صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

18 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

مقالات ارشيفية روزاليوسف

«ودن قطة» "1" عسل أحمد حلمي.. وأسوده

1 اغسطس 2009

كتب : عبدالله كمال




علي مائدة إفطار رمضاني، أمسك (مصري)، وهذا هو الاسم ذو الدلالة لبطل فيلم أحمد حلمي «عسل إسود» امسك بلقمة عيش علي شكل تعرفه تقاليد الطعام المصرية «ودن قطة» لكي يتذوق طبق الملوخية الذي وضعه جيرانه أمامه، فلما رفع اللقمة إلي فمه لم ينتبه إلي أنها مفتوحة.. وكان أن سقط ما فيها.. وعبثاً كرر المحاولة.. لكنه لم ينجح.

هذا هو أحد المشاهد البسيطة والعميقة التي عمر بها الفيلم، تعبيراً عن حالة الاغتراب التي عاشها «مصري»، خلال تفاعله مع مجريات بلده بعد عشرين سنة من الهجرة إلي الولايات المتحدة، وهو مشهد تكررت معانيه في مشاهد أخري، منها مثلاً: أن (مصري) حاول أن يدفع قيمة ما تناوله من طعام في (مائدة للرحمن)، وفي ذلك وغيره كان قصد الفيلم أن يقول: إنه ينظر إلي مصر بعيون مغترب لا يعرف.. سائح يحتاج إلي دليل.. فلما عرف ولما استدل كان أن اندمج وتعايش.. ولكنه قبل أن يبلغ الحالة الأخيرة كان قد عري المجتمع واكتشف معه عيوبه بطريقة مؤلمة وقاسية.

من المدهش أن الجمهور الذي يحتشد حتي اليوم في قاعات العرض، محبة في أحمد حلمي وهو نجم جدير بالمحبة، كان يضحك علي كل ما يلطمه به الفيلم علي وجهه، حتي لو كان يدين هذا الجمهور الذي يضحك.. وفي بعض الأحيان يصفق الجمهور في نهاية العرض إعجاباً بالفيلم الذي يلومه.. ولعل تلك هي إحدي النقاط التي يفرض علينا هذا العمل الفني المختلف والسباق أن نناقشها.. وهي أن: المصري يدرك عيوبه ويضحك عليها.. ولكنه لا يصلحها.. وفي نهاية الفيلم عاش البطل في مصر بدلاً من أن يعود إلي الولايات المتحدة لكن بقاءه لم يصلح عيوبها.

لقد تناول عدد من الزملاء هذا الفيلم برؤي مختلفة، بعضهم امتدحه، وبعضهم أهال عليه سيولاً من الانتقادات، وقد هاجمته جريدة المصري اليوم لأنه تضمن إعلانات لجريدة الشروق، وتجاهلته تقريباً جريدة الدستور لنفس السبب.

وفي «روزاليوسف» ولأسباب لها ما يبررها هاجمته الزميلة مها متبولي مرتين بمنتهي الحدة واعتبرته عملاً غير وطني، وانتقده بعنف موازٍ الزميل محمود عبدالشكور ورآه من أضعف أعمال المشخصاتي أحمد حلمي وإيقاعه يبعث علي الملل والغضب.

وليسمح لي الزميلان، ولكل منهما منطلقه ومنهجه الذي أحترمه، أن أختلف مع ذلك، وإذا كانت «روزاليوسف» قد أتاحت بموضوعية حق الاختلاف فلا أقل من أن يستفيد من هذا الحق رئيس التحرير.. إذ وجدت الفيلم، بغض النظر عن مشكلاته الفنية وعيوب السيناريو.. عملاً يستحق التوقف.. بل الإشادة.. في سياق أنه إبداع فنان أراد أن ينظر بطريقة مختلفة إلي مجتمعه.. وأن يحاسب المواطن الذي يشاهده والمجتمع الذي يتفرج عليه.. قبل أن يوجه نقداً للنظام الذي يدير هذا المجتمع.

