صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

26 اغسطس 2019

أبواب الموقع

 

تحقيقات

النظام التركى تورط فى نقل الإرهابيين إلى سوريا ودعمهم بالأموال والسلاح والمعلومات

14 يونيو 2019



يومًا بعد يوم يتضح الدور التركى الساعى بكل قوة إلى تفخيخ المنطقة بالفتن، وإشعال الحروب فيها، وترسيخ قواعد الإرهاب، يفعلون ذلك بكل ما يملكون من قوة، من أجل زعزعة استقرار الشرق الأوسط. جزء من هذه الجهود الشريرة كشف عنها تقرير صحفى بريطانى أوضح بالوثائق كيف تساعد تركيا فى دعم وإمداد الحركات الإرهابية فى الشرق والأوسط بالسلاح. وضمت الوثائق تسجيلات صوتية ومراسلات وصورا التقطت لعمليات نقل السلاح، تفاصيل التقرير فى السطور التالية.

التقرير المطول الذى يعرى الدور التركى فى تسهيل دخول الإرهابيين من حول العالم إلى داخل سوريا عبر الحدود البرية بين الدولتين. نشرته صحيفة «ذا إنڤيستيجيتيڤ چورنال» البريطانية (تى أى چيه)، وضم مراجعة المئات من التسجيلات السرية للاتصالات التى حصل عليها معد التحقيق من خلال مصادر خاصة فى العاصمة التركية أنقرة.
التسجيلات فضحت الدور الذى يلعبه رجب طيب أردوغان لتمكين وتسهيل حركة المسلحين الأتراك والأجانب عبر الحدود التركية إلى سوريا، ليحاربوا إلى جانب الإرهابيين التابعين للدولة الإسلامية فى العراق والشام «داعش». إذ تظهر التسجيلات وجود اتفاق ضمنى بين داعش والمسئولين الأمنيين الأتراك يسمح للمهربين بالعمل بحرية على جانبى الحدود بين البلدين والتى تمتد لـ٨٢٢ كيلومترًا بدون أى تبعات من الحكومة الأردوغانية. الاتفاق أيضًا سمح لداعش بإدارة خطوط لوچستية عبر الحدود لنقل المقاتلين الجرحى من الجبهة إلى تركيا لتلقى العلاج!
المناقشات المسجلة بين الفاعلين فى داعش تكشف قصة مختلفة عمّا تردده حكومة أردوغان فى العلن. ما يظهر هو تقديم الحكومة لغطاء سياسى لا غنى عنه لداعش حتى تستطيع العمل وتتفادى طائلة القضاء من جهة أخرى. التسجيلات التى تم الحصول عليها تمت بإذن قضائى كجزء من تحقيق قانونى عن داعش تم إطلاقه فى ٢٠١٤ من قبل مكتب المدعى العام فى أنقرة.

