صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

23 اكتوبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

بعد إقرار الدستور سكان العشوائيات يصرخون.. رعاياك يا ببلاوى

30 يناير 2014

تحقيق : صلاح أحمد نويره




تتعاقب الحكومات.. واللامبالاة واحدة!
 

العشوائيات من المشاكل المعقدة التى واجهت كل حكوماتنا المتعاقبة طوال السنوات الماضية وعجزت خطط التطوير التى وضعتها الجهات المعنية عن حل مشاكلها وأزماتها المتفاقمة، بعد أن تفشت هذه العشوائيات وباتت كالخلايا السرطانية التى تنتشر فى كل مكان.


وقد وصل عدد المناطق العشوائية فى مصر الى 1221 منطقة يقطنها اكثر من 20 مليون مصرى وأصبحت بمثابة قنابل موقوتة تشكل خطورة على أمن واستقرار المجتمع، نظرا لما تحتويه من بؤر اجرامية تساعد على زيادة معدلات الجريمة فى ظل الغياب الأمنى.


ولا تزال ماكينة الإهمال واللامبالاة تعصف بالعشوائيات، التى ورثناها من عهد مبارك، تواصل تسميم حياة المصريين بنفس الكفاءة وعلى قدم وساق.


 ولا يزال ملايين المصريين من سكان هذه المناطق يعيشون حياة غير آدمية.. «روزاليوسف» قامت بجولة فى بعض المناطق العشوائية فى القاهرة، ورصدت بالصور صرخات أهالى هذه المناطق، وتضعها أمام المwسئولين لعلها تجد من يسمعها، قبل أن تتحول هذه الصرخات إلى فوضى لا يعلم أحد مداها، ولا يشعر أحد بخطورتها.

. تعيش بعض المناطق العشوائية حياة متدنية تفتقر لمقومات المعيشة الآدمية الكريمة كالماء والكهرباء والصرف الصحي. حيث يعيش سكان عزبتى المهاجرين والعصارة بالمرج وبطن البقرة واسطبل عنتر بمصر القديمة داخل عشش من الخشب و الصفيح هى أقرب لقبور يقطنها أحياء فى حياة غير آدمية مثلا دورات المياه تشبه المراحيض العامة والصرف بها عشوائى والمياه مقطوعة وحين يأتى الليل تتعرض الفتيات القاطنات بهذه المناطق لتحرشات البلطجية.


فلا يزال البسطاء يعيشون على هامش الحياة، بعد أن تحملوا الظلم والتجاهل طوال السنوات الماضية دون الاهتمام بهذه المناطق المحرومة، حتى تفاقمت المأساة على مدى أكثر من نصف قرن يواجهون الفقر والموت فى عشش تفتقد إلى أبسط مقومات الحياة، لهذا كان يجب نقل الواقع ووضعه أمام المسئولين ليكونوا على علم به ولكى تسعى الاجهزة التنفيذية جاهدة إلى انقاذ سكان هذه المناطق.


يعيش أهالى منطقتى بطن البقرة وعزبة أبوقرن بحى مصر القديمة مأساة حقيقية؛ فلا حياة كريمة.. ولا مياه.. ولا صرف صحي؛ ويعيشون جميعاً فى أماكن لا تصلح لحياة بشر، فهى مناطق عتيقة عمرها سنوات طويلة وربما لا تعرف الحكومة عنها ولا عن سكانها شيئاً.. فهم خليط من البشر يعانون كل أشكال المعاناة التى تعجز الكلمات عن وصفها.. عجائز لم ترحمهم قسوة الأيام.. والمتنفس الوحيد للاطفال هناك اللهو وسط القمامة.. يتعايشون مع واقعهم رغم عدم رضائهم عنه، فالنساء والرجال يكدحون من أجل لقمة العيش ولا يستطيعون توفيرها إلا بشق الانفس ويقطنون عشش جدرانها مبنية من الطوب وسقفها من الخوص والخشب والصفيح ولا تتجاوز مساحة العشة 3 أمتار طولاً ومترين عرضاً وسط برك المجارى والقمامة التى تفوح منها الروائح الكريهة التى تزكم الأنوف وتكمن بداخلها العديد من الأمراض الوبائية، بخلاف الحشرات والقوارض وغيرها وينعكس آثارها على الحالة الصحية السيئة لسكان هذه المناطق، كما أن شوارعهم ضيقة للغاية لا تسمح بدخول سيارة اسعاف أو شرطة؛ وأطفالهم يحرمون تماماً من الحصول على حقوقهم التعليمية والصحية دون الشعور بالفرحة ولا يجدون حماية إنسانية.


