صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

16 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

سلوى ياسين لـ «روزاليوسف»: الكتابة أنقذتنى من الانتحار

17 يوليو 2018



حوار- خالد بيومى

  سلوى ياسين كاتبة مغربية تكتب القصة القصيرة ،وهى   من مواليد مدينة مكناس
حاصلة على الإجازة فى الأدب واللغة الإنجليزية
تخصص آداب ما بعد الكولونيالية
كاتبة مقالات الرأى على مجلة أوال وجريدة المساء ثم جريدة الأخبار ومعدة مواد على الصفحة الثقافية. كاتبة قصص قصيرة صدرت لى «كراسة الشاعرة» و«أنظر».
فازت مجموعتها «كراسة الشاعرة» بجائزة الأدب فى القناة الثانية.. هنا حوار معها:

■ متى وكيف بدأت رحلتك مع الكتابة ؟
لم تكن بداية الكتابة لدى رحلة بل اكتشاف. اكتشافُ مصلِ البقاء على قيد الحياة.  فقدت والدتى فى سن الثانية، ليتوفى والدى وأنا لم أتجاوز السابعة بعد. وهذا يعنى أننى بدأت الحياة من حيث تنتهى فتحت عينى على الموت. والمعجزة بالنسبة إليّ كانت البقاء على قيد الحياة. جعلنى ذلك أتعود على حقيقة واحدة هى ألا أحد هنا  لينصت وأن الموت كومة فاقعة اللون داخل كل الأشياء «فى الحب والصداقة  والأوقات السعيدة». لقد وجدت فى الكتابة بعضا من العزاء ، شيئا شبيها بالأبدية  والخلود. عالم أتحكم فيه وأديره كيفما أحب دون أن يستطيع الموت العبث به، عالم لا أرتعب بداخله مثلما ارتعبت حين خَيل إليّ وأنا انظر فى المرآة أن لسانى حين سأكبر سيطول ويتحوّل إلى أفعى، لم تكن أمى بجانبى لتطرد  الكثير من هذه الأفكار المرعبة، مع أننى أحب كثيرا كتابة قصص مرعبة كنوع من الانتقام بدأت الكتابة كذلك حين شعرت بما يشبه أجنحة نمت فجأة بداخلى وعليها أن تقوم بما وُجدت لأجله: التحليق، أحتاج هذا التحليق كما لو أننى  فى لحظة يأس شديدة وقاتمة اكتشفت سببا وجيها للاستمرار فى العيش.
■ لماذا اخترت القصة القصيرة كفضاء إبداعى؟
لأن القصة القصيرة  جنس أدبى متميز حقا، تقع فى منطقة خاصة بين الشعر والرواية على القصة القصيرة أن تشتغل بتركيز كبير ومحترف على اللغة مثل الشعر وأن تحكى حكاية كالرواية. إن ما يراه الآخرون شيئا عاديا ويتكرر كل يوم ويتشابه لا يبدو لى  متشابها ومملا بل جديرا بأن أعصر منه قصة مهما كان الحيّز الذى أتحرك فيه ضيقا وموجزاً. والقصة القصيرة من هذه الزاوية تشبه الشعر. وإذا كانت عقيدة الرواية هى الأسلوب بتعبير الروائى «جوستاف فلوبير» فإن على كاتب القصة القصيرة ابتكار اُسلوب خاص عند كتابة كل قصة. أحيانا أقول لنفسى إن اختيارى لهذا الجنس الأدبى قادم من إعجاب دفين بالملابس القصيرة  خصوصا التنانير والفساتين التى منعت دائما من ارتدائها لأنها تبدو على قامتى الطويلة بشعة وغير معتادة ، وبنسبة ضئيلة جدا اخترت القصة القصيرة لأننى امرأة مشغولة جدا لا تجد الوقت للتفرغ لكتابة شكل أدبى أطول من القصة.
■ كراسة الشاعرة « هو عنوان مجموعتك القصصية الأولى. ما التجربة الإبداعية التى تطرحها المجموعة؟