إلهامى بالى مورد المقاتلين واللوجستيات لداعش

بدأ تقرير «تى أى چيه» بتقديم شخصية الوسيط، وهو مواطن تركى ذو لحية كثة مع شارب وشعر قصيرين؛ فى السادسة والثلاثين من عمره، ويحمل اسم إلهامى بالى. أصبح الشخص الذى ينادونه بكنيته «أبوبكر» قائدًا ذا نفوذ على المنطقة الحدودية يقوم بتسهيل وإدارة مرور أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب والأتراك والسوريين ذهابًا وإيابًا عبر الحدود التركية السورية.
السجلات الرسمية أوضحت أنه مسجل كمقيم فى بلدة ريهانلى التركية الحدودية فى مقاطعة هاتاى الواقعة فى جنوب شرق البلاد، ويعتقد أنه حاليًا متواجد فى شمالى سوريا. «بالى» ظل تحت مراقبة السلطات التركية لفترة طويلة، وظل هاتفه تحت المراقبة بأمر من محكمة الجنايات. المحاكم التركية كانت قد أدانته سابقًا فى تحقيق قبل الأزمة السورية فى ٢٠١١ فى تهم تتعلق بانتمائه لتنظيم القاعدة وحكم عليه بالسجن لثلاثة سنوات. من المرجح أن «بالى» انتقل للحياة فى سوريا فى ٢٠١٢.
التسريبات المسجلة توضح دور «بالى» المحورى فى إدارة عمليات التهريب عبر الحدود، متضمنًا استقبال المقاتلين فى المطارات ومحطات الأتوبيس فى المحافظات التركية الجنوب شرقية وترتيب لقاءات لهم مع المهربين لتمرير المتطلعين للانضمام إلى داعش عبر الحدود إلى سوريا، وتكشف التسريبات أيضًا أن «بالى» قام بنقل البضائع عبر الحدود لصالح داعش والتى اشتملت على الأحذية والملابس وصولًا إلى الأغلال الحديدية وأجزاء الطائرات بدون طيار، النظارات المعظمة، الخيم، كشافات ذات قوة عالية وأيضًا قارب بحرى.
وتكشف التسريبات عن أن الحكومة التركية كانت تعلم أسماء وأماكن ٣٣ مواطنًا تركيًا تعهدوا بالعمل كسائقين لصالح شبكة التهريب التابعة لداعش. تم احتجاز بالى مؤقتًا قبل محاكمته بين الثانى من إبريل والتاسع عشر من سبتمبر ٢٠١٢، بتهم تتعلق بانتمائه لتنظيم القاعدة ولكن السلطات التركية أطلقت سراحه.
عندما تمت إدانة «بالى» فى ٢٠١٥ والحكم عليه بست سنوات وثلاثة أشهر من السجن، كان بالى قد اختفى من تركيا وانتقل إلى سوريا. فى نفس القضية التى اتهم فيها «بالى» أدانت المحكمة المتهم الثانى حسن أيدن، الذى تم القبض عليه فى نفس اليوم مع بالي، وحصل على نفس الحكم بست سنوات وثلاثة أشهر ولكنه أطلق سراحه فى الثالث من ديسمبر ٢٠١٢ لينتقل بعدها للإقامة فى سوريا.
أصدرت المحاكم التركية أوامر بالقبض على بالى فى الأعوام ٢٠١٤ و٢٠١٥ بعد القبض على عدد من الأشخاص أثناء عبورهم الحدود فى طريقهم إلى الانضمام إلى داعش. طبقًا للاتهامات التى أطلقها المدعون الأتراك، فإن أصابع الاتهام تشير إلى بالى بصفته العقل المدبر خلف تفجيرات أنقرة الإرهابية فى ٢٠١٥ والتى أودت بحياة ١٤٢ شخصًا، وأيضًا التفجير الانتحارى الذى تم من قبل داعش مستهدفًا منظمات المجتمع المدنى المؤيدة لليسار الكردى فى مظاهراتهم السلمية خارج محطة قطار أنقرة قبل انتخابات نوفمبر ٢٠١٥ ومؤديًا لمصرع ١٠٥ أشخاص منهم.
على الرغم من وجود عدة أوامر للقبض على بالى، وكما أوضحت التسجيلات التليفونية فإن السلطات التركية كانت تعلم موقعه بالتحديد، فإن أيًا منها لم يطبق؛ ونجح هذا الإرهابى الداعشى الخطير فى مراوغة المنظومة الجنائية التركية ومتابعة الحركة بحرية من وإلى سوريا.


