صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

مقالات ارشيفية روزاليوسف

مسدس صابون!

1 اغسطس 2009

كتب : عبدالله كمال




من روما:

هندي، أو لعله باكستاني، أو ربما بنغالي، إنسان من هذه المنطقة الآسيوية التي تتلاقي فيها الدول.. وتتشابه فيها الملامح.. فلا يمكنك أن تحدد الجنسية.. مر علي بوردة حمراء في (سبينش سكوير)، حيث يتزاحم السائحون في قلب روما.. لم أشترِ بالطبع.. ولم أر أياً من المحبين المتعانقين في الميدان يقرر الاستفادة من خدماته.

بعض من هؤلاء الفقراء كان يتسكع في كسل لافت في شوارع جانبية.. أحدهم يبيع خيوطاً لا تفهم لها معني.. وآخر يطلق فقاقيع الصابون من مسدس بلاستيك لعله ينجح في إغواء طفل.. فتشتري له أسرته قطعة.. بـثلاثة يورو.. في ذات المنطقة التي تتزاحم فيها محال الماركات الفخيمة: جوتشي وبرادا وكمبانيلي وكانالي وديور وشانيل.. وغيرها.

هذه مظاهر عابرة لتجارة تهريب البشر.. ضحايا مصر من هذه التجارة لا يصل بهم الحال إلي هذا المستوي.. لا يبيعون مسدسات الصابون في الطرقات.. غالباً يعملون في مجالات حرفية أو خدمات خلفية في المنشآت السياحية أو أمور لها قيمة.. المصري الذي يدفع مدخراته، وربما حياته لكي يأتي إلي إيطاليا، لا يريد أن يقضي عمره وهو يبيع الورد.. ينظر إلي أوروبا باعتبارها حلماً.. ولكنه غالباً ما يأخذ الطريق الخاطئ وغير الشرعي.. فلا يتحقق الحلم.. وتضيع الأماني.. والمدخرات.

(مياه المتوسط) العميقة تمثل فجوة كبيرة بين عالمين.. الشمالي، في عصور مضت نهب الجنوبي استعماراً، ولما تقدم الشمالي.. وعاني من المقاومة.. وأقنع نفسه بالحرية.. وغلبته رغبات التحرر.. عاد إلي بلده.. وأما الجنوبي فبعد أن قاوم.. وحقق التحرر.. وجد صعوبة في أن يبني بلده.. أو أن يجسر الفجوة بين مستوي حياته ومستوي حياة من كان يحتله.. فقرر أن يذهب في رحلة الاتجاه العكسي.

إيطاليا لم تكن بين المحتلين الشماليين.. علي الأقل لمصر.. في ذاكرة المصريين الإيطالي هو (خواجة) ودود.. وجار.. وصديق.. عاش بيننا.. وغالباً «ماينبسط» في الإسكندرية.. قبل أن يعود إلي بلده بسبب ظروف السياسة في الستينيات.. وبالمناسبة، كثير من هؤلاء.. يتحدثون العربية حتي اليوم ولديهم جمعية تقيم احتفالاً سنوياً لا يتكلمون فيه إلا بلهجة مصر علي طريقة أهل كرموز.

لكن إيطاليا هي أقرب نقطة ملائمة لتحقيق الحلم الأوروبي.. رغم أنها ليست فرنسا أو بريطانيا.. ومن ثم فهي القبلة الأولي لعصابات تهريب البشر ومداعبة الأحلام.. وكم من مرات وفدت رحلات بعشرات من الشباب المرهق الذين تلقفتهم الشرطة علي الشواطئ.. فعادوا من حيث أتوا.. أو لم تصل السفن التافهة أصلا، لأنها لم تقو علي مواجهة البحر.. أو نجا عدد من الحالمين بأن دخلوا بالفعل إلي إيطاليا.. حيث يمكن أن تتلقفهم عصابات إجرام أخري.

مصر وإيطاليا تقاومان تجارة البشر بطرق مختلفة.. التنمية هي أهم حل.. والتعاون من أجل أن يلحق الجنوب بالشمال علي المستوي الاجتماعي.. ولكن هذا حل استراتيجي يحتاج وقتا وصبراً.. هناك حل آخر تقدمت به إيطاليا: توفير بضعة آلاف من فرص العمل لشباب مصري مهني.. جهده مطلوب اقتصادياً وقانونياً في إيطاليا.

جهات الأمن تواجه العصابات بطريقتها.. تقريباً سيطر التعاون الأمني بين إيطاليا وليبيا علي الطريق المزعج في تهريب البشر من ليبيا إلي شواطئ إيطاليا الجنوبية.. وتعاون أمني مماثل ـ بخلاف مجالات أخري للتعاون الأمني ــــ أدي إلي مواجهة شبه كاملة لعمليات تهريب الشباب والاحتيال علي مدخراتهم.. ماروني وزير داخلية إيطاليا قابل اللواء حبيب العادلي في القاهرة في بداية الشهر الحالي وكان هذا الموضوع أحد جوانب النقاش.

إيطاليا أعطت لمصر زورقين لاستخدامهما في مراقبة المسطحات المائية.. وكانت مصر قد أخذت غيرهما من قبل.. وبينما كانت جهود الأمن تقطع الطريق علي مهربي البشر عبر البحر.. كانت العصابات الدولية قد وجدت طريقاً آخر.. تهريب عبر الحدود إلي إيطاليا من الشمال.. ولذا ليس غريباً أن تعرف أن إيطاليا رحّلت قبل أيام 23 مصرياً كانوا يحاولون الهروب إليها بطريقة مختلفة.. وعادوا إلي القاهرة قبل أيام.. لكن بعد أن فقدوا هم وعائلاتهم ألوفاً من الجنيهات.

لعل الله يعوضهم عما ضاع.. أتعاطف معهم.. لكنني لا أتفهمهم.. لا تحدثني عن الظروف الصعبة إذا كنت قد دفعت لمهرب البشر ما لا يقل عن ثمانية آلاف يورو.

الموقع الإليكترونى: www.abkamal.net

البريد الإليكترونى: [email protected]







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

لا إكـراه فى الدين
الملك سلمان: فلسطين «قضيتنا الأولى» و«حرب اليمن» لم تكن خيارا
كاريكاتير أحمد دياب
الاتـجـاه شـرقــاً
السيسى: الإسلام أرسى مبادئ التعايش السلمى بين البشر
الأموال العامة تحبط حيلة سرقة بضائع شركات القطاع الخاص
بشائر الخير فى البحر الأحمر

Facebook twitter rss