ«الشو» الانتخابى
د.مجدى يعقوب أمير القلوب
أردوغان يفتح أبواب الجحيم على تركيا

Facebook twitter rss