«داعش» يدير العمليات الإرهابية من داخل تركيا بغطاء أردوغانى

أظهرت التسجيلات التليفونية كيف أدارت داعش مركزًا إرهابيا من خلال تركيا يتضمن خطوطًا ساخنة للاتصال ومركزًا للاتصالات يتواصل، ويوجه ويستقبل الإرهابيين الراغبين فى الانخراط فى الحرب السورية. أدارت قيادة داعش خطًا تليفونيًا من مدينة تل البياض الحدودية، وأظهرت التسجيلات قيام بالى بتحويل المكالمات الواردة إلى مركز اتصالات داعش للحصول على موافقتهم والحصول على الضوء الأخضر لإدخالهم إلى سوريا.
أوضحت التسجيلات أيضًا أنماط داعش فى العمل كطريقتهم فى ترتيب اللقاءات بين الإرهابيين والمهربين والمتعاملين، تلقى بالى فى أحد التسجيلات اتصالًا من أرقام مسجلة بأسماء چيورچية وروسية لمناقشة توزيع هواتف محمولة على الإرهابيين الأجانب.
كما أوضحت الاتصالات قيام بالى بالترتيبات لمجموعات من الإرهابيين كانوا فى انتظار التقاطهم فى أحد المولات التجارية وفى أحد الفنادق فى مدينة جازيانتپ التركية الحدودية. نصحهم بالى بالركوب لنقطة لقاء متفق عليها حيث سيقوم بالتقاطهم لبدء رحلة العبور الحدودية.
أظهرت التقارير قيام داعش باستخدام محطات الوقود والمساجد وملاعب كرة القدم كنقاط للقاء، كما وقع اختيارهم على فنادق جازيانتب التى لا يهتم موظفوها بطلب بطاقات هوية أو جوازات سفر رسمية للحجز وذلك بالمخالفة للقوانين التركية التى تطالب الفنادق ببث تسجيل دخول جميع النزلاء إلى الفنادق لتعقب المطلوبين والقبض عليهم أثناء إقامتهم. أظهرت التسجيلات أن السلطات التركية على علم كامل بعدد الإرهابيين الذين يقوم «بالى» ومن هم على شاكلته بتهريبهم عبر الحدود.
فى أحد الاستجوابات القضائية عام ٢٠١٦ اعترف المتهم الداعشى يعقوب شاهين والذى كان يخضع للمحاكمة لقيامه بشراء نترات الأمونيا المستخدمة فى صناعة القنابل بأنه يعلم جيدًا من ذهبوا إلى سوريا، وفى تسجيلات أخرى يسمع بالى وهو يناقش الأعداد التى تعبر الحدود ويقدم بها تقارير شهرية لقادة داعش من أجل الحصول على مستحقاته بمتوسطات من ٥٠ إلى ١٠٠ شخص فى اليوم الواحد مما يصل بالأعداد إلى قرابة ١٥٠ ألف إرهابى.


الأغا يقتل السوريين ويعالج الإرهابيين

تحت عنوان «الدعم والرعاية الطبية لداعش فى تركيا» يناقش التقرير التهريب عبر الحدود فى اتجاه عكس التيار السائد من تركيا إلى سوريا، حيث يتغير الاتجاه أحيانًا للعبور العكسى إلى تركيا خاصة للمصابين الذين يبحثون عن الرعاية الطبية.
ويبدو أن داعش قد تعاقد مع مستشفى دانيسمانليك التخصصى بأنقرة لمعالجة المصابين من مسلحى داعش حيث توضح التسجيلات مناقشات بين بالى وصاحب المستشفى لترتيب دفع مبلغ ٦٢ ألف دولار كنفقات علاج ١٦ مصابًا من مسلحى داعش فى المستشفيات التركية، والذين زارهم بالى بعلم السلطات التركية بدون أن يتم إلقاء القبض عليه.
كما يشتكى صاحب المستشفى من تأخر سداد ١٥٠ ألف دولار حساب للعمليات التى أجريت للإرهابيين مع ترتيب حجزهم فى غرف خاصة بعيدة عن الأعين لشهور والتى وصلت تكاليف الفندقة فيها لأكثر من ٤٠ ألف دولار مع التنبيه عليهم بحلاقة لحاهم لإبعادهم عن الشبهات.
وفِى تفريغ لتسجيلات ٩٩٧ مكالمة هاتفية بين المشتبه فى تبعيتهم لداعش، تبين أن داعش لا تدعم الإرهابيين فقط ولكن تقدم الدعم لعائلاتهم التى تركوها خلفهم فى تركيا، وذلك بتحويل آلاف الدولارات لتغطية تكاليف الطعام والسكن بالإضافة إلى مرتبات وتكاليف شبكة التهريب. عندما كانت تشكو العائلات من قلة الموارد المالية المتاحة كان بالى يرد بأن الإرهابيين يحاربون فى سبيل الله وليس فى سبيل توفير مكتسبات لأسرهم، وفِى نفس السياق أقامت داعش محاكم شرعية للأسرة فى سوريا حيث توضح التسجيلات جهود زوجة تركية للحصول على الطلاق من زوجها الجهادى والعودة إلى تركيا.