حياة غير آدمية


على محمد السيد – 63 عاماً – ولديه «5 أبناء» - أحد أهالى منطقة بطن البقرة، يقول: لقمة عيشنا من القمامة فهى مصدر دخلنا الوحيد الذى نعيش منه، ولكننا شاربين المرار بسبب عدم توفر المرافق الخدمية من صرف صحى ومياه شرب نظيفة؛ ولا أحد يسأل فينا؛ فكنا نضطر أحيانا لدفع إتاوة لتوصيل المياه للمنطقة مقابل 20 جنيهاً شهريا، ولكن لا نقدر على دفعها دائما، لاننا مضطرون لدفع التكلفة بخلاف طرنشات الكسح التى تبلغ 40 جنيهاً لكل عشة مقابل نزح المجارى طوال 15 يوماً، ولم يعد ذلك سهلاً بسبب غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار الذى اجتاح كل السلع الغذائية، لذا نطالب الحكومة بإمدادنا بالمرافق الخدمية اللازمة حتى لا نكون مطمعاً لمن يريد استغلال حاجتنا.


«ام عبد الله» - هذه السيدة المسنة التى تبلغ من العمر 60 عاماً؛ وجدناها تمد يدها للسماء تدعو ربها أن يرزقها من حيث لا تحتسب فهى عاجزة عن الحركة وطريحة الفراش وملامح الإعياء والتعب تظهر بوضوح على وجهها العليل - تقول: أنا مريضة بالسكر والقلب وبسبب عدم توفر المال اللازم لشراء العلاج أصيبت رجلى اليمنى بجلطة وأثرت على حركتى ولا يوجد لى معاش أو مصدر دخل يمكن أن يساعدنى فى شراء الدواء وزوجى أيضاً لا يقدر على العمل الشاق، وأحلم بشقة حتى لو غرفة واحدة وحمام فهى تكفينى وزوجى بدلاً من السكن فى عشة جدرانها محطمة وسقفها آيل للسقوط، حتى نشعر بأن الحكومة تقدم للفقراء الرعاية الكافية التى تضمن لهم حياة كريمة خاصة أننا فى أرذل العمر.


وقال سمير عبدالحميد حسن – 58 عاماً – ولديه طفلان: أعيش وأسرتى فى الشارع مستنداً على عفش بيتى بعد أن طردنى صاحب العقار بعد عجزى عن سداد إيجار الشقة 350 جنيهاً، ولا أشعر بقيمة للحياة وما أحتاجه هو شقة غرفة وحمام رحمة بى وبأسرتى.


وأضاف ماهر بيومى إبراهيم، أب لأربعة أولاد: حاولت فتح فرن بالمنطقة ولكن بعد مشقة طويلة حصلت على رخصة فرن بلدى مدعم بسعر 5 قروش ولكن جاءت وزارة الكهرباء لتعترض بلا أسباب منطقية وضاع تعبى على الفاضي.


القمامة.. لقمة عيشنا


ويضيف حسن رمضان – يبلغ من العمر 32 عاماً – ولديه «4 أبناء» - «أرزقى»، شركة المعادى للبناء والتعمير تحاول مساومتنا لترك أرض أجدادنا، والذهاب إلى وحدات سكنية بديلة فى منطقة 6 أكتوبر، وهذا غير منطقى على الإطلاق فنحن نعيش من رزق بقايا القمامة وهى الكرتون والصفيح والبلاستيكيات والزجاج المكسور؛ ولا يمكننا ترك أماكننا مقابل 2000 جنيه للمتر الواحد ولا بأكثر من ذلك؛ أما عن الحيوانات الضالة الموجودة بالمنطقة فهى تقوم بحمايتنا لهذا نربيها مع الماعز والأحصنة وما نريده هو تملك شقة بنفس المنطقة وعلى نفس الأرض والحكومة هى المسئولة عن ذلك مثل بقية الـ «بنى آدمين» لنشعر بقيمة الحياة الكريمة.


