صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

16 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

مقالات ارشيفية روزاليوسف

عملية تخريب البلد (3)

1 اغسطس 2009

كتب : عبدالله كمال




في الرد علي من يتساءلون عن سبب اللغة المغرقة في المرارة التي أكتب بها هذه المقالات.. والذين يضيفون: ما الذي جد لكي أكتب هذا الآن؟.. أقول بكل صراحة.. عندي سببان.. الأول أنني أخشي بالفعل علي مناخ المهنة التي أتعيش منها وأمارس دوري من خلالها.. إذ حين يخسر أحدنا يخسر الجميع.. ففي الإعلام: (السيئة تعم والحسنة تخص).. وأما السبب الثاني فهو أن هذا بلدنا وما ترتكبه أيدي الإعلام فيه لايقل وصفه عن أنه أخطار حقيقية.. ولست من هذا النوع الذي لاينشغل بمخاطر يتعرض لها البلد.

لن تدوم الحالة الآنية.. طالت أو قصرت.. وإن كان اعتقادي أنها لن تطول.. سوف تجد قضية هنا تضع كاتباً ما في السجن.. وقضية هناك تنتهي بأن تضع آخر في زنزانة إلي جواره.. وسوف يكون المدعي في كل مرة يملك كل الحق.. وليس عليه لوم.. لا يسعدني هذا حتي لو كان المحكوم عليهم من أشد من يخالفونني الرأي.. أي سجن لأي كاتب هو خصم من رصيد حريتي.. حتي لو كانت العقوبة هي الطريق الأقسي والأصعب لفرض قواعد المهنية.. إذ للأسف نحن قد نتعلم من دروس السجن.. حين نسجن أو يسجن غيرنا.

لن يسعد أي ممتهن بالإعلام وهو يري أن الإعلامي يتذلل لمن رفع القضية لكي يقبل التنازل.. وإن اكتسي هذا التذلل بأي تكبر مزيف.. في النهاية هناك تفاوض غير مكتوب علي ما قد كتب حتي لو لم ينته التفاوض إلي نتيجة.. ومثل تلك المعادلات التي يضطر إليها السياسيون أو المتضررون عموماً، إنما تخل بقواعد التفاعل بين الإعلام وبقية فئات المجتمع.. وتجعل الإعلام في موقف ضعف حتي لو بدا باطشاً.. وشرساً.

والأخطر لا يكمن في هذا النوع من القضايا التي تتوالي، وإنما في الخوف من إجراء يؤدي إلي تقويض المناخ برمته.. ويطيح بالمسافات التي قطعتها حرية الإعلام.. ولن يكون الملوم هنا هو متخذ الإجراء.. وإنما من دفعه إليه.. خاصة لو كان المبرر هو حماية البلد من تهور الإعلام.. ومن استخدام الإعلام في غير غرضه.. وحين يأتي الطوفان لن يكون لكلام منظمات حقوق الإنسان الدولية أو المحلية وزن حقيقي.

إن غرض الإعلام ليس هو أن يتربح الإعلاميون.. ولكن أن يكسب المجتمع.. وأن يكون هدفه هو فتح قنوات الحوار من فوق لتحت ومن تحت لفوق.. وليس أن تكون قنوات الإعلام ميادين لتصفية الحسابات الخلفية.. وأن يعكس هموم الناس وليس المتاجرة بها.. وأن يعين صاحب القرار وليس أن يكون وسيلة لطعنه من الخلف لصالح أي قصد.. وأن يراقب هذا القرار لا أن يهدمه وينفي شرعيته.. وأن يخدم صفات الدولة ومصالحها لا أن يهدم خصائصها في كل لحظة.

لم أجد وسيلة إعلام في إسرائيل يمكن أن تتنازل عن الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية حتي لو كان هناك لعب أدوار.. ولم أجد تليفزيونا في الولايات المتحدة يمكن أن يساند تهريب البشر والمخدرات من أنفاق المكسيك.. ولم أجد موقعا إلكترونيا في فرنسا يهدم خصائص الدولة الفرنسية العلمانية ويريد تحويلها إلي دولة إسلامية.. ولم أعثر علي وسيلة إعلام يابانية تريد أن تصبح اليابان دولة شيوعية حتي لو كانت هناك أحزاب مختلفة.

هناك قواعد أساسية لا يمكن الإخلال بها.. صفات الدولة وخصائصها ليست محل نزال ونقاش.. التحريض ليس من واجبات وسائل الإعلام.. الاستماع إلي الناس لا يعني تثويرهم.. الموضوعية لاتعني أبداً إضفاء الشرعية علي المحظور وتحطيم شرعية القانون.. محاربة الفساد لا يمكن أن تستخدم فيها أبداً وسائل التلقيح والتشويح.. الحقائق يجب أن تكون صريحة ومن يعلنها عليه أن يسندها بالوثائق.. وأن يتحمل عاقبة القانون.. إن ذمم الناس ليست محلا للعبث.. وسمعة السلطة لاينبغي أن تهدم علي مدار الساعة.. لأن معني ذلك أن وسائل الإعلام تمارس خطة تفريغ تؤدي حتماً إلي فوضي.. ولن تقبل السلطة ببلوغ هذه الفوضي.

لقد اندفعنا نحو تخريب هذا البلد وصفات مجتمعه.. أستخدم هنا ضميرا يجعلني ضمن تلك الزمرة.. لا أستثني نفسي.. فقد اضطررت إلي أن أترك مهام أصلية لمهنتي وعناصر أساسية في واجبات دوري من أجل أن أشتبك مع المخربين.. فرضوا علي أجندتهم.. وعلي غيري.. وحتي لو كان الغرض نبيلاً، فإن هذا قد أدي إلي قصور في واجبات أخري.. أتعهد بألا أقصر فيها من جديد.

إن تلك الأجندة التي انجرفنا وراءها للأسف لا يضعها عقل حقيقي يدير الإعلام.. الإعلام لا يدار.. الإعلام يتخبط، كل يأخذه في ناحيته.. المعلنون.. المحطات.. الصحف.. الشلل.. جماعات المصالح السياسية.. جماعات المصالح الاقتصادية.. المتطرفون.. الدول.. المتنازلون عن أدوارهم.. المحظورون.. أي جهة غير تلك التي يمكن أن تدافع عن مصالح مصر وخصائصها وتماسك مجتمعها.

إن علينا أن ننتبه.. علي الأقل بطريقة نفعية ومنهج مصلحي.. مصالح الإعلام لابد أن نحميها.. أن نحافظ علي وسائلنا.. أن نحصنها.. أن ندافع عن حريتنا بالإخلاص لها وليس بالإساءة المتعمدة للمجتمع.. انتهت شهادتي.. فاللهم اجعلنا ننتبه قبل أن يأتي الطوفان.
 


الموقع الالكتروني : www.abkamal.net

البريد الالكتروني   : [email protected]
 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى يتسلم رسالة من نظيره الغينى.. ويؤكد: التعاون مع إفريقيا أولوية متقدمة فى السياسة المصرية
كوميديا الواقع الافتراضى!
واحة الإبداع.. «عُصفورتى الثكلى»
إحنا الأغلى
كاريكاتير
مصممة الملابس: حجاب مخروم وملابس تكشف العورات..!
أشرف عبد الباقى يعيد لـ«الريحاني» بهاءه

Facebook twitter rss