المخابرات التركية تمد داعش بالمعلومات والسلاح


وفِى ضربة قوية كشف التقرير عن أن الاستخبارات التركية (MIT) قد تكون تورطت فى دعم سياسة أردوغان فى دعم الإرهابيين داخل تركيا وخارجها، بل وتوفير معلومات لهم من شأنها مساعدتهم على تفادى الوقع فى قبضة الشرطة التركية ذات نفسها، أى أن الانحراف قد وصل إلى درجة أن تعمل الاستخبارات ضد أجهزة بلادها الأمنية ذات نفسها!
ويقول مصدر كان يعمل لصالح المؤسسة الأمنية فى تركيا، وكان يعمل فى مهمة فى المطار فى ذلك الوقت إن «العملية التى شهدت هبوط الطائرات القطرية المحملة بالأسلحة المشحونة كانت تدار من قبل وكالة الاستخبارات التركية». ووفقًا للمصدر، فإن عميل المخابرات الذى تم تحديده فقط باسم «أوغر» أشرف على العمليات وكان يشغل منصب كبير ضباط البروتوكول المكلفين من قبل الحكومة لمطار ايزنبوجا.
وقعت الحالة الثانية لاعتراض شحنة أسلحة فى 19 يناير 2014 بعد تقدم قدمه ضابط مخابرات الدرك التركى جولتيكين أفتشي، الذى كان يحقق فى أنشطة تجار المخدرات وعصابة سرقة السيارات التى تعمل خارج العاصمة التركية.
تحتوى الحاويات الست ـ المصنوعة من الصلب ـ الموضوعة فى ثلاث شاحنات على ألف قذيفة مدفعية، و50 ألف قذيفة مدفع رشاش، و30 ألف قذيفة مدفع رشاش ثقيلة وألف قذيفة هاون. فى حاوية واحدة من الصلب. سجل المفتشون حوالى عشرين مدفع هاون بقياس حوالى ياردة (مترين) وطولها 5.9 بوصات (15 سم)؛ وحوالى 10-15 صندوقًا خشبيًا، تحتوى كل منها على 24 وحدة من الأسلحة الآلية التى تطلق القذائف المتفجرة؛ حوالى 30 صندوقًا بقذائف هاون 2.3 بوصة «60 ملم»، خمسة أو ستة أكياس من الذخيرة المضادة للطائرات. تم إجراء الفحص الشرعى الأولى للعينات المأخوذة من الحاويات من قبل فرع الدرك فى أضنة فى 20 يناير 2014 بناءً على طلب المدعى العام. وشملت عينات الحاوية قذيفة هاون لخزان أو مدفعية، وصمامتين ومدفعية مضادة للطائرات. كان طول الهاون حوالى (103 سم) وطولها قطر (100 ملم)، وقراءة الأحرف الموجودة على هيكل القشرة.
وقد أشارت أصابع الاتهام مباشرة إلى الاستخبارات التى يترأسها هاكان فيدان الإسلامى المقرب من أردوغان عندما ضبطت الشرطة المحلية فى ٢٠١٤ سيارات نقل محملة بالأسلحة فى طريقها إلى سوريا برفقة ضباط مخابرات أتراك؛ كان رد الحكومة الأردوغانية وقتها بتمرير قانون بسرعة من خلال البرلمان يعفى ضباط المخابرات من المساءلة الجنائية.
تظهر التسجيلات أيضًا أن أحد الجنود الأتراك كان يخاطب بالى بلقب «شيهيم» والتى تعنى «شيخي» بالعربية معبرًا عن احترامه وتقديره للمهرب الداعشي، يتفق الطرفان خلال المكالمة على رعاية المصالح للطرفين ويخبر بالى الجندى أنه يتقبل يوميا طلبات من الحكومة التركية وأن داعش قد عممت أمرًا يقضى بتفادى إيقاع أى ضرر بأفراد الحراسة الأتراك، ويؤمن الجندى على أنهم لم يواجهوا أى مشاكل باستثناء مشكلة فردية فى الأول من سبتمبر ويتعهد بالحفاظ على الوضع القائم.