والتقت أطراف الحديث محمود عبدالسلام – لديه «5 أبناء» - قائلاً: أنا أعمل فى صناعة الأوانى الفخارية مثل معظم أهالى منطقتى ولكن على وشك ترك المهنة بسبب مشكلة عدم وجود مياه، لأن صناعتها تحتاج إلى المياه بشكل مستمر، ومع الأسف المياه دائماً ما تكون غير متوافرة؛ لأن كل اعتمادنا على وصلة مياه فرعية وهى لا تعمل حالياً بسبب جشع من يقوم بتوفيرها للمواطنين حيث أصبح يتحكم فينا حتى أنه ألغى التعامل معنا لكى نقبل بزيادة إيجار الوصلة وأصبحنا نعيش جفافاً منذ ما يزيد على شهرين، بالإضافة إلى عدم وجود صرف صحي، كما أنه لا يوجد فرن بلدى مدعم بالمنطقة ولا حتى مستشفى أو صيدلية أو مدرسة والحل الوحيد لنا هو نقلنا لأقرب منطقة بها حياة آدمية، لهذا كرهنا عيشتنا التى لا نستطيع تغييرها ولا أحد يساعدنا لنعيش حياة كريمة.


كبدة الموت وعشش الصفيح


وهناك مشهد غريب قابلناه من بائع الكبدة بالمنطقة ويدعى محمد فرج – ولديه «7 أبناء»؛ فيقول: أنا غير مسئول عن أى شخص يأكل من عندى ثم يموت فأنا أطبخ بالعافية ولا تتوافر عندى مياه للشرب، تمكننى من القيام بعملى كما ينبغى حتى أحافظ على نظافة الكبدة التى أبيعها للناس الغلابة، لأننى مضطر لذلك حتى أعيش أنا وأولادى.


اما محمود عبد الباقى ، أحد أهالى منطقة عزبة أبوقرن قال نعيش منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً فى عشش مصنوعة من الصفيح وعندما حاولنا بناء منازل آدمية للعيش فيها بكرامة ؛ قام الحى بهدمها بل حرر لنا محاضر مخالفات بناء، فقلنا ما باليد حيلة ورضينا بنصيبنا وسكتنا ولكننا لم نقبل أبداً بما يقولوه المسئولون عن هدم أرض أجدادنا، خاصة أن لقمة عيشنا ترتبط بهذه الأرض ولن نخرج منها إلا أمواتا.


مليارات تضيع فى الهواء


وبسؤال الخبراء فى مجال البناء والتشييد؛ أكدت الدكتورة المهندسة منار حسنى عبدالصبور مدير عام المكتب الفنى بمديرية الإسكان محافظة القاهرة أن أسباب العشوائيات وطرق القضاء عليها بمصر ترجع لمخالفات المبانى التى كشفت 90% من مبانى مصر مخالفة بناء على دراسة علمية بكلية الهندسة جامعة القاهرة بعنوان» التشريعات المنظمة للبناء فى مصر بين النظرية والتطبيق».


وهذه المخالفات تشعبت وتغلغلت لتصبح سرطانا ينخر فى حضارة وسمعة مصر البنائية والتشييدية وأصبح لها مسمى آخر نتيجة تراكمها (العشوائيات) التى تكلف الدولة بعد ذلك مليارات من أجل التطوير ولجان وهيئات دون النظر لسبب المشكلة من أساسها وهى تراكم مخالفات البناء حتى استفحلت ولهذا ترى ضرورة عمل منظومة إدارية متكاملة للقضاء على المخالفات أى استدامة محاربة مخالفات المبانى أولا لبداية سليمة فى القضاء على سرطان البناء العشوائى ولمنع إهدار ثروات البلاد.


ومن مصر القديمة الى منطقة إمبابة التابعة لمحافظة الجيزة «جمهورية عشوائية» بمعنى الكلمة بعد ان كانت عاصمة للإرهاب، وصارت العشوائية شعار كل شيء من البشر إلى المساكن والطرق والمواصلات وسائر الخدمات!! كل شىء يسير فى بطء شديد، فى حين تستمر مظاهر القبح فى الانتشار بين شوارع وميادين هذا الحى العريق.


وربما نستطيع هنا – فقط - القيام بإطلالة على أوجه الحياة العشوائية فى إمبابة التى تختلف الحرف والمهن والمستويات المعيشية لسكانها، وأغلبهم نازحون من محافظات أخرى، يختلفون فى المنشأ والأصل بينما يتفقون جميعا فى شيء واحد هو انهم رعايا جمهورية إمبابة العشوائية.


