صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

23 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

«أحداث أسوان» بين التحليل النفسى ووقائع التاريخ

10 ابريل 2014



«مواطن رمى ميه على بلكونة مواطن اللى تحتيه.. بس ويتحول الموضوع لفتنة طائفية».. بهذه الكلمات وبكاريزما شهيرة وأسلوب مميز تميز به الرئيس الأسبق محمد أنور السادات صاحب الكلمات أعلن الرجل عن مولد فتنة أو لنقل على أقل تقدير «أحداث الزاوية الحمرا» وهو الأمر الذى القى بذوره فى المجتمع المصرى قبل هذا الأوان بسنوات عدة وهو الأمر الذى يحتاج الكثير من التحليل عندما نربطه عابرين للزمان والمكان حيث أسوان أقصى جنوب مصر فى منطقة شعبية بسيطة تدعى «السيل الريفي» بعد مرور ثلاثة أعوام من الثورة.. أو لنقل بعد ثورتين متلاحقتين أخرجتا كل ما فى جوف المصريين من مخبوء ومخزون عنيف تراكم عبر سنوات طوال.

 

على نهج السادات فى طريقة العرض المميزة وطبقا لرواية شهود عيان من المنطقة - تحتمل روايتهم الصواب والخطأ -  بدأت الأحداث الأخيرة فى أسوان بمدرس لغة عربية ينتمى إلى جماعة الإخوان الإرهابية ذى خط حسن يعمل كخطاط فى بعض الأحيان للاستفادة من موهبته فى التكسب، يتحرك طبقا لتعليمات داخلية أو خارجية ويقف عند سور إحدى المدارس ليلا ويكتب عبارة تسيء إلى «الهلايلة» وهى قبيلة عربية، إحدى قبيلتين تسكن «السيل الريفي» - منطقة النزاع – تتهمهم بتجارة المخدرات والدعارة وأخرى تسىء إلى «الدابودية» إحدى القبائل النوبية والتى تشارك الأولى السكنى فى نفس المنطقة وتصفهم بأنهم «عبيد».. بعدها استيقظ الأهالى صباحا ليجدوا العبارتين بنفس الخط فى نفس المكان فتنشب مشاجرة بين الشباب كأى مشاجرة بين أى مجموعة من الشباب فى أى حى شعبى ثم لا يلبث أن يتفاقم الوضع حتى يسقط أول قتيل وهنا كانت الشرارة التى انطلقت لتشعل النار التى تقضى على الأخضر واليابس هنا كانت القشة التى قسمت ظهر البعير وتزايدت أعداد القتلى حتى وصلت إلى أكثر من خمسة وعشرين قتيلا وعشرات الجرحى فى حادثة لم تعرف أسوان لها مثيلا ربما عبر تاريخها كله، ولا يستطيع أحد التنبؤ بما تخفيه الأيام القادمة فى هذا الشأن ولكننا نستطيع بالطبع تتبع أسباب حدوث المشكلة وجذورها كمحاولة لفك طلاسم المشهد الذى يبدو وكأنه لوثة خارج إطار الزمن، لوثة جماعية لم تصب أهالى السيل الريفى بأسوان فقط وإنما أصابت مصر كلها والمصريين جميعهم إلا من رحم ربى.
لتحليل ظاهرة ما لابد من تفكيكها لأولياتها  ونحن هنا أمام طرفى نزاع ومكان نزاع وظرف تاريخى نبدأ بطرفى النزاع واسمحوا لى ان نخوض قليلا فى التاريخ لأن الامر يبدو معقدا بعض الشيء فالقبيلتان المتنازعتان هما قبيلة الهلايلة – بنى هلال – وهى قبيلة ذات عصبية قبلية عربية والأخرى هى قبيلة الدابودية وهى قبيلة تنتمى إلى النوبة، نوبة ما بعد التهجير من على ضفاف النيل لتحل المياه محل القرى القديمة وتغرقها تاركة تحتها كل الذكريات، النخل والبيوت والتاريخ القديم مكونة أكبر بحيرة صناعية فى العالم باسم صاحبها – ناصر – وصاحب قرار التهجير فى نفس الوقت وباسم البحيرة النوبية – على استحياء فى الجزء السودانى من البحيرة وهو الجزء الأصغر، وباسم بحيرة السد العالى جغرافيا على الخرائط المساحية وهو الاسم الوسط المرضى لجميع الأطراف المتحفزة حوله.