الشرطة التركية توفر حماية قانونية للمحتجزين الدواعش


تكشف التسريبات أيضًا عن ترتيب داعش لتوفير حماية قانونية للأجانب المحتجزين فى السجون التركية مما يؤدى غالبًا للإفراج عنهم، وأصبح روتينيًا أن يحتجز المواطنون الأتراك المتوجهون إلى سوريا لعدة أيام قبل إطلاق سراحهم وتهريبهم إلى داعش. يلجأ داعش إلى مخططات عدة للتمويه منها نقل الإرهابيين فى مجموعات صغيرة من ٥-١٠ أشخاص والتنبيه عليهم بعدم حمل متاع زائد لعدم لفت الأنظار.
يظهر أحد المواقف فى يناير ٢٠١٥ كيف تجاهلت الشرطة التركية الفرص السانحة لتقويض الشبكة التابعة لداعش لو أرادوا، ففى هذا اليوم كان يتم نقل سيدتين وأطفال إلى داخل سوريا وكانت إحداهما وهى طليقة لضابط شرطة تركى عامل فى طريقها للزواج من أحد الإرهابيين داخل سوريا مما يترتب عليه فصل أطفالها عن والدهم. كعلامة على تضامن الشرطة التركية مع زميلهم بدأوا فى القبض على المهربين والإرهابيين على الحدود فى محاولة للضغط على داعش لإعادة الأطفال، وتظهر التسجيلات بوضوح حوار الشرطة مع الدواعش مطالبين بتسليم الأطفال، لا المرأة؛ مع تأكيدهم أنهم يعلمون نوعية نشاط الإرهابيين ومستعدين ان يسمحوا باستئنافه طالما سلموا الأطفال.
حتى على الرغم من تصعيد الشرطة المحلية، يناقش بالى الموضوع مع أحد ضباط الاستخبارات التركية الذى ينصحه بتجاهل موضوع اختطاف الأطفال الأتراك إلى داخل سوريا موضحًا أنه لا يوجد أى شيء فى سلطة الشرطة المحلية يستطيع إعاقة عمل بالى.