البداية كانت من منطقة وراق العرب وشارع ترعة السواحل الذى يفصل وراق العرب عن وراق الحضر والمنطقتان اللتان يصعب تحديد هويتهما وما إذا كانتا مدن أو قرى أم مدن قروية أو قرى مدنية، المهم انهما كيان عشوائى له «ظاهر» براق شديد النعومة يتمثل فى مجموعة ابراج على كورنيش النيل مابين وزارة الرى الى قسم شرطة الوراق - يزيد ثمن الشقة فيه على المليون جنيه - وله «باطن» عشوائى هو العذاب بعينه!!


تلال القمامة


عن ذلك العذاب وتلك المعاناة يقول شوقى أبواليزيد أحد سكان شارع ترعة السواحل: «أكبر مظاهر العشوائية التى نعانى منها هى انتشار القمامة وتفاقم مشكلات الصرف الصحى وهى مشكلات مزمنة، والأخيرة سببها فساد ضمائر المقاولين والمهندسين واعضاء المجالس المحلية الذين نفذوا واستلموا أعمال شبكة المجارى التى تتعرض لطفح مستمر خاصة بشارع المدارس الذى يضم عدة مدارس ما يعرض صحة الأطفال للخطر.


ويشاركه الرأى جاره مجدى وليم فيقول: المجارى والزبالة تقض مضجعنا وتنشر روائح كريهة وحشرات وأمراض وأوبئة تهددنا بالخطر فى ظل غياب الرعاية الصحية بالمنطقة، ويضيف: نحتاج إلى عودة «نوبتجى» الزبالة وهم عمال كانوا يتناوبون العمل يحمل كل واحد منهم ثلاث أو أربع بولات من القماش يجمع فيها القمامة حيث يتسلمها من المواطن أو عامل جمع القمامة من المنازل، ثم تنقل بالسيارات وبعد أن اختفى هذا العامل وأصبحت القمامة اكواما منثورة على الرصيف وأرض الشارع يعبث بها من مهنتهم جمع بقايا الطعام والقطع المعدنية.. ويقول محمد يوسف: إن جمع الزبالة بالطريقة الحالية باللودر يحطم الأرصفة ومواسير المياه والصرف الصحى، مطالبا بعودة النظام القديم فى جمع القمامة.


بؤر المجرمين


تمثل الكثافات العشوائية حول الجزء المار بإمبابة من الطريق الدائرى بؤرا عشوائية يرتع فيها المجرمون، وبعضها عبارة عن مخازن وورش وأغلبها منازل عشوائية تفتقر إلى الكثير من المرافق وتعانى طفح المياه والمجارى.. ويقول على حنفى مالك أحد العقارات بالمنطقة: لدينا خط مجار مستمر فى الطفح منذ عشر سنوات والآن أغرق اربعة شوارع.


تعد منطقة البصراوى والمنيرة الأكثر عشوائية فى جمهورية إمبابة، ويقول إبراهيم مدبولى، من سكان المنطقة: إن العشوائية تضرب كل مكان، ففى شارع الأقصر على سبيل المثال فرن بلدى لا يكتفى ببيع الدقيق فى السوق السوداء بل تنبعث منه أدخنة قاتلة، وشكونا للتموين والبيئة دون مجيب. كما أن الناس تتقاتل فى طوابير على كشك العيش. كذلك نعانى الفوضى المرورية، حيث إن لدينا ثلاثة مواقف للميكروباص من وإلى السوق والمظلات ورمسيس، وتعانى كلها من غياب الأمن وانتشار الفوضى والبلطجة والسلوكيات الإجرامية والألفاظ البذيئة دون رادع.


أما عبدالباسط بدر صاحب مقهى بالبصراوى فيؤكد ان القمامة تلقى فى الشوارع وتتكدس بها حيث لا توجد صناديق،كما ان الشوارع غير مرصوفة وتكسرت نتيجة الحفر المستمر بالإضافة إلى أن الفوضى الأمنية هنا لا مثيل لها والبنادق الآلية هى لغة المشاجرات. ويضيف بدر: إن البصراوى لا يتذكره المسئولون إلا بعد حدوث كارثة مثل ما حدث عند انهيار المنازل فى شارع الإمام الغزالي.


