صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

14 ديسمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

ذكريات بطولات حرب أكتوبر

19 يوليو 2013

إعداد: محمد عبد الخالق




لله جنود من الملائكة، يؤيد بهم عباده المؤمنين المدافعين عن الحق، فى أسمى درجات الجهاد وهو القتال فى سبيل الله والأوطان... مثلما أيد الله تعالى المسلمين بجنود من ملائكته فى موقعة «بدر»، أرسل أيضا جنودا لم يرها أحد، دعم بها قوة وحماس المصريين فى حرب أكتوبر «العاشر من رمضان» 1973.
 
لم يكن نصر أكتوبر علامة فارقة فى تاريخ ومسيرة مصر فقط، وإنما فى تاريخ ومسيرة المنطقة العربية بأسرها، وهو النصر الذى أوقف سيل الدماء التى كانت تهدد الخريطة العربية بأكملها، وحماها -باتفاقية السلام التى أعقبته وكانت إحدى نتائجه- من التهديدات المستقبلية ليغلق ملف الحرب ويمنحها فرصة للبناء والازدهار والتقدم.
 
خلف هذا النصر المبين، الذى ضرب به الجيش المصرى المثل الأروع فى القوة والإيمان والتضحية والفداء، وبقى انتصاره رمزا مضيء فى تاريخ الحروب والعسكريةالعالمية، تدرس خططه وتفاصيله ححتى اليوم فى المعاهد والأكاديميات العسكرية على مستوى العالم... خلف هذا النصر رجال آمنوا بربهم وزادهم الله تعالى هدى وقوة وإيمانا... رجال تركوا على كل زرة تراب فى أراضى سيناء الحبيبة قصة وعبرة وملحمة بطولية ... لم تتسع الأيام والسنين للوقوف عليها جميعا رغم مرور عشرات السنوات على وقوعها ...
 
لا تزال جعبة بطولات حرب العاشر من رمضان مليئا بالحكايات والقصص التى تعكس وتؤكد على عظمة الشخصية المصرية والفرد المصرى الذى يقاتل حماية لحدوده ووطنه وعرضه، الفرد المصرى المسالم الذى خرج من حقله بالريف من بين الخضرة والخير فتحول إلى مقاتل شرس عنيد يرى فى قبضة يده قوة أعظم آلاف المرات من القنابل والصواريخ ...
 
لم يكن السلاح هو الفيصل فى هذه الحرب، وإنما من استخدم السلاح، لم تكن الكلمة الأخيرة للرصاص والقوة وإنما للإيمان والفداءواتضحية، كانت الكلمة الأخيرة لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تصدوا للموت بصدور عارية بكل قوة وإيمان، فكتب لهم الله النصر.
 
صفحات وصفحات من البطولات فى هذه الملحمة الرائعة، تحدث عن أى جزء أو فرد من أفراد القوات المسلحة سواء القادة أو رجال الميدان، ففى الجو كان رجالنا ينقضون كالصقور النارية على السلاح الجوى الإسرائيلى الذى ظل أسطورة لسنوات طويلة وأطلق عليها العدو لقب «اليد الطولى» للجيش الإسرائيلي، هذه اليد التى بترها الطيار المصرى بتصميمه وفدائيته بطائرات أقل قدرة وقوة لكن بعذيمة لا مثيل لها، لدرجة إشراك طائرات التدريب فى الحرب.
 
تحدث عن أول أفواج العبور والمعجزة الهندسية التى أطاحت بأسطورة «خط بارليف» الذى زاره الخبراء العسكريون العالميون وأكدوا أنه يحتاج لقنبلتين زريتين حتى يمكن تحطيمه، وحطمه الجندى المصرى بخراطيم المياه والعمليات الفدائية الخاصة بسد أنابيبالنابلم بقناة السويس.
 
هل نتحدث عن حائط الصواريخ أو «حائط البطولات» الذى حمى سماء مصر وعمقها الداخلى من الطيران الإسرائيلي، هل نتحدث عن بطولات رجال الصاعقة وتصديهم فى بعض الأوقات للأسلحة الإسرائيلية بأجسادهم لإنجاح العمليات المكلفين بها...
 
تحدث كما شئت واملأ صفحات كما تريد ... لكن كن متأكدا أن هناك الكثير لم ترصده بعد ... وهنا بعض من هذه البطولات:
 
«التبة الحصينة»
 
تقع النقطة الحصينة لعيون موسى على مقربه من منطقة عيون موسى التاريخية ، لذا نسبت إليها واقترنت بها.. ويرجع تاريخ المنطقة إلى خروج موسى عليه السلام من أرض مصر يتبعه اليهود ، وبعد دخولهم سيناء مروا بتلك المنطقة.
 