أردوغان يستخدم الإرهاب لتعزيز موقفه فى الحكم

ويقول تقرير «ذا إنڤيستيجيتيڤ چورنال» إن بعد الهجمات الإرهابية على أنقرة فى أكتوبر ٢٠١٥، صرح أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء التركى وقتها أن شعبية حزب العدالة والتنمية أصبحت فى ازدياد بعد التفجيرات. وتوضح المستندات القضائية أن السلطات التركية كانت تعلم هوية المتهمين الرئيسيين المسئولين عن التخطيط، ومن ثم تنفيذ تفجيرات السيارات الانتحارية؛ ولكنهم تقاعسوا عن اعتقالهم. وفِى ظهور على التليفزيون الرسمى قال داود أوغلو إن الدولة لا تستطيع اعتقال الانتحاريين حتى ينفذوا أعمالهم، ذلك على الرغم من امتلاك الحكومة قائمة بأسماء الانتحاريين المحتملين.
وبالفعل جاءت التفجيرات برياح طيبة لحزب العدالة والتنمية الحاكم، كان الكثير من الناخبين قد ابتعدوا عن الحزب فى انتخابات يونيو ٢٠١٥ مما أدى لفقدانه الأغلبية البرلمانية لأول مرة، ولكن هؤلاء عادوا مدفوعين بالخوف بعد الهجمات ليرتموا فى أحضان الحزب الحاكم ويستعيد أغلبيته بناء على ذلك.
جاء تقرير صادر عن جهاز الاستخبارات التابع للاتحاد الأوروبى (إيوانتسن) ليقترح أن الهجوم الانتحارى قد يكون قد حدث بناء على تعليمات من حزب العدالة والتنمية الذى يترأسه أردوغان.
الشيء الجديد هنا أن هناك روايات شديدة الإقناع عن أسباب تسهيل الحكومة لهجمات مثل هذه ضد الشعب التركى نفسه. قبل التفجيرات مباشرة كان هناك ٦٢ تقريرًا استخباراتيًا يحذرون من هجمات داعية محتملة فى تركيا، تم تعميم هذه التقارير على وحدات المباحث وأقسام الشرطة بطول البلاد وعرضها، وتم فجأة إزالة جميع نقاط التفتيش والارتكاز الأمنية فى الليلة السابقة على الهجمات، مما سمح لمسلحى داعش بقيادة سياراتهم المفخخة بسهولة وحرية إلى قلب العاصمة بدون مساءلة.
جاءت التحقيقات الأولية فى الحادث لتضع علامات استفهام بدون إجابات عن هذا التصرف بدون إجابات حقيقية خاصة مع إدانة داعش فى هجومين إرهابيين فى شهرى يونيو ويوليو قبلها بوقت قصير أحدهما ضد حزب الشعب الديمقراطى الكردى فى ديار بكر والذى أدى إلى مصرع أربعة أشخاص والثانى تفجير سوروك والذى حصد ٣٣ ضحية.
وطبقًا للقانون التركي، فإن المحاكمة الجنائية للمسئولين العموميين تحتاج موافقة الحكومة لو كانت الجريمة المنظورة قد تم ارتكابها أثناء أدائهم لواجباتهم. فى حالة هجمات أنقرة قامت الحكومة بحماية رؤساء الشرطة الذين تقاعسوا عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنعها؛ ولَم يقم حسين أوزغور رئيس وحدة سى لمكافحة الإرهاب التحذير الاستخباراتى بخصوص الهجمات الوشيكة فى أنقرة.
على الرغم من أن تحقيقات وزارة الداخلية قد خلصت إلى أن أوزغور وآخرين يجب أن يحاكموا على أقل تقدير بتهمة التقصير فى مهامهم الوظيفية، ولكن أردوغان رفض هذه التوصية.

