صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

13 ديسمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

حلم العودة إلى سيناء يداعب الإسرائيليين

24 ابريل 2014



كتب - إسلام عبدالكريم

حلم العودة لأرض سيناء مازال يداعب «بنى إسرائيل»، فاعتقادهم الراسخ هو أنها جزء من أرض الميعاد، الأرض التى تفيض سمناً وعسلاً بحسب النص التوراتى. رغم مرور اثنين وثلاثين عاما على الانسحاب الإسرائيلى من أرض سيناء وتحريرها، وإجلاء المستوطنات التى سارعوا ببنائها عقب احتلال سيناء عام 1967، لاتزال سيناء هى وجهة الإسرائيليين فى الاحتفال بالأعياد، سواء الدينية أو القومية، فأذهانهم ظلت عالقة بها، وللحق يصعب فصل الذكريات التى عاشوها فى تلك الأرض من عقولهم، فأرض الفيروز صعب أن ينساها أحد.
وحتى الآن مازال هناك من يأملون بالعودة، خاصة من تم إخراجهم، سواء بالقوة أو رضوخا لقرار حكومتهم. «أنتم من دفع الثمن الأغلى من الجميع، أنتم من عارض إخلاء المستوطنة، أحنينا رأسكم من أجل القرار الديمقراطي»، بتلك الكلمات داعب «رأوفين ريفيلن» - رئيس الكنيست السابق- أحاسيس المستوطنين السابقين خلال كلمته قبل عامين فى الكنيست.
ووجه رئيس الكنيست السابق خطابه خصيصا للذين تم إخراجهم بالقوة من مستوطنة «ياميت» فى رفح، فهؤلاء المستوطنون يراهم المجتمع الإسرائيلى أكثر ضحايا اتفاقية السلام مع مصر، يأسف المجتمع لهم لما عانوه من آثار سلبية لتخليهم عن الأرض التى اقتطعها شعب إسرائيل بدمائه- بحسب تعبيره.
سيناء كانت وجهة سياحية مهمة للإسرائيليين، ليس فقط لهم، فقد روجوا لها عالميا واجتذبوا قطاعا كبيرا من السياح فى أوروبا وأمريكا لزيارة مستوطناتهم خلال فترة احتلال سيناء، بالأخص مستوطنة «أوفرياه»، أو كما يطلق عليها بالعربية «شرم الشيخ». فقد كانت «أوفرياه» منطقة جذب سياحى مهمة للإسرائيليين، واستغلتها تل أبيب سياسيا واقتصاديا، سياسيا من خلال الترويج بأنها أرض إسرائيلية وأن إسرائيل المسئولة عنها وقامت بتنميتها بعد أن كانت صحراء جرداء، واقتصادية عن طريق تنظيم جولات سياحية إليها، وعن طريق التنقيب عن البترول، فلا يغيب عن خاطر أحد قصة استهداف المخابرات المصرية للحفار الذى استأجرته إسرائيل للتنقيب عن البترول فى الأراضى المصرية.
وينظر الإسرائيليون إلى «شرم الشيخ» على أنها «الجنة المفقودة»، الذى طال حلم البحث عنها وطال حلم العودة إليها. فهناك حالة من الاشتياق إليها يصعب إنكارهاـ فهى الجنة التى أغدت عليهم من النعم كثيرا، تعلموا عادات البدو، عاشوا حياة هادئة وجميلة، تهنوا برغدها على مدار ست سنوات، لكن بعدها، ومع أول صاروخ تطلقه الطائرات المصرية على الوحدات العسكرية بالقرب من تلك المستوطنات، أدركوا أن الحلم قد انتهى.
رثاها الأديب الإسرائيلى «حاييم جوري» عام 1979 قائلا : «وداعا أرض سيناء، وداعا «أوفرياه»، التى كانت لتصبح أختا للمدن الإسرائيلية لكنها أصبحت ذكرى، وداعا للشواطئ المرجانية وللصمت الساحر، وداعا للأسماك الأسطورية فى الأعماق الزرقاء، وداعا سيناء الدم والتضحية، سيناء ذات الأربعة حروب بين مصر وإسرائيل».
كذلك رئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق «مناحم بيجين»، الذى حبس نفسه فى منزله بسبب الانسحاب من سيناء. برغم مرور أكثر من ثلاثين عاما على تحرير سيناء، إلا أن سكان «أوفرياه» و«ياميت» مازالوا يتذكرون، تهفوا أنفسهم إليها، وصفوها بجنة الحرية، جنة عدن، وكثيرون من غير المستوطنين يرون أن إخلاء تلك المستوطنات كان خطأ فادحا كلف تل أبيب الكثير، خاصة قى الآونة الأخيرة بعد تعرض الحدود مع مصر للعديد من الهجمات وإطلاق صواريخ على مدينة إيلات، وكلما وقعت حادثة تعود التساؤلات لأذهانهم عن جدوى الانسحاب من سيناء طالما أن السلام المنشود لم يتحقق.