رجوعا إلى الجذور التاريخية بعد أن دخل عمرو بن العاص مصر وانتشر جنوده فى ربوعها فيما عرف فى التاريخ بالفتح العربي، وانتشار جنوده والعرب الوافدين من الجزيرة العربية وتحولهم إلى رؤوس قبائل تحتمى بالسلطة المركزية فى الفسطاط وتتملك الأرض وما عليها ومن عليها ويتحول العصب العربى إلى عصب أعلى وأقوى وأكثر سيطرة، وتتحول القبلية العربية إلى مصدر سطوة ونفوذ وجاه، وتمكن هذه العصبيات من التحكم التام فى مقدرات الأمور إقليميا من المركز - القاهرة - ويظهر ذلك واضحا جليا فى الصعيد حيث القبائل العربية تباهى كونها ذات عصب عربى وتعتبر أنه من الطبيعى أن يكون العصب العربى وهو أجنبى بحكم طبائع الأمور هو الأعلى كعبا من سكان البلاد الأصليين حتى إنهم يبالغون ويلقبون المسيحيين بـ «الخواجات»!! وهو أمر يصعب التعليق عليه.
إذن فالعصبية القبلية العربية التى استقرت فى ربوع مصر وتجدها فى الريف والصعيد قد ارتضاها المركز، وترك لها السيطرة وتسيير الأمور بشرط الضبط والربط وعدم تصدير أى مشاكل إلى العاصمة المركزية بمنطق «كله تمام يا ريس»، وبنفس القدر من الاستعلاء يتم التعامل مع القضايا النوبية والأقباط على أنها قضايا أمن قومى وأمن دولة عليا ولا يجب فتحها أو الحديث عنها إلا مع جهات أمنية محددة، ويتم التعامل مع أى قضية مهما بلغت بساطتها على أنها قضية أمنية بحتة وأن هؤلاء المواطنين هم من الدرجة الثانية وليس لهم الحق فى مزايا إضافية فى مقابل تيسير أعمال اقتصادية أو مزايا مالية كالعمل فى السياحة أو المعاملات المالية، كتعويض يبدو للبعض رخيصا عن امتياز حق المواطنة من الدرجة الأولى فى موطنهم الأصلي، هذا التعويض يكون بشرط أن تكون تلك الأمور من المحرم الكلام فيها، أى من المسكوت عنه، المعلوم بالضرورة إن جاز التعبير.
تقول الأسطورة إن عبدالناصر فى إحدى رحلاته بالقطار مع «تيتو» – قائد ثورى عسكرى يوغسلافى - إلى أسوان وبلاد النوبة أشار تيتو إلى منازل النوبيين وقال لعبد الناصر – والأسطورة لاتزال مستمرة – أنه لو أن لدى اناس يحملون عرقية واحدة تختلف عن عرقيات الشمال فى جنوب البلاد ويتجمعون هكذا لكنت قد فرقت شملهم بين البلاد حتى لايطالبون بالانفصال ابدا ويبدو ان عبد الناصر – طبقا للاسطورة المتداولة – كان يثق جدا فى تيتو ويميل إلى طاعته والعمل بقوله فقام عبد الناصر بتهجير النوبة وعمد إلى تشتيت شملهم إلى هنا انتهت الاسطورة وبغض النظر عن أن هذا الحوار السرى الخطير المفترض أنه لا يوجد عليه أى شاهد اثبات، وبغض النظر عن أنه لا يوجد أى قطار وصل إلى النوبة وحمل داخله عبدالناصر  وتيتو معا إلا أننا يمكننا أن نقول بارتياح أن الأسطورة هى محاولة تبريرية وهى حيلة دفاعية لتستقر النفس النوبية - الراعى الرسمى للأسطورة - وترتاح وتهدأ وتركن إلى اكتمال نظرية المؤامرة الكونية ضدها.
إذن فهناك استعلاء عربى قبلى من ناحية وشعور باضطهاد النوبة من ناحية أخرى هذا من ناحية طرفى النزاع، أما حديثنا عن موقع النزاع فيلزم فيه القول بأن هذا الموقع يحمل الكثير من بذور الصراع نفسها، فالسيل الريفى من أفقر الأحياء فى أسوان - المدينة وربما المحافظة كلها -  وينتشر فيه أصحاب المهن البسيطة والتى يغلب عليهم انخفاض مستوى المعيشة والجهل وهى البيئة الخصبة للعنف والتعصب والهمجية بكل تأكيد، العصبية فى الاساس قائمة على توهم امتلاك الحقيقة كاملة غير منقوصة و«العصبية» تصنع الاستعلاء فتصور أحدهم كونه منتسبا إلى دين أو عقيدة أو فكر معين، انه بذلك قد أوتى الحكمة الكاملة وأنه يملك الحقيقة وسواه على باطل هذا بالظبط هو البذرة الأساسية التى تخلق العصبية وهى الأب الشرعى للعنف عبر العصور فما من شخص أو جماعة  ظنوا امتلاكهم الحقيقة الكاملة إلا وارتبط سلوكهم بالعنف من العنف المعنوى مرورا بالعنف اللفظى وليس انتهاء بالإرهاب.