المسئولون لايلتفتون للدراسات


اكدت دراسة حديثة صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء أن هناك 1221 منطقة عشوائية منها 1130 منطقة قابلة للتطوير. وتتركز فى القاهرة الكبرى نحو 76 منطقة عشوائية، كما ان هناك 14 مليون مصرى يعيشون فى المقابر والعشش أشهرها مقابر البساتين والإمام الشافعى والامام الليثى وباب الوزير وعين شمس ومدينة نصر.


وتشير التقارير إلى أن هناك ما يقرب من 35 منطقة مهددة بالانهيار وبها 13 ألفاً و431 وحدة سكنية يقع بعضها فى الجبال ومخرات السيول حتى أصبح هناك ما يزيد على 80 منطقة عشوائية تحيط بالقاهرة الكبرى التى استحوذت على نحو 53.2% من سكان العشوائيات فى مصر.


وعلى مدار السنوات الماضية قامت الدولة بوضع خطط عديدة للتطوير إلا ان تلك الخطط لم تدخل حيز التنفيذ، نظرا لوجود بعض المعوقات التى تقف حائلاً أمامها. فقد سبق وقامت الهيئة العامة للتخطيط العمرانى بوضع برنامج قومى للقضاء على العشوائيات بحلول عام 2025 بتكلفة مالية قدرها 5 مليارات دولار، فى حين خصص مجلس الوزراء فى نهاية العام الماضى نحو 191 مليون جنيه لتطوير عشوائيات محافظة القاهرة وتخصيص 22.5 مليون جنيه لتطوير عشوائيات محافظة الاسكندرية.


أورام سرطانية


المهندس حسن شعبان، وزير التنمية العمرانية وتطوير العشوائيات السابق فى حكومة الظل الوفدية ومساعد رئيس حزب الوفد، يقول: هناك صندوق لمقاومة العشوائيات تابع لوزارة الاسكان، إلا انه لوحده لا يكفى لحل المشكلة التى تحتاج إلى إمكانات دولة، ودراسة دقيقة قائمة على معلومات محددة يتم الحصول عليها من الطبيعة وعمل مسح سكانى، فسكان العشوائيات وصل عددهم الآن لنحو 8 ملايين مواطن.


والعشوائيات عبارة عن أورام سرطانية على حواف الحضر والمدن ويحتاج تطويرها لميزانية لا تقل عن 20 مليار جنيه. ويعد غياب السلطة هو المسئول الأول عن تفاقمها والمتمثلة فى إدارات الأحياء ووزارات الإسكان التى تجاهلت الأزمة لسنوات طويلة واعتبرتها خارج نطاق اهتمامها، فى حين أن بها منشآت تقدر بمليارات الجنيهات ولم تخضع لأى إجراءات رسمية أو رخص أو رسومات معتمدة، ولم تقم الدولة بتوفير البنية التحتية لها، فلجأ بعض الأهالى لحفر آبار قريبة من البنايات للصرف الصحى، ومع تسرب هذه المياه للعقارات سيترتب عليه انهيارها فى المستقبل. وإذا نظرنا إلى خطط التطوير نجد ان هناك تباطؤاً فى تنفيذها، فالزيادة المستمرة فى أعداد السكان يعوق تطوير هذه المناطق وتصبح البرامج قديمة والحل هو ضرورة تجميد أوضاع هذه العشوائيات وتقوم الدولة بتخطيط اماكن لمحدودى الدخل وتشرف عليها لأن عدم وجود ضرائب عقارية واضحة على الإيرادات فى هذه العشوائيات يشجع المواطنين على البناء فيها، لذا يجب ان تضعها الدولة فى مخططاتها ويجب أيضاً أن خفض الإيجارات وتوفير المساكن بإيجارات ملائمة.


دراسات أمنية


المهندس محمد الحلو - خبير إسكان - يقول: لقد تم وضع العديد من الخطط للقضاء على العشوائيات لكن مع الأسف كان التخطيط عشوائيا، فهناك قرار لتطوير منطقة الدويقة منذ عدة سنوات لكنه لم ينفذ، وقد اعترف النظام السابق بالعشوائيات وحاول تقنين وضعها، وأكد ذلك فى القانون رقم 148 لسنة 2006 وهو القانون الخاص بتقنين أراضى واضعى اليد وأيضا قانون رقم 138 لسنة 2006 وهو خاص بإدخال المرافق، ولكن المشكلة بقيت على حالها.