ستظل دائما «شرم الشيخ» ذات أهمية خاصة بالنسبة للإسرائيليين، فمنهم من أضفى عليها بعدا تاريخيا ودينيا، وموقعها الاستراتيجى، وطبيعتها الخلابة، ومواردها، كل هذا جعلها ما هى عليه، فبعد احتلال سيناء عام 1967 تغنى لها الإسرائيلون، وقال عنها وزير الدفاع الأسبق «موشيه ديان» متعجرفاً: « شرم الشيخ بدون سلام أفضل من السلام بدون شرم الشيخ»، وبعد الحرب تحولت «شرم الشيخ» لتاريخ بالنسبة لإسرائيل بعد عودتها للمصريين.
تحدث عن «أوفرياه» أحد مستوطنيها ويدعى «حيليق مانجوس» قائلا : لقد كانت جنة عدن، كانت مدينة خيالية، وأرضا خصبة للقصص. وقال آخر يدعى «يعايل كاهانا» : «كانت أنتعاشا لنا من حرب يوم الغفران».
كانت لأوفرياه أهمية كبيرة، فقد جاءت لملء تصور أمنى من جانب إسرائيل تجاه كل ترتيب مستقبلى، تحتفظ بين يديها بالسيطرة على خليج إيلات ومضيق تيران. فأنشأت حوالى 500 وحدة سكنية فى تلك المنطقة، وأمدتها بشبكة من البنية التحتية من صرف صحى وكهرباء ومياه، أوصلتها بشبكة من الطرق المنارة.
وبين الحين والآخر، يجتمع العديد من سكان المستوطنات فى سيناء ببعضهم البعض، ليستعيدوا ذكرياتهم، ويستعيدوا ملامح الجنة التى عاشوا بها، تلك المدينة الهادئة، لم يكن يسمع بها حتى دوى المدافع، كيف تعايشوا مع البدو كأنهم «لورانس العرب»، ويرون أن إجلاءهم من مستوطناتهم كان بمثابة طرد إنسان من الجنة.
ومع الطلقات الأولى لحرب أكتوبر، أو حرب «يوم الغفران» كما يدعونها، شعر سكان «أوفرياه» و«ياميت» أن خطبا ما سيحدث. لم يكن لديهم أجهزة تلفاز، إلا أنهم كانوا يتابعون الإذاعة، تابعوا بقلق بالغ زيارة الرئيس المصرى «أنور السادات» للقدس عام 1977، صاحب تلك الزيارة تكهناتهم حول مستقبلهم على أرض سيناء.
يقول «ماجنوس» فى حوار له مع مراسل صحيفة «يديعوت آحرونوت» : «حالما وصل السادات للقدس، رأيت الانفصال بين شرم الشيخ وإسرائيل، رأينا أن هناك كارثة قريبة، أردنا السلام، لكننا عرفنا أننا سنكون ثمناً لهذا السلام».
فى مارس 1979 وقع «السادات» ورئيس الوزراء الإسرائيلى السابق « مناحم بيجين» على اتفاقية «كامب ديفيد»، والتزمت إسرائيل بموجبها بإجلاء مستوطناتها فى سيناء. يتذكر سكان «أوفرياه» كيف طلب منهم التوجه للشاطئ لحين الانتهاء من عملية نسف المنشآت العسكرية المتواجدة بالقرب من المستوطنات قبيل الانسحاب منها، أدرك جميعهم أن النهاية باتت وشيكة، لكنهم تساءلوا.. كيف سيستيقظون من هذا الحلم. فى يونيو 1981 استضافت «أوفرياه» لقاء قمة بين السادات وبيجين، يتذكر سكانها أن قبل الزيارة بأيام قليلة اجتمع بهم العميد «إفرايم بورين» السكرتير العسكرى لـ«بيجين» طالبا منهم الترحيب بالرئيس المصرى عند وصوله، وبحسب ما أوردوه، فقد اجتمع بهم «بورين» طالبا منهم إحداث مظاهرات حتى يرى صحفيو العالم ما هو ثمن السلام الذى ستدفعه إسرائيل، وجلبوا لافتات من تل أبيب لرفعها فى المظاهرات، وطلبوا من «بورين» مقابلة «السادات» و«بيجن» حتى يوضحوا لهم أن الثمن الذى سيدفعونه لا يطاق لكنه رفض ذلك، ولكن قال لهم إن تلك المحاولات هراء. وكشف هؤلاء المستوطنون عن وجود محاولات من داخل إسرائيل لإفساد تلك المحادثات ومنع إجلاء المستوطنات، حيث ذكروا أن «آرئيل شارون» وصل