صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

25 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

فن

حصاد المسرح فى 2013

22 ديسمبر 2013

إشراف: هند سلامة




لم يكن عام 2013 عاما تقليديا بل كان من أشد الأعوام التى عانى فيها الشعب المصرى مشاعر يأس وإحباط عنيفة، وبالتالى عانت الحياة الثقافية والفنية ومؤسسات الدولة وتأثر المسرحيون بشكل واضح من هذه الحالة العامة التى كانت سائدة وقتها، حيث تعرض المسرح لحالة من الهبوط والإنحسار الفنى الشديد على مدار هذا العام سواء أثناء حكم الإخوان المسلمون أو بعد زوالهم من الحكم.. اكتفت المسارح مع بداية العام بإنتاج عروض بسيطة، وكانت أغلبها عروض مسرحية هزيلة باستثناء عرضين «المحروسة والمحروس» إخراج شادى سرور و«سلقط فى ملقط» إخراج إيميل شوقى، ثم بدأت المشاكل والصراعات بالمسرح مع بدء فعاليات الدورة السادسة للمهرجان القومى الذى عقد دورته فى مارس الماضي، حيث شهد المهرجان أزمة شديدة وذلك بعد استبعاد عروض مسرحية متميزة وتفضيل عروض أخرى ضعيفة، واتهمت لجنة اختيار العروض وقتها بمحابتها لأعمال معينة كما واجه المهرجان اعتصامات ومشاكل حتى أن وزير الثقافة صابر عرب شكل لجنة للتحقيق فى الشكاوى والوقائع التى تقدم بها المخرجون أصحاب العروض المستبعدة من المشاركة ضمن فعالياته.
لم تتوقف أزمة المسرح ومشاكله عند المهرجان القومى فقط بل وجه اتهام قوى لماهر سليم رئيس البيت الفنى للمسرح فى ذلك الوقت بأنه يعمل لصالح حكومة الإخوان المسلمين لذلك كان يتعمد استبعاد وغلق العروض المسرحية الجيدة خاصة العروض التى كانت تتناول الإخوان بالانتقاد وكان السبب فى هذا الاتهام القرار الذى اتخذه سليم بإغلاق العروض بعد 15 يوماً فقط من افتتاحها بسبب الأزمة المالية التى كانت تمر بها الوزارة، وبالفعل طبق هذا القرار على عدد من العروض مما دفع أصحاب هذه الأعمال، وغيرهم لاتهامه بتنفيذ مخطط إخوانى لمحاربة الأعمال الجيدة والقضاء عليها، لكن على الجانب الآخر كان يرى البعض أن الإخوان لم يتمكنوا بعد من السيطرة على وزارة الثقافة والحركة الفنية وما حدث بالبيت الفنى للمسرح وقتها كان مجرد مصادفة وسوء تنظيم من قيادته ليس أكثر ولا أقل، ويبدو أن هذا الرأى كان الأميل للصواب لأن ما شهدته مصر أو وزراة الثقافة على وجه التحديد مع بداية شهر مايو وحتى إندلاع ثورة 30 يونيو وهى الفترة التى تولى فيها علاء عبد العزيز وزراة الثقافة، أكدت أن الإخوان بالفعل كانوا قد بدأوا فى تنفيذ مخططهم الحقيقى للقضاء على الحياة الفنية والثقافية فى مصر.
تولى علاء عبد العزيز منصب وزير الثقافة فى مايو الماضى وتوالت معه الأحداث الساخنة بمصر ووزارة الثقافة، وكان أول رد فعل غاضب من المثقفين والفنانين ضد توليه قيادة الوزارة وتعالت الأصوات المطالبة بإقالته، لأن تعيين مثله يعد إهانة للثقافة والمثقفين، لم يكتف عبد العزيز بوجوده كوزير للثقافة ورفضه المطالبات العديدة بالاستقالة بل بدأ فى إثبات وجوده،  فاتخذ قرارات باستبعاد قيادات وانهاء انتدابات آخرين بالوزارة كان على رأسهم الدكتور أحمد مجاهد بدار الكتب والوثائق القومية ثم قرار استبعاد رئيسة الأوبرا الدكتورة إيناس عبد الدايم من منصبها واتهامها بالفساد وكان هذا القرار هو السبب الرئيسى وراء غضبة المثقفين الحقيقية وبدء اعتصامهم شهرا كاملا بمقر مكتب الوزير وكان أول وزير ثقافة يمنع من ممارسة عمله بمكتبه شهرا كاملا وأول وزير ثقافة مارس مهام منصبه من مسجد «رابعة العدوية»!! 