وكان موقع النقطة القوية بعيون موسى من المواقع ذات الأهمية الحيوية للجانب الإسرائيلى قبل حرب أكتوبر 1973 حيث سيطر الموقع على الجزء الشمالى من خليج السويس وكذلك مدينة السويس وبور توفيق غرب القناةكما يتحكم فى طريق الشط – الطور المؤدى إلى جنوب سيناء وكان الجانب الإسرائيلى يستغل هذا الموقع فى قصف مصانع البترول والزيتيات ومصنع السماد وميناء الأدبية والمنشآت المدنية بمدينة السويس وبور توفيق غرب القناة .
 
وعلى الرغم من الاختيار الجيد لموقع عيون موسى والتجهيزات الحصينة التى تم تزويده بها وكافة وسائل التأمين المختلفة إلا أن القوات المسلحة المصرية تمكنت خلال حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 من الاستيلاء على هذا الموقع الهام حيث صدرت الأوامر بمهاجمته يوم 9 أكتوبر إلى إحدى الوحدات الميكانيكية التى شكلت ثلاثة مجموعات قتال، دفعت الأولى فى اتجاه راس مسلة والثانية إلى منطقة مقتل المصرى والثالثة إلى موقع عيون موسى، ولإحساس العدو بإصرار قواتنا على الاستيلاء على الموقع انهارت روحهم المعنوية وانسحبت قواته وفرت تاركه ورائها الموقع بكامل أسلحته ومعداته ، ونجحت مجموعة القتال فى الاستيلاء على الموقع قبل آخر ضوء يوم 9 أكتوبر وقامت بتأمين الهيئات ذات الأهمية التكتيكية والحيوية حوله.
 
ولأهمية الموقع من الناحية العسكرية حاول العدو القيام بهجوم مضاد ولعدة مرات تعاونه القوات الجوية فى محاولة مستميتة لاسترداد الموقع إلا أنه بفضل الروح المعنوية العالية للمقاتلين المصريين والإيمان بعدالة قضيتنا تمكنوا بصد جميع الهجمات المضادة بنجاح.
 
«الجيزى وبطولات الصاعقة البحرية»
 
وأيضا من البطولات التى شهدتها الحرب بطولة الشهيد الجيزى الذى كان من أعضاء سلاح الصاعقة البحرية التى صدر لها أوامر بالانسحاب بعد حدوث «الثغرة»، إلا أنه رفض المغادرة وبقى معه اثنان من زملائه الذين غادروا الموقع فى اليوم التالى وظل وحده مختبئًا فى أحد كهوف جبل عتاقة ويخرج يوميًا ليقتل جندى الحراسة الإسرائيلى الموجود على الجبل، وبعد تزايد نجاح عملياته عذب الإسرائيليون الخفير المصرى الموجود فى تلك المنطقة حتى اعترف على مكان الجيزى بالكهف، وبعدها تمت مهاجمة الكهف وظل الجيزى صامدًا يقاتل الإسرائيليين وحده، حتى قتلوه بالرشاشات، وخلال دفنه وقف جنود العدو أمام قبره، وعظموا له، وأخذوا ساعته وسلسلته ومتعلقاته كتذكار عن ذلك المقاتل التاريخى باعتراف العدو.
 
«صائدو الدبابات»
 
وهناك محمد عبد العاطى عطية ولقبه «صائد الدبابات»، وإشتهر باصطياده لأكثر من 30 دبابة و مدرعة إسرائيلية فى أكتوبر 1973.
 
إلتحقت عبد العاطى فى الجيش عام 1972 و إنتدبت لسلاح الصواريخ المضادة للدبابات و كان يطلع إلى اليوم الذى يرد فيه لمصر و لقواتنا المسلحة كرامتها، و كان رقيبا أول للسرية التى كانت مهمتنا تأمين القوات المترجلة وإحتلال رأس الكوبرى و تأمينها حتى مسافة 3 كيلو مترات.
 
ويكى عبد العاطى الذى توفى عام 2001 عن ذكرياته فى الحرب: سمعنا تحرك اللواء 190 مدرعات الإسرائيلية و بصحبته مجموعة من القوات الضاربة والإحتياطى الإسرائيلى وعلى الفور قرر العميد عادل يسرى الدفع بأربع قوات من القناصة وكنت أول صفوف هذه القوات، وبعد ذلك فوجئنا بأننا محاصرون تماما فنزلنا إلى منخفض تحيط به المرتفعات من كل جانب ولم يكن أمامنا سوى النصر أو الإستسلام ونصبنا صواريخنا على أقصى زاوية إرتفاع و أطلقت أول صاروخ مضاد للدبابات و أصابها فعلا، وبعد ذلك توالى زملائى فى ضرب الدبابات واحدة تلو الأخرى حتى دمرنا كل مدرعات اللواء 190 عدا 16 دبابة تقريبا حاولت الهرب فلم تنجح، و أصيب الإسرائيليون بالجنون و الذهول و حاولت مجنزرة إسرائيلية بها قوات كوماندوز الإلتفاف و تدمير مواقع جنودنا إلا أننى تلقفتها و دمرتها بمن فيها و فى نهاية اليوم بلغت حصيلة ما دمرته عند العدو 27 دبابة و 3 مجنزرات إسرائيلية.
 