أما الآن وبعد ثورتى 25 ينايرو 30 يونيو فلا توجد مشاريع تطوير جديدة للعشوائيات»، لذا لابد من عمل دراسة أمنية لحل الأزمة حتى لا يتكرر ما كان يحدث فى النظام السابق من معاملة قاسية لسكان العشوائيات ولابد من توفير وحدات سكنية لهم وخفض أسعار الإيجارات حتى لا يتوسعوا فى بناء المزيد من المبانى العشوائية.    


نقطة سوداء


الدكتور أحمد يحيى أستاذ علم الاجتماع السياسى، يقول: تمثل العشوائيات نقطة سوداء فى المجتمعات الحضارية حيث إنها دائما تنشأ بدون تخطيط أو خدمات وتضم داخلها أدنى مستويات من الأسر الفقيرة وتنتشر بها أعمال البلطجة والمخدرات والدعارة والتسول فهى بؤر صديدية داخل الجسم الحضرى تنتج كل اشكال الأمراض الاجتماعية والتى تؤثر سلبا على استقرار وتنمية أى بلد. وللاسف مصر بها ما يقرب من 1221 منطقة عشوائية منذ سنوات طويلة ولم يعالج منها الا القليل  وتكمن خطورتها فى انتشار سكانها – وهم بالفعل ضحايا للنظام الاجتماعى فيضطرون لتوزيع المخدرات خاصة انهم يعانون من البطالة ويعملون بمهن هامشية ويشكلون بؤرا للإجرام. ومن هنا لابد من توفير الارادة السياسية لعلاج المشكلة من خلال تخصيص مدن جديدة لهم فى الصحراء ومساكن تتسم بالآدمية والتخطيط السليم مع تعويضهم بطرق ملائمة عن أراضيهم.


مشكلة أزلية


عشش وبيوت متهالكة.. حوار ضيقة.. مياه الصرف الصحى تغرق الطرقات.. أكوام الزبالة تملأ جنبات المكان.. مشاجرات وخناقات دائمة أمام افران العيش.. ظلام دامس لفترات طويلة... مياه مقطوعة..كلها ملامح للصورة السوداء المرسومة هناك بعزبة خير الله.


«العيشة مرة لكن احسن من ما فيش علب الصفيح مساكن وفى قلب الموت بعيش».. كلمات مختصرة تصف حال العزبة الأسوأ حالا فى مصر، فبحسب الحصر الذى أجراه صندوق تطوير المناطق العشوائية التابع لرئاسة مجلس الوزراء نهاية العام الماضى فإن العزبة الواقعة أعلى هضبة الزهراء الجبلية الجيرية أصبحت أخطر المناطق العشوائية فى مصر وتحولت من أرض فضاء خالية من السكان قبل 40 عاما إلى أحد أكثر المناطق العشوائية تكدساً بالكثافة السكانية على مستوى جنوب القاهرة، فتجاوز تعداد سكانها 650 ألف نسمة على مساحة 480 فداناً، بمعدل 3 أمتار لا غير لكل مواطن.


تحظى العزبة بإشكالية أزلية فهى محل نزاع بين الشركة العامة لاستصلاح الأراضى للتنمية والهيئة العامة للآثار، كما أن دمها تفرق بين الأحياء، ففى حين أن العزبة تتبع إدارياً حى مصر القديمة فإن قسم الشرطة التابعة له العزبة هو قسم دار السلام كما انها تتبع كهرباء حى البساتين ومياه عين الصيرة وتعالج مرضاها فى مستشفى دار السلام، مما جعل كل حى يتهرب من مسئوليته عن هذه المنطقة.


وعلى الرغم من أن العزبة تقع داخل حدود القاهرة فإن البنية التحتية لها غير متوافرة ومعظم الخدمات الأساسية مفقودة فلا يوجد بها أى نقطة شرطة أو مطافئ، ولا مستشفى يعالج ولا سيارة إسعاف تخترق حدودها، ولا طرق ممهدة، ولا صرف صحى مكتمل، ولا مدارس تعلم وتربي، والمفارقة أن العزبة كلها يوجد بها مدرسة واحدة ابتدائية تعمل على فترتين وتحمل اسمين مختلفين أحدهما المستقبل صباحاً وهدى شعرواى فى الفترة المسائية، كما أن العزبة تكتظ بورش الحدادة والنجارة والأشغال المعدنية والتنجيد إلى جانب الأعمال الحرفية ويعمل البعض الآخر فى مجال المعمار والمباني.