وكما يرى البعض بأن كون ما حدث فى أسوان يجرى تحت نظر قوات الشرطة يعد  الأقرب للمنطق فإن هناك فريقا آخر يدافع بضراوة عن أفراد الشرطة ويستنكر أن يكون الشرطة لها دور من قريب أو بعيد، أما النوع الأول والذى يرى أن قوات الأمن ظلت هكذا بدون تدخل رغم قربها من الأحداث ومسرح الحدث نفسه فإنه يهمس بالكثير من الدائر فى حديث الغرف المغلقة بأن عددا من أفراد إحدى القبيلتين طرف الصراع ما هم إلا بلطجية وأن الشرطة تستعين بهم فى التظاهرات أو خلافه، وهو حديث لم يرتق من خانة الهمس غير المثبت إلى أى درجة أعلى، إلا أننى أورده هنا لاستبيان كل صور الحقيقة المحتملة من مسرح الأحداث وهو محض تصور تخيلى للأفكار السابقة والأسباب المؤدية إلى ماحدث، ببساطة لو وضعنا حالة الانفلات الأمنى التى تجعل بعض حالات - لا أعرف دور المصادفة هنا بالظبط - من إحدى العائلتين يتورط فى بيع المخدرات بالقرب من مراكز شرطية وقضائية، والكلام عهده على رواة فى زمن مشتعل، ولكن لو ربطنا الأحداث الافتراضية فربما نخلص إلى نتائج معينة.
يقول البعض: وهل حالة الانفلات الأمنى والظروف الاقتصادية الصعبة التى تحياها البلاد كافية لجعل الأمور محتقنة إلى هذا الحد وكفيلة أيضا بتغيير نفوس لم تعرف يوما العنف الدموى إلى نفوس تعاملت مع خلاف نشب بمنتهى الدموية؟ الإجابة ببساطة هى أننا نتحدث عن مدينة كل من فيها يعمل بالسياحة بشكل أو بآخر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فلك أن تتخيل بأن هذه المدينة تفقد السياحة بشكل يصل فى بعض الأحيان إلى 100٪ وسط حالة من الانفلات الأمنى مع تمهيد طائفى عصبى غذته فى الأربعين عاما الأخيرة تغلغل «الوهابية» مصدر الشرور فى المجتمع المصرى مع الفقر والجهل والتعصب والتخلف وتحدثنى عن عدم قدرتك على التصديق بأن شخصا ما سيتحول من صورة إلى أخرى.
المجتمع المصرى فى أى بقعة على أرض مصر مجتمع يحمل بذورا للتعصب ذكاها الجهل وسوء توزيع الثروة فى السنوات الأخيرة وأيضا الوهابية التى كانت وبالا قادما من الصحراء فتحول المجتمع المصرى إلى مجتمع عنيف بمعنى الكلمة، إلا أن هذا العنف كان يبدو فى صورة عنف سلبى كتهرب الناس من أشغالها مثلا وذلك لوجود سلطة قوية قاهرة، أما بانكشاف هذه السلطة الصارمة فإننا نجد العنف السلبى قد تحول إلى عنف ايجابى ونجد أن بعضهم يحمل أسلحة نارية ثقيلة فى الشارع ولا يتورع عن قتل اخيه لأتفه الأسباب، لم يكن أسوأ مما حدث فى أسوان إلا أداء الدولة وأعنى بالتحديد «محلب» رئيس الوزراء تجاه الأحداث، فالرجل يعيد استنساخ ضعف عصام شرف من جديد فى زمن أخطر وأشد دقة، واستمرار الدولة فى التعامل عرفا على أن التهجير أو المصالحات الوهمية فى دواوين المحافظات أو تقبيل «اللحى» هو الحل هو بالظبط دفن لرأس الدولة فى الرمال انتظارا لخطاب جديد شبيه لخطاب السادات، وإن كانت هذه المرة ستخلو منه لكنه ذات نكهة مميزة تحمل روح دعابة وسيظل الدم فقط يجوب شوارع مصر.. الأمر ببساطة يكمن فى جملة واحدة لكى نستعيد الشارع المصرى ومصر كلها من جديد.. فرض سيطرة الدولة وهيبتها بقوة القانون.
 

 

د / على الشامى
al[email protected]

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الأنبا يؤانس: نعيش أزهى عصورنا منذ 4 سنوات
المصريون يستقبلون السيسى بهتافات «بنحبك يا ريس»
شكرى : قمة «مصرية - أمريكية» بين السيسى وترامب وطلبات قادة العالم لقاء السيسى تزحم جدول الرئيس
الاقتصاد السرى.. «مغارة على بابا»
شمس مصر تشرق فى نيويورك
القوى السياسية تحتشد خلف الرئيس
تكريم «روزاليوسف» فى احتفالية «3 سنوات هجرة»

Facebook twitter rss