عبد العاطى لم يكن وحده صائد للدبابات بل هناك العشرات، ومن ضمنهم محمد المصرىو الذى تمكن من إصطياد 27 دبابة مستخدما فى ذلك 30 صاروخ فقط من ضمنها دبابة عساف ياجورى الذى طلب أن يراه، فبعد أن تم أسره قال عساف أنه يريد كوب ماء ليروى عطشه و الثانى مشاهدة الشاب الذى ضرب دبابته و أخذ عساف ينظر إليه بإعجاب.
 
أما البطل الثالث الذى إرتبط إسمه بتدمير دبابة ياجورى و المشاركة فى أسره قبل أن يجهز على 13 دبابة إسرائيلية و يدمرها بمفرده هو الرائد عادل القرش ، كان يندفع بدبابته فى إتجاه أهداف العدو بكفاءة عالية حتى أصبح هدفا سهل المنال لطيران العدو.
 
كان الشهيد قائد السرية 235 دبابات بالفرقة الثانية فى قطاع الجيش الثانى الميدانى فى إتجاه الفردان و يرتبط إسمه بتدمير دبابة العقيد عساف و فى نفس الوقت أنقذ دبابات معطلة للجيش المصرى و أخلى عددا كبيرا من جرحانا.
 
بعد أن شارك فى صد هجوم إسرائيلى صباح 8 أكتوبر و أدى مهامه بكفاءة عالية ، عاودت قوات العدو هجماتها المضادة بعد ظهر اليوم نفسه فى إتجاه الفرقة الثانية بمعاونة الطيران الإسرائيلى و تمكن البطل من تدميرها كاملة
«شهادة الإسرائيليين بالبطولات المصرية»
 
انتصار اكتوبر والبطولات التى حدثت خلال الحرب شهد لها الإسرائيين، فقد خرجت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية لتقول أن إسرائيل انهزمت فى حرب 73 بسبب تجاهلها الصواريخ «أرض – جو» المصرية السوفيتية الصنع التى كانت منتشرة غربى قناة السويس، والتى حرمت سلاح الجو الإسرائيلى من العمل أثناء الحرب.
 
وأضاف المحلل الإسرائيلى «موشيه آرنس» فى مقاله بالصحيفة أن إسرائيل تتذكر سنوياً، فى «عيد الغفران»، الهزيمة النكراء فى حرب يوم الغفران، والصدمة الأولى، وعدد القتلى الكبير، والخسائر الأولية، وعبور القناة والنصر النهائى للمصريين.
 
وتابعت «آرنس» أن إسرائيل تتذكر أيضاً فى كل عام الأخطاء التى ارتكبها زعماؤها والثمن الباهظ الذى دفعته إسرائيل كلها جراء تلك الأخطاء.
 
 وأضافت «آرنس» أن إسرائيل كانت غارقة فى حينه فى نشوة الانتصار الساحق لسلاح الجو الإسرائيلى فى حرب 67، والتى أفرزت نظرية فحواها أنه طالما أن مصر لا تمتلك سلاحا جويا قويا قادرا على مواجهة سلاح الجو الإسرائيلى لن تشن حرباً على إسرائيل، وإذا أقدمت على الحرب رغم كل ذلك وحاولت العبور سيعمل سلاح الجو كمدفعية طائرة ويتصدى فوراً للهجوم المصرى ويساعد الوحدات الإسرائيلية الصغيرة المنتشرة فى سيناء ويعيد المصريين أدراجهم.
 
وتابع «آرنس» بأن القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية فى حينه كانت فى حالة إنكار ورفض للتعاطى مع الدروس المستفادة من حرب الاستنزاف، وهى الدروس التى استفاد منها المصريون جيداً، حيث أيقنوا أنهم ليسوا بحاجة لسلاح جو يضاهى سلاح الجو الإسرائيلى لإعلان الحرب على إسرائيل لأن بطاريات الصواريخ الكثيرة يمكنها التصدى للطائرات الإسرائيلية وتغطية القوات المصرية أثناء عبور القناة فى الوقت الذى تعجز فيه الطائرات الإسرائيلية على توفير الدعم والحماية للجنود الإسرائيليين فى أرض المعركة.