اجتمع المثقفون فى غضبتهم ضد عبد العزيز على قلب رجل واحد وعلا صوت اعتصامهم بمقر وزارة الثقافة بالزمالك حتى إنهم نظموا فعاليات ثقافية وفنية فى مسرح مفتوح بالشارع أمام الوزارة، وتنوعت الفرق الفنية المشاركة بهذا الاعتصام وكان على رأسهم بالطبع فرق دار الأوبرا التى أعلنت اعتصاما مفتوحا وإضرابا عن العمل بالأوبرا لحين عودة عبد الدايم إلى منصبها، وكان من أشهر أحداث هذا الاعتصام باليه «زوربا» الذى قدمه هانى حسن الراقص الأول بفرقة باليه أوبرا القاهرة مع مجموعة من راقصى الفريق بالشارع وبالتالى أصبح زوربا من أيقونات ثورة 30 يونيو واعتصام المثقفين، فلم تكن فقط أزمة استبعاد الدكتورة إيناس عبد الدايم هى المحرك الرئيسى لغضبة فرقة الباليه وخروجها بين الناس بينما ساهم فى اندفاع هذا الفريق بتقديم فنه الرفيع وسط الشعب المصرى تصريحات النائب السلفى ضد فن الباليه الذى قال عنه أنه «فن عرى ويحرض على الرذيلة».
هكذا اجتمعت الأسباب المحرضة والدافعة للمثقفين والفنانين للاستمرار فى اعتصامهم وغضبهم بالفن والغناء والتمثيل وإلقاء الشعر والرقص بين الناس فى الشارع حتى إندلاع ثورة 30 يونيو التى عصفت بجماعة الإخوان المسلمين نهائيا، وخرج الفنانون والمثقفون من تجربة هذا الاعتصام بأشياء عديدة كان على رأسها اكتشاف قوتهم الناعمة التى كانت محركا رئيسيا للمياه الراكدة، كذلك خرجت من هذا الاعتصام مواهب فنية شابة حتى أن رئيسة الأوبرا إيناس عبد الدايم كانت تؤكد أن تجربة هذا الاعتصام أفادتها كثيرا وغيرت من منطق تفكيرها، وأكدت أنها سوف تنقل تجربة تقديم فن الباليه وسط الناس بالشارع لدار الأوبرا وسيتم تصميم مسرح مجهز للتجوال بين الميادين والمحافظات لتقديم الفنون بها، ليس هذا فحسب بل قرر المثقفون بعد الخروج من هذا الاعتصام تقديم توصيات ومطالب مستقبلية لإصلاح الحالة الفنية والثقافية فى فترة ما بعد الثورة وبالفعل تقدموا بهذه المطالب وتم تكرار عرض نفس المطالب بمؤتمر المثقفين «ثقافة مصر فى المواجهة» الذى عقد مؤخرا بالمجلس الأعلى للثقافة.   
انتهت فترة حكم الإخوان المسلمون مع بداية شهر يوليو 2013، وبدأت مع هذه النهاية مرحلة جديدة فى مصر على مستوى الفن والثقافة لكن رغبة الفنانين والمسرحيين فى مواصلة عملهم والبدء فى عمل شىء إيجابى لم تكتمل لمدة ثلاثة أشهر بسبب الظروف الأمنية والسياسية التى شهدتها مصر خلال هذه الفترة وفرض حظر التجوال لمدة شهر ونصف الشهر مما جعل معه من الصعب إقامة أى فعاليات فنية أو عروض مسرحية، لكن بعد انتهاء فترة حظر التجوال حدثت حالة من السيولة الفنية غير المسبوقة سواء فى المهرجانات المسرحية أو العروض الجديدة، وشهدت هذه الفترة من شهر أكتوبر وحتى ديسمبر الجارى صعود واضح وحقيقى لعروض الشباب والفرق المستقلة وسرقت هذه العروض الضوء من أعمال البيت الفنى للمسرح حيث نجح المسرحيون الشباب والمستقلون فى اقتحام الساحة الفنية والثقافية خلال هذه الفترة البسيطة وكان على رأس هذه العروض الناجحة فى ذلك الوقت عرض «عن العشاق» إخراج هانى عفيفى والذى كان يعرض بقصر الأمير طاز بالسيدة زينب، و«حلم بلاستيك» لفرقة حالة المسرحية وإخراج شادى الدالى والذى عرض شهرا ونصف الشهر على خشبة مسرح الطلعية وكان من التجارب المهمة التى خاضها البيت الفنى للمسرح عندما قرر رئيسه فتوح أحمد استضافة عرض لفرقة مستقلة على مسرح الدولة وحقق العرض نجاحا كبيرا وأثبت تفوقا واضحا على عروض البيت الفنى نفسه، من العروض المميزة أيضا فى هذه الفترة عرض «الجلسة مغلقة» لفرقة تياترو المسرحية إخراج عمر المعتز بالله وعرض على مسرح الفلكى بوسط البلد، وعرض «ماكبث» إخراج تامر كرم على مسرح الهناجر وعرض «المصنع» إخراج محمد مرسى بمدينة الإسكندرية، و«مولانا» و«حلم البصاصين» إخراج مناضل عنتر وعرض على مسرح الجمهورية لفرقة الرقص المسرحى الحديث وأخيرا عرض «فراجيل» إخراج أمير صلاح الدين وبطولة محمد فهيم وأمير صلاح الدين، وعرض على خشبة