كراسة الشاعرة هى بمثابة تلويحة حب للشعر ولمكانته فى حياتى وداخل أسرتي. يمكنك تخيل طفلة فى العاشرة لم تجد كتابا يناسبها فى ذلك العمر فأخذت تقرأ كتاب «المعلقات السبع» بشروحات الزوزنى وتحفظه دون حتى أن تفهم ما تحفظ كانت تلك القصائد ساحرة شبيهة بالتعويذات التى يقرؤها الدجالون الذين وحدهم يستطيعون فهمها لكننى كنت استمتع بها.   إننى أنظر إلى الشعراء الكبار والحقيقيين كما لو أنهم أنبياء الأدب يشيرون إلى منابع النور داخل هذا العالم القاتم. ومدينة  للشعر بأنه وقف إلى جانبى وأسند قلبى فى أقتم لحظات حياتى، «كراسة الشاعرة» هى  قبلة طويلة على جبين الشعر الذى أنجدنى فى الأيام السوداء، أيام كان فيها الانتحار واحدا من بين أفضل الاختيارات القليلة المتاحة أمامى
■ فى قصتك «انظر» تتناول دهس البطل لنملة..  تأثرت بالتراث الدينى فى قصة سيدنا سليمان مع النملة. ما علاقتك بالتراث؟
كتبت هذه القصة ذهنيا وأنا فى زيارة لطبيب القلب المرضى مثل  الحزينين والمنهزمين والمحبطين تقودهم عيونهم للنظر إلى الأسفل. كنت أصعد السلالم وأتفادى دهس خط النمل الذى يصعد نحو العيادة، حين أخذت مقعدى رأيت رجلا يدهس النملة التى تتبعتها وأنا أنتظر دورى. دهسها بسرعة وبلامبالاة كما لو أنه موت، تذكرت أننى قتلت كائنات كثيرة فى طفولتى، حشرات التقيت بها وجها لوجه أثناء الساعات الطويلة التى قضيتها فوق الأشجار حينها اعتبرت ذلك دفاعا عن وجودى ولأننى لم أكن أفهم جيدا معنى الموت، لكننى مع التقدم فى الحياة أصبحت كل الكائنات مقدسة فى نظرى إنها مخلوقات ضرورية جدا ومرايا خلقت لنرى أشياء كثيرة من خلالها. كائنات لا نستطيع صنعها كلما أبدنا واحدة منها بل إن كل نوع يباد أو ينقرض هو تعجيل بانقراضنا نحن.
 ■ فى قصة «القط الأسود» تسعى البطلة لقص شارب القط الأسود فى محاولة للتغلب على الكوابيس التى تعانيها.. هل نعيش فى عالم عبثى؟
 نعيش فى عالم أصبح تحكّمنا فى حيثياته منعدما تقريبا، تعالَ معى نتأمل ذلك نحن رغم كل التقدم الذى أحرزناه. ما النسبة التى تتحقق فيها إرادتنا  فى الحياة مقارنة بأسلافنا، نحن الذين لسنا أكثر حظا أو سعادة منهم، لقد قطعنا آلاف السنوات والكيلومترات فى كل المجالات دون أن نبتعد كثيرا عنهم. إن القدر المتمثّلَ فى السياسات الاقتصادية والأمراض الجديدة وحتى القديمة، القدر المتمثّل فى حشد الفاسدين والقتلة والمجرمين وأشياء كثيرة أخرى هو اليد الضخمة التى تعبث بنا مثلما فعلت الأمراض والوحوش والأوهام والخرافات والاعتقادات بأجدادنا.
■ تقترب بعض قصصك من الطفولة.. ما الذى يجذبك فى هذا العالم؟
تبدو لى طفولتى الآن كومة رماد باردة لبركان هائج . طفولتى التى أرى أنها وقود الكتابة بالمعنى «البروستى» الخالص، طفولتى التى هى الحقبة البدائية لحياتى مثلما أعتقد أن العصر الحجرى هو طفولة العالم حيث المغامرة والاكتشاف والمخاوف تلفّ  كل اللحظات، حيث عذوبة ودهشة الأشياء التى تحدث للمرة الأولى. عشت طفولة شبيهة بتلك التى عاشها البطل فى قصص مارك توين «توم سوير» و «هوكلبيرى فين» كثيفة وجديرة بأن تُحكى. أتسلق الأشجار التى هى  بمثابة سلم للوصول إلى غرفتي. غرفتى التى لم أستعمل بابها إلا لماما... كرهت الدمى والبهلوانات  وما زلت أعتبرها أشياء غريبة وغير صحية، لم أجد أى متعة فى اللعب بدمية أو تمشيط شعرها لكن  كتابة قصة عن الدمية التى تمشط شعر فتاة صغيرة نائمة تغرينى كثيرا ولو كان ذلك مرعبا.