السلاح.. وشبح الموت

 


الموت شبح يهدد العشرات من بيوت العزبة الواقعة على حافة هضبة الزهراء بالمقطم والمهددة بالانزلاق فى أى لحظة فوق رءوس الأهالى منذرة بكارثة خطيرة مثل كارثة الدويقة، أغلب الأسر تأويها حجرة واحدة، وإن كانوا متيسرى الحال فإن حجم المنزل المكون من حجرة وصالة يصل الى 40 مترا، هو ما قاله عبد المجيد الموظف السابق بالشركة العامة لاستصلاح الأراضى، وأضاف:» أعيش فى العزبة منذ أكثر من ثلاثين عاماً ومع ذلك لم يتغير الحال كثيراً فالأهالى هنا تعيش حياة لا ترتقى للآدمية».


الموظف الذى قضى اكثر من نصف عمره بالعزبة قال: نواجه مشكلات يومية اعتدنا عليها واستسلمنا لها، فالعشوائيات تحاصرنا من كل مكان والقمامة منتشرة فى الشوارع المتعرجة غير الممهدة والمياه والكهرباء تنقطع بشكل دائم ولا نعرف لمن نشتكى لاننا نتبع اربع جهات إدارية «السلاح الآلى  والخرطوش  والطبنجات والاسلحة البيضاء والسيوف والسنج والمطاوى والخناجر» هى أنواع السلاح الموجودة بالعزبة، كما يقول فتحى أحد السكان، ويضيف: لم يعد غريباً علينا ان نرى شاباً يحمل سلاحاً فهو متواجد مع اغلب العائلات والشباب كوسيلة للدفاع والحماية فى ظل الغياب الأمنى عن العزبة، قائلاً: «لم ألحظ على مدار ما يقرب من سنتين رجل آمن واحد داخل العزبة إلا من يومين فقط بعد اختطاف أحد أطفال العزبة» فتحى وصف العزبة بوصف مقتضب اجمله فى كلمتين «دى عزبة منسية» مضيفاً أعيش بالعزبة منذ 30 عاماً ولم أر أى اهتمام من المسئولين وكأننا لسنا بشرًا.


رحلة عذاب لشراء الخبز    


كسائر محافظات مصر التى تعانى من ازمة رغيف العيش فإن الأزمة فى العزبة لها خصوصية فرغيف العيش الذى يباع بـ 25 قرشا أصغر من رغيف الـ 5 قروش الردىء كما ان دقيق الأفران المدعم يباع لصالح ورش النجارة المنتشرة فى المنطقة ليستخدم فى الغراء.


وحكى شعبان قصته مع رغيف العيش 5 قروش فقال: الرغيف رحلة عذاب يومية للأسرة فأكثر من 3 ساعات أمام الأكشاك نجيب العيش المدعم وفى نهاية المطاف لو اشتريت بـ«جنيه عيش» تقول الحمد لله ويا ريته ينفع يتاكل.


«شعبان» الذى يعول اسرة مكونة من 5 أفراد يقسم أنه يشترى بخسمة جنيهات عيش يومياً لإطعام أسرته، ويضيف الخبز هو حلقة من سلسلة المشاكل التى نواجهها فالكهرباء والمياه تنقطع عن العزبة بشكل دوري.


وكشف «محروس» السائق بهيئة النقل العام وأحد سكان العزبة عن سبب انقطاع الكهرباء عن المنطقة الذى يستمر لأكثر من 5 ساعات يومياً قائلا»الحكومة جهزت محولاً منذ 3 سنوات ليمد المنطقة بالكهرباء فى حال تخفيف الأحمال الإ أن رغبة أحد تجار الخردة فى الاستيلاء على أرض المحول البالغ مساحتها حوالى 1000 متر كانت وراء إيقاف العمل فى المحول الذى كان من المفترض أن يعمل منذ سبعة شهور.