مسرح مركز الإبداع الفنى، لم يقتصر تفوق الشباب على تقديم أعمال مسرحية فقط بل نظمت أيضا مؤسسة «حركة وأرشيف» المستقلة والتى يديرها المخرج أدهم حافظ مهرجان للرقص الحديث تحت عنوان «السينما المصرية بين الذاكرة والنسيان» وكذلك نظم بمدينة الإسكندرية المخرج المسرحى محمود أبو دومة ملتقى «نوبة صحيان» الذى شارك فيه عدد غير قليل من العروض المسرحية المصرية المستقلة والعربية، ونظم أيضا مركز الإبداع بمدينة الإسكندرية مهرجان للفرق المسرحية الحرة والهواة، هكذا شهد المسرح حالة من الزخم والاستيقاظ الفنى لمدة ثلاثة أشهر عقب انتهاء مواعيد حظر التجوال وبدا واضحا تفوق وصعود عروض الشباب والفرق المستقلة فى مقابل عروض البيت الفنى التى لم يخرج معظمها للنور وما تم افتتاحه خلال هذه الفترة كانت مجرد عروض ضعيفة لم تحدث صدى حقيقياً فى ذلك الوقت وقال عن ذلك رئيس البيت الفنى فتوح أحمد:
لا نستطيع أن نحكم على المسرح هذا العام  لأن السنة كان نصفها اعتصامات ثم أزمة فض اعتصامى رابعة والنهضة ولم تكن هناك فرصة لتقديم عروض مسرحية كبيرة لذلك اكتفينا بأعمال صغيرة لكن مع بداية العام الجديد سوف يشهد افتتاحات عروض جديدة منها «كاسك يا وطن» بطولة وائل نور وإنتصار ومحمد محمود، و«اللى بنى مصر» بطولة محمود الجندى وهشام اسماعيل ومدحت تيخة وإخراج إسلام إمام، و«رئيس جمهورية نفسه» بطولة محمد رمضان، و«ميراث الريح» بطولة أحمد فؤاد سليم وأشرف عبد الغفور وإخراج طارق الدويرى، و«الشعب لما يفلسع» بطولة أحمد بدير ورانيا فريد شوقى وإخراج شادى سرور.
على الجانب الآخر استطاع البيت الفنى للمسرح عمل تجربة جديدة هذا العام وهى اسناد إدارة مسرحين لاثنين من شباب المسرحيين الأول مسرح «ملك» والذى يديره أحمد السيد وتم تخصيصه لعمل ورش فنية فى التمثيل والإخراج والمايم وتقديم عروض كنتاج لهذه الورش، ومسرح الميدان الذى تم بناؤه مؤخرا بدار الأوبرا ويديره أحمد رجب وتعتبر هذه تجربة جديدة على البيت الفنى أن يقيم مسرحا مفتوحا يستقبل عليه عروض المستقلين والشباب سواء فى المسرح أو الموسيقى، وأكثر ما يميز هذه التجربة عدم اعتماد المسرح على الإنتاج المباشر للعروض المسرحية كحال المسارح الأخرى.
لم تقتصر أزمة المسرح فى 2013 على تأثره بالأحداث السياسية فقط، ولكن تعرض المسرح المصرى هذا العام إلى حدث جلل، وهو اتخاذ لجنة المسرح قرارا نهائيا مع بداية 2013 بإلغاء مهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى، واستبداله بمهرجانين دولى وآخر عربى، بالطبع نزل هذا الخبر كالصاعقة على المسرحيين الشباب والفرق المستقلة، واعتبر بعضهم هذا القرار نوع من الانتقام وتصفية الحسابات مع إدارة مهرجان المسرح التجريبى السابقة لأنه من غير المعقول إلغاء مهرجان بهذا الحجم وهذه الأهمية دون إبداء أسباب واضحة ومنطقية، بالتأكيد لم تستمع لجنة المسرح لصرخة هؤلاء واستمرت فى تنفيذ قرارها الغريب دون اتخاذ خطوات إيجابية تجاه البدء فى تنظيم أى من المهرجانين سواء العربى أو الدولى وحرم المسرحيون من التجريبى إلى الأبد!
كان أيضا من الأحداث الصعبة على المسرح المصرى هذا العام إلغاء عضوية مصر بالمعهد الدولى للمسرح «iti» وذلك بسبب تأخر الدولة فى دفع الاشتراك السنوى لعضويتها لكن بعد محاولات عديدة استطاع عدد من المسرحيين إعادة العضوية لمصر من جديد ورأست الدكتورة نهاد صليحة مكتب الهيئة فى مصر.
وأخيرا كان عام 2013 هو عام رحيل المسرحيين الكبار حيث رحل عن عالمنا هذا العام أكثر من مخرج مسرحى منهم الدكتور عبد المنعم كامل رئيس دار الأوبرا السابق ومدير فرقة باليه أوبرا القاهرة، والمخرج المسرحى الكبير حسن عبد السلام والمخرج أحمد عبدالحليم والمخرج أحمد زكى والفنان جمال اسماعيل.