صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

25 مارس 2019

أبواب الموقع

 

ثقافة

ربما يحل السلام

15 مارس 2019



الأجواءُ ملتهبةُ وضاغطة أمام المشرحة، النساء متشحاتُ بالسواد، بعضهن يبكينْ بحرقة وبعضهن تـُغلف الصدمـةُ وجوههن، رغم التوتر البادى على حركات الرجال إلا أنهم يحاولون ضبط النفس قدر المستطاع، العجائز بحكمتهم يحاولون السيطرة على انفعالات الشباب وكبح جماح غضبهم خوفا من إثارة مشكلات لا يتحملها الظرف الجلل، وهو تقريبًا نفس الدور الذى تقوم به قوات الأمن المنتشرة فى كل مكان والتى يقف بعضها حاجزًا بين الفريقين الملتهبين خشية أن يحدث ما لا يـُحمد عقباه، الجميع إذن يقف على أطراف أصابعه فى انتظار انتهاء جميع الإجراءات بعد أن صرحتْ النيابة بدفن جثتى القتيلين.
من إحدى نوافذ المشرحة أراقب بهدوء الموقف،عشرات السيارات مليئة بالرجال والنساء فى انتظار أن تتحرك صوب القرية حيث مراسم الدفن، هذا المشهد تكرر كثيرًا خلال السنوات الفائتة التى كنت أعمل بها بالمشرحة، سقط عشرات القتلى من الجانبين فى صراعهما الأبدى الممتد منذ سنوات طويلة، فشلت خلالها  جميع الحلول فى إيقاف سلسال الدم الممتد، لم يرتدع الجانبين لقوة القانون الغاشمة التى ألقت بكثيرين خلف القضبان، ولم يلن أحدهما للجلسات العرفية العديدة التى حاولت تقريب وجهات النظر ومد خيط رفيع من السلام يمكن النسج عليه فيما بعد، هناك استثناء وحيد وطريف فى نفس الوقت هذه المرة ؛ فهناك جثتان متجاورتان لقتيلين  متنافرين، قتيل من عائلة الحوامدة وآخر للسلمانية، أما الأمر الطريف أن كلا القتيلين قد اشتبكا فى عراك متكافئ بينهما ليلة أمس، وحسب ما نمى لعلمى من شهادة بعض الحضور، فإن هذا العراك الدامى استمر لأكثر من نصف ساعة، لم يفرض خلالها أحدهما سيطرته على الأخر،ولم يستطع طرف أن يحسم الأمر لصالحه، بل استمر التطاحن بينهما سجال إلى أن انتهى بسقوطهما متكورين أحدهما بجوار الآخر.
الأن يخرج من بوابة المشرحة نعش قتيل السلمانية، تتلقفه الأيدى سريعًا، تضعه فى صندوق إحدى السيارات، يعلو صراخ النساء، يقفز بعض الرجال بجواره، أحدهم يبكى وهو يتحسس النعش، بينما آخر يضع رأسه فوق النعش ويجهش بنحيب متواصل يتخلله بعض الدعاء وكثير من القبلات، تعالت أصوات وهتافات احتجاج غاضب من قبل الحوامدة، إذ كيف يتسلم السلمانية نعشهم أولًا؟
تبادل الطرفان السـُباب، تدخل رجال الأمن لتهدئة الوضع المـُلتهب، واعتذروا لرجال الحوامدة بأن الأمر غير مقصود بالمرة، عاد الهدوء الحذر يسيطر على الموقف، ثم تحرك الموكب الحزين، تبعه بعدة دقائق موكب قتيل عائلة الحوامدة.
 سريعا استأجرتُ سيارة أجرة من أمام المشرحة، عليَ الاستمتاع بهذه الورطة التى صنعتها للنهاية، وعلى الجميع أن يعرف أن بإمكان عامل المشرحة البسيط أن يثير العبث  ويفجر الكوميديا السوداء، حين وصلتُ إلى القرية كانت صلاة الجنازة تـُقام على روح فقيد السليمانية فى المسجد الشرقي، بينما تـُقام فى المسجد الغربى على روح فقيد الحوامدة، المقابر فى أحد أطراف القرية، كنتُ هناك أترقب، هذه المرة أقبل موكب الحوامدة الحزين أولا، اصطف الرجال أمام المقبرة يلقون النظرة الأخيرة على فقيدهم أو ما يظنونه كذلك، ترتفع الأكف بالدعاء، تدمع العيون،وفى الخلفية أصوات قادمة من بعيد لموكب السليمانية يحملون نعش من قتل ابنهم بعد أن أقاموا عليه الصلاة وطلبوا له من الله العفو والمغفرة.
فى المساء أُقيم سرادقان للعزاء، أحدهما فى الجانب الشرقى والآخر فى الجانب الغربي، بينما كنتُ مشغولًا أنا عامل المشرحة المسكين فى التفكير كيف حل السلام على القرية سريعًا بمجرد حركة بسيطة وغير مكلفة، مجرد إبدال لاصق مكان لاصق.

كتبها - محمد صفوت

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى لـ«الشباب»: تمسكوا بأحلامكم واجعلوا الحوار وتقبل الآخر دستوركم
وسام الاحترام د.محمد المشالي طبيب الغلابة
لقاء القمة يخيم على معسكر المنتخب
جدولة مستحقات المعاشات
6 عروض لتطوير شركة الحديد والصلب بحلوان باستثمارات 250 مليون يورو
زواج المقايضة «بيعة وشروة»
السيسى يدعو لوضع آلية للتعامل مع ظاهرة انتقال «الإرهابيين» بين الدول

Facebook twitter rss