إن عنوان الفيلم هو رسالته (عسل إسود)، وكما أن البطل يعلن عذابه من المجتمع الذي صدمه بعد غياب، ولطمه بالأقلام في أغنية داخل الشريط وفي ذروة أحداثه، فإن نفس الفيلم هو الذي يغني في النهاية (فيكي حاجة حلوة).. وليس ذلك دليل ارتباك العمل بقدر ما هو يعني أن أحداً لم يصل بعد إلي سبر أغوار هذا البلد.. وفهم مكنونه.

مفتاحان في مسيرة أحمد حلمي الفنية لا يمكن تجاهلهما ونحن نناقش هذا العمل.. الأول هو برنامجه الأشهر الذي قدمته من خلاله التليفزيونية الكبيرة سناء منصور.. وكان اسمه (لعب عيال).. وفيه كان يجري حواراً هزلياً مع أطفال المدارس.. يبحث فيه عن المنطق في اللا منطق.. وبالطبع فإنه كان يحصل علي إجابات مذهلة من الأطفال حين يطرح عليهم قضايا كبيرة.. وفي الفيلم كان (مصري) هو هذا الطفل المندهش الذي يجيب بطريقة مضحكة عن أمور كبيرة جداً.. تتجاوز حدود تجربته.. وتصطدم باغترابه.. وجهله بما يدور حوله.

المفتاح الثاني هو أن حلمي في مجموعة أفلامه الأخيرة كان يبحث عن إجابة عن أسئلة مختلفة تتعلق بكينونته كفنان وكإنسان مصري.. فهو في (آسف علي الإزعاج) كان يبحث عن إجابة الأسئلة التي تخص علاقته بالمجتمع والسلطة، وهو في (كده رضا) كان يبحث عن إجابة الأسئلة التي تتعلق باختيارات الأشخاص في الحياة.. أيكون طيباً أو شريراً.. أم مزيجا من هذا وذاك.. وهو في (1000 مبروك) كان يبحث عن إجابة أسئلة تتعلق بالعلاقة بين الإنسان والقدر بكل ما فيها من تعقيدات.. وحتي في فيلم (مطب صناعي) يبحث عن التحقق والقدرة علي تجسيد الحلم ومغالبة النفس.. وهو في هذا العمل الأخير يبحث عن إجابة أسئلة تتعلق بالعلاقة بين (الفرد) و(الوطن).. بين (مصري) و(مصر).

لا يمكن بالطبع أن توضع أفلام مثل (ميدو مشاكل)، و(صايع بحر) في قائمة مثل تلك التساؤلات، كما أنه يمكن أن تقدر أفلام مثل (ظرف طارق)، و(سهر الليالي)، ولكن مجموعة أفلام حلمي الخمسة الأخيرة كانت تعبر عن رسالة فنان.. يبحث عن إجابات أسئلة.. ويحاول أن يفكر بصوت عالٍ مع المجتمع.. وحتي لو كان تفكيره مثل لقمة عيش علي شكل (ودن قطة) مفتوحة لا يمكنها أن ترفع الملوخية إلي فمه.. فإنه قد حاول أن يقول كلمة مهمة وجملة مفيدة.

 وأكمل غداً.

الموقع الالكتروني :  www.abkamal.net

البريد الالكتروني   : [email protected]
 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

«الدبلوماسية المصرية».. قوة التدخل السريع لحماية حقوق وكرامة المصريين بالخارج
6 مكاسب حققها الفراعنة فى ليلة اصطياد النسور
حل مشكلات الصرف الصحى المتراكمة فى المطرية
تطابق وجهات النظر المصرية ــ الإفريقية لإصلاح المفوضية
بشائر مبادرة المشروعات الصغيرة تهل على الاقتصاد
الفارس يترجل
وسام الاحترام د.هانى الناظر الإنسان قبل الطبيب

Facebook twitter rss