المياه فى عزبة خير الله لم تكن افضل من الكهرباء فهى الاخرى دائمة الانقطاع ولا تصل لكل مناطق العزبة فلجأ عدد من الأهالى إلى توصيل خطوط مياه على نفقتهم الخاصة بعدما يئسوا من وعود المسئولين، فمن منطقة زين العابدين إلى «الجبخانة» وصلات مياه يتجاوز طولها 700 متر بالاضافة إلى مواتير رفع مياه إلى نقطة انتهاء الوصلة تقف السيدات بالطابور ليملأوا جراكنهم بالخراطيم. إلا أن هذا أيضا لم يمنع تكرار انقطاع المياه.


أمراض متوطنة


سالم صاحب محل بجوار الجبخانة يقول: الامراض المعوية والالتهاب الكبدى الوبائى منتشرة بين سكان العزبة لأن مواسير المياه تسير وسط خزانات الصرف الصحى فتختلط المياه مع الصرف الصحى، ويضيف زار مسئولون من الحى العزبة منذ أكثر من 3 أشهر لتحليل المياه ومع ذلك تحفظوا على اعلان نتائج تحليلها، ويضيف: انفجار مواسير المياه بصورة يومية تجعل من الصعب الانتقال من أو إلى داخل العزبة، فضلا عما تسببه من تلف وانهيار الطرق غير الممهدة.


سالم قال: إنه لا يوجد مستشفى واحد داخل العزبة وسيارة الإسعاف ترفض دخولها، وإذا حدث لأى فرد مكروه لا يجد من يسعفه،لكنه يرى ان المخدرات والبرشام والسلاح متوافرة بكثرة.


حرائق وبلطجية


أما النشاط الاقتصادى للمنطقة فيهددهم بالخطر لأنه قائم بشكل أساسى على مصانع خشب «الكونتر» وورش النجارة وهو ما يهدد باشتعال الحرائق فى اى وقت، خاصة أن العزبة تفتقد لأبسط وسائل الحماية المدنية حيث تقع هذه الورش داخل الكردون السكانى، ومع الغياب الأمنى أصبحت الورش بؤراً وأوكاراً للبلطجية الذين يقومون بترويع السكان ويقومون بغلق شوارع المنطقة بالخشب القديم.


المفأجاة التى فجرها أحد المواطنين أن الورش هى السبب فى أزمة رغيف العيش لأنها تشترى الدقيق المدعم من الأفران كى تستخدمه فى تزويد الغراء بالدقيق.


وعلى الرغم من أن عزبة خيرالله تتمتع بعدد من الآثار الإسلامية والقبطية إلا أن أكوام الزبالة هى المعلم الأثرى الوحيد هناك.


القمامة هى الشيء الوحيد المتكرر فى كل العزبة فمن مدخل العزبة من الخيالة الى الأعلى عند «الجبخانة» مروراً بالأنفاق أسفل الطريق الدائرى إلى مخرج العزبة «بهجة الإسلام» فإن الملمح الوحيد لها هى الأكوام وسحابات الدخان الناتجة عن حرقها.


الحياة وسط تلال القمامة


«كل محل يدفع 15 جنيهاً على إيصال النور لإزالة القمامة وخمس جنيهات من المنازل مع أنه لا يوجد أحد يجمعها».. هكذا قال محمد حمدى ميكانيكى سيارات.. وأضاف: القمامة فى كل مكان ولا يوجد من يهتم بنا والبيوت والأسواق تلقى بمخلفاتها فى الشارع ويقوم الأهالى بحرقها وتتصاعد منها الأدخنة والروائح الكريهة وتجذب الحيوانات الضالة والحشرات عندما تتجمع، تخرج منها الحشرات وقال بلهجة ساخرة: إن الأطفال اعتادوا على هذه الحشرات حتى إنهم أصبحوا يلعبون بها ومع ذلك لا يأتى أى من عمال شركات النظافة إلى هنا، ويضيف أصبحت الحياة وسط تلال القمامة امرا مألوفاً.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

اعتماد 21 سفيرًا جديدًا بالقاهرة.. الرئيس يتسلم دعوة للمشاركة فى «القمة العربية الاقتصادية» بلبنان
وزيرتا السياحة والتعاون الدولى تشاركان فى مؤتمر «دافوس الصحراء» بالرياض
«صنع فى مصر» شعار يعود من جديد
7ملايين جنيه للمشروعات الخدمية بـ«شمال سيناء»
الجبلاية تصرف 10 آلاف جنيه لحكم انقلب به ميكروباص
وداعاً لحياة الإجرام
أخطر 5 فراعنة

Facebook twitter rss