إليهم لدعمهم فى مظاهراتهم، وقالت «مريم بيرتس»، إحدى المستوطنات، إن «شارون» جاء إليهم طالبا الخروج فى مظاهرات، وعندما وصل «السادات» كانت المظاهرات فى انتظاره، ولاقت زوجته ترحيبا من طلاب مدرسة «أوفرياه». وأشارت إلى أنه قبل الانسحاب من مستوطنتهم جاء إليهم زوار من إسرائيل، شخصيات دينية وأخرى عامة، طالبين منهم عدم الانسحاب وزيادة كفاحهم والصمود فى شرم الشيخ، عارضين عليهم استخدام أنواع التخريب. قالت «مريم» إنها لا تزال تتذكر تفاصيل ليلتها الأخيرة فى سيناء، حيث جلست عشرات الأسر وهم يدركون أنها ليلتهم الأخيرة، فغدا سيخرجون منها لإيلات وسيدخلها المصريون، وتم إخلاء «أوفرياه» بدون مقاومة من مستوطنيها. فقد اتسم اجلاء «أوفرياه» بالسلمية دون أى عنف، بعكس ما فى مستوطنة «ياميت».
وشهد إجلاء مستوطنة «ياميت» عمليات تخريب وشغب كبير بين المستوطنين الرافضين لقرار الإجلاء وبين قوات الشرطة والجيش الإسرائيلى التى جاءت لتنفيذ قرار الحكومة الإسرائيلية التزاما منها ببنود اتفاقية السلام، فقد استجاب سكانها لتحريض الكثيرين - بعكس سكان «أوفرياه»- وبدأوا فى شغب مع قوات الأمن رافضين الخروج من أرض سيناء.
وحتى بعد مرور اثنين وثلاثين عاما على إجلائهم من سيناء، مازال الخارجون منها يشعرون بالحنين تجاهها ويشعرون بالغربة فى إسرائيل. ويستعيدون ذكرى صعود وسقوط سريع للاستيطان الإسرائيلى فى سيناء.
أما «ياميت»، فقد كان مخططًا لها أن تصبح ثالث أكبر مدينة ساحلية فى إسرائيل - بعد ضمها، بعد تل أبيب وحيفا، وتم إرساء بنية تحتية لاستيعاب ربع مليون شخص، لكن تلك الأحلام لم تكتمل حالما بدأت محادثات السلام بين مصر وإسرائيل. وأوضح موقع «إكس نت» الإسرائيلى أن «ياميت» كانت منطقة ذات مناخ ممتاز، مساحة مفتوحة جذابة، لكن الخاسر الوحيد منها كان البدو، حيث تم نزع 20 ألف هكتار من أراضيهم، وتم ردم الآبار وهدم العديد من منازلهم، وتم إجلاء أكثر من خمسة آلاف بدوى على مشارف رفح وللمحليات المجاورة.
وحتى عام 1980، وقبل الإجلاء، كان يعيش فى ياميت 625 أسرة إسرائيلية، من بينها 51 أسرة تم إجلاؤهم بعد القرار الدرامى بإخلاء المستوطنات بالقوة فى الحادى والعشرين من أبريل 1982، وكان يوم ملىء بالصادمات.
يقول «نمرود شاكيد»، البالغ من العمر 64 عاما وأحد المستوطنين القداماء بسيناء إن «ياميت» كانت مكانا يضم ذكريات الشباب والطفولة، فقد كان يعيش على منزل على بعد 500 من البحر، فى منطقة من أجمل شواطئ البحرى المتوسط.
أيضا المستوطنة المنسية، مستوطنة «نفيعوت»، والتى اقيمت فى مدينة نويبع بسيناء على خليج العقبة وعلى مقربة من ميناء إيلات، وكان يفصلها 165 كم عن شرم الشيخ أو عن «أوفرياه»، تلك المستوطنة الصغيرة لم تحظ باهتمام كاف من قبل المستوطنين، فقد كانت الوجهة الأساسية لهم إما «أوفرياه» أو «ياميت». واستغلتها إسرائيل فى الترويج أيضا لها من خلال اقامة «مهرجان نويبع الأول عام 1977 أى بعد أربعة أعوام من حرب أكتوبر، لتثبت أمام العالم فكرة السيطرة على أراضى سيناء رغم خسارتها فى الحرب. وتم اجلاؤها بهدوء تام عام 1982.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

أيام قرطاج ينتصر للإنسانية بمسرح السجون
سـلام رئاسى لـ«عظيمات مصر»
الحكومة تنفذ توصيات «الكوميسا»
اقتصادنا بخير
«جمـّال» وفتاة فى اعترافات لـ«الداخلية»: ساعدنا المصور الدنماركى وصديقته فى تسلق الهرم الأكبر
واحة الإبداع.. ثلاث حكايات يسردها طفل كبير
قائد مسيرة البناء

Facebook twitter rss