أردوغان يخفى أعداد الدواعش فى تركيا


ويشير التقرير إلى أن الحكومة الأردوغانية عمدت لتقليل أرقام كل ما يتعلق بداعش، بل أنها تحاول إخفاء أى أرقام تتعلق بأعداد الدواعش داخل تركيا، وبالطبع أرقام من خضعوا للتحقيق أو المحاكمة أو الإدانة على أراضيها. المسئولون الأتراك دأبوا على إعطاء تصريحات متضاربة عن داخل تركيا وجود داعش، وعندما حاولت المعارضة التركية من خلال دستة من طلبات الإحاطة بالبرلمان أن تنشئ لجنة للتحقيق فى الوجود الداعشى على أرض تركيا، تمت هزيمتهم فى كل مرة من قبل حزب أردوغان الحاكم صاحب الأغلبية مما أدى إلى غياب الرقابة التشريعية أيضًا.
كان آخر عدد لسجناء داعش، والذى ورد على لسان أردوغان نفسه فى إحدى خطبه ألفى سجين فى السادس من نوڤمبر ٢٠١٨. لم يذكر أردوغان كم منهم تمت إدانته، حيث أن المحاكم قد تبدو عديمة الفاعلية بالنسبة للإرهابيين فى معظم الأحوال، ويتم إطلاق سراحهم بانتظام بعد فترات متفاوتة من الاحتجاز قبل المحاكمات. أرقام أردوغان تعارضت مع أرقام رئيس الوزراء وقتها، رئيس البرلمان الحالي، بينالى يلدريم الذى صرح فى مؤتمر للأمن فى ٢٠١٨ أن تركيا لديها ١٠ آلاف سجين من مسلحى داعش.
السؤال هو ماذا حدث للثمانية آلاف سجين داعشى الآخرين فى الثمانية أشهر بين التصريحين؟ لربما افتعل يلدرين المقرب من أردوغان هذه الأرقام حتى يصغى له الحضور لأن وزير العدل التركى عبد الحميد حول كان قد صرح قبلها بأسبوع واحد أن عدد الدواعش فى السجون لا يزيد عن ١٣٥٤.
أظهرت التسجيلات المسربة أن تركيا الْيَوْمَ هى دولة تمر بمرحلة تحول من الديمقراطية والعلمانية إلى نظام إسلامى تحكمى، يعكف رجب طيب أردوغان على بناء دولة تحمل طابعه وصورته هو، وهو متحمس لتصدير أفكاره الإرهابية إلى ما بعد الحدود. أنه من المخيف أن نرى إيران جديدة فى نفس المنطقة المتأزمة من العالم، ونجد أن أردوغان أيضًا يستخدم الجماعات الإرهابية المسلحة كوكلاء له لدعم مخططاته الشخصية والسياسية.
المؤسسات التركية التى تئن تحت ضغط حكم أردوغان بدأت فى التداعى ولكن لازالت هناك بعض علامات المقاومة الضعيفة مثل ما حدث من تسريب للتسجيلات الهاتفية أو لتفاصيل القضايا.

تركيا: الإرهاب عليكم
وتسليحكم مهمتنا


نشرت صحيفة «ذَا إنڤيستيجيتيڤ چورنال» تقريرا آخر يكشف العلاقات المتشعبة بين الحكومة التركية وتنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام، المعروف إعلاميًا باسم «داعش».
بمراجعة المئات من الوثائق السرية ومستندات التقاضى شديدة السرية، التى حصل عليها معد التقرير من مصادر وصفها بشديدة الخصوصية، تكشف كيف قامت حكومة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الإسلامية بإرسال الآلاف من شحنات الأسلحة الثقيلة والذخيرة غير قانونية لمساعدة المجموعات الإرهابية العاملة فى سوريا عبر الحدود المشتركة بين البلدين. التحركات التركية أشارت إلى عزم أنقرة إنشاء نظام إسلامى تابع لها ليحل محل نظام الرئيس السورى بشار الأسد، مما أضاف المزيد من الوقود للخلافات المستعرة منذ ثمانية سنوات بين الدولتين منذ انتفاضة الربيع العربى التى تأزمت بسبب الخلاف الداخلى السورى.
قامت صحيفة «ذا إنڤيستيجيتيڤ چورنال» بترتيب عدد من الحوارات مع أخصائيين أمنيين ممن اعتادوا العمل لدى الحكومة التركية ولديهم سابق اطلاع على العمليات التركية السرية. أكدت الحوارات ما كشفته الوثائق المسربة من قبل، بل وأضافت الكثير من التفاصيل عن شحنات الأسلحة التى كانت تصل جوًا إلى تركيا بطرق غير قانونية قبل تهريبها باستخدام الشاحنات والمقطورات عبر الحدود التركية-السورية.
أشارت الوثائق المسربة كيف تم نقل شحنات الأسلحة جوًا من قبل موزعين أجانب باستخدام طائرات شحن إلى مطار ايزنبوجا فى العاصمة التركية أنقرة والذى تم استخدامه بدلًا من المطارات القريبة من الحدود لتفادى إثارة الشبهات، من هنا كان يتم نقل الأسلحة لأسطول من سيارات النقل والمقطورات فى جزء منعزل من المطار ليحملوا الشحنات لمسافة ٦٥٠ كيلومترًا عبر تركيا لنقطة توزيع معدة مسبقًا قريبة من الحدود التركية - السورية تخرج منها الشحنات إلى نقاط مختلفة فى الداخل السورى لتصل إلى أيدى الفصائل الإرهابية المختلفة لاستخدامها فى عملياتهم الإرهابية المختلفة.
تشرح الوثائق المسربة واللقاءات بالتفصيل أيضًا أسلوب العمل السرى الذى يتم التنسيق له من قبل جهاز المخابرات الوطنية التركية «إم أى تى» بالمخالفة الصريحة لعدد من القوانين التركية والدولية. إن إدخال الأسلحة والمتفجرات إلى تركيا بدون تسجيل أو مرور على الجمارك، أو وجود أى تراخيص هو جريمة محققة بنص القانون التركي، هذه القواعد تنطبق أيضًا على الصادرات والتى تتطلب موافقة الحكومة ووزارة الخارجية قبل أى ترخيص رسمى.
إضافة إلى ذلك فإن الاستخبارات التركية لم يكن مصرح لها بنقل الأسلحة طبقًا للقوانين المطبقة فى ذلك الوقت، والتى كانت تلزم الاستخبارات بإبلاغ السلطات المحلية لتنسيق مثل هذه الشحنات بما يضمن أمن وسلامة المناطق السكنية التى تمر بها، ولكن بالطبع لم يحدث هذا بسبب الحماية التى تتمتع بها الاستخبارات وعملاؤها الذين تم تفويضهم من قبل أردوغان شخصيًا، ولم يعلم بأمر الشحنات حتى المدير الإقليمى للاستخبارات ذاتها.

تدخل الرئيس التركى لتفويت
شحنة سلاح


دليل آخر على تورط أردوغان الشخصى جاء فى شهادة محافظ أدانا حسين أڤنى كوتش، والذى وصل إلى مكان الواقعة بصحبة ٤٠٠ شرطى فى ١٩ يونيو لإيقاف البحث فيها وليأمر المدعى الجنائى تاكشى أن يطلق سراح الشاحنات لأن أردوغان قد اتصل به شخصيًا وطلب منه إطلاق سراح الشحنة هذه المرة فقط ريثما يقومون بتعديل قانون المخابرات بما يمنع حدوث هذه المشكلات فى المستقبل؛ كوتش أقسم أن يصل الصدام إلى حد الموت حتى يضمن إطلاق سراح شاحنات المخابرات.
هذه الشهادة فى حد ذاتها تثبت أن حكومة أردوغان كان تعلم أن شحنات الأسلحة من قبل الاستخبارات كانت غير قانونية، وأنهم سعوا لتوفير الغطاء القانونى لها عند اكتشافها.
ويبدو أن القلق من الملاحقة القانونية دفع أردوغان لإزالة كل السلطات القضائية، والشرطيين والعسكريين الذين اشتركوا فى كشف عملية تسليح الإرهابيين. الكثيرون منهم، بالإضافة إلى الصحفيين الذين غطوا الأحداث تم الزج بهم خلف القضبان حتى اليوم أو اضطروا إلى الهرب من البلاد.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

القوات البحرية المصرية والصينية تنفذان تدريبًًا بحريًًًا عابرًا بالبحر المتوسط
كراكيب
دولة الطاقة
كاريكاتير احمد دياب
قطار الحملات الانتخابية ينطلق من جنوب الصعيد
حق المرأة
حرب القطبين تنعش السلة واليد

Facebook twitter rss