■ تحاول القصة المغربية البحث عن مكان بارز فى صراعها مع الأجناس الأدبية الأخرى خاصة وإن الشعر والرواية يتقدمان الصفوف هل تشعرين بالغيرة على إبداعكِ من هذه التراتبية، وضيق المساحة التى تستحوذ عليها القصة القصيرة «نشرًا ونقدًا»؟
القصة القصيرة الْيَوْمَ هى جنس أدبى ملائم جدا للعصر الرقمى فى حجمها وفى الحيّز الذى تستعمله، حجم ملائم للنشر والتداول على صفحات مواقع التواصل ولها كل أسباب الانتشار، إن ما يؤرقنى الْيَوْمَ ليس أن تكون الرواية أو الشعر يتقدمان الصفوف بل ما يشغلنى هو جودة وجدية الانتاج القصصي. حيث القصة لا زالت تتشبث بالبلاغة كثيرا وحيث جمالية الموضوع تخبو خلف التشبث الشديد  بالمفردات المقعرة والفخمة،  نقطة قوة القصة القصيرة ليس إلا حجمها وهذا الحجم حين نهدره فى الحشو واستعمال مفردات لا تخدم القصة نفقدها الكثير من وهجها.
 ■ برأيك.. كيف يمكن للمثقف أن يخدم مجتمعه؟
بألا يتخلف عن النقاش اليومى وألا يتعالى عليه، أن لا يعتبر الحديث عن غلاء الأسعار ورداءة التعليم وخدمات الصحة شئونا صغيرة وتافهة لا تعنيه كمبدع ومثقف. على المثقف أن يبدى رأيه بعيدا عن السلطة وبعيدا عن الشعبوية أيضا.لأنه حين يقوم بذلك فإنه يساهم فى تبييض واقعا أسود وتهريبه  بعيدا عن النقاش عِوَض أن يحاول قول بعض من الحقيقة . وألا يضع يده فى يد من جعلوا حياة إنسان داخل وطنه شبيهة بالتمرغ فى المستنقع. الإبداع هو أن تكون متحررا من المؤسسات وسلطتها. ولو أُجبر المبدع على التعامل معها فلا يجب أن يطيعها أو يتواطأ معها من أجل الحصول على ما يبدو له كامتيازات، إن الكثير من المبدعين الْيَوْمَ تم استدراجهم بلؤم  نحو الشهرة ودُسّت  لهم  سموم الخنوع والتواطؤ داخل الاحتفاء والتكريم.    
■ هناك مثل مغربى يقول: إذا كنت فى المغرب فلا تستغرب» ما تعليقك على هذا المثل؟
لأن المغرب بلد غرابة فعلا. الغرابة التى تجعل الأشياء المتنافرة والمتباعدة تمشى جنبا إلى جنب فى ائتلاف تام، المغرب بتاريخه وطبيعته وجغرافيته كبلد متوسطى ويطل فى نفس الآن على المحيط الأطلسى ومن تم هجرة أقوام مختلفة إليه،  بلد منفتح ولا يزعجه الاختلاف، لقد عشت فى حى فرنسى بنى أثناء الحقبة الكولونيالية الفرنسية كان فيه  جارنا اليهودى متزوجا من امرأة مسلمة وفى الجادة الخلفية منه عاش شخص يلبس سراويل قصيرة ويحمل حقيبة نسائية ولَم يكن هناك من يزعجه. تَفَحَّص زيا مغربيا واحد كالقفطان أو رقصة  فلكلور مثل «أحيدوس» أو «أحواش» وتذوق طبقا مثل البسطيلة أو «سلّو» وألقِ نظرة عمّا  نحتاجه لصنع ذلك وستتكون لديك فكرة عن طبيعة المغرب وغرابته.
■ يحاول بعض القاصين وشريحة من النقاد الترويج لمقولة «إن القصة القصيرة فن زئبقى يتأبّى الانضباط لقانون مؤطر ومحدد، ويرفض التقيد بإطار استاتيكى معين» هل تتماهين مع هذه المقولة، وما هو المنظار الذين تعالجين من خلاله مواضيعك القصصية؟
 القانون الوحيد الذى أراه أساسيا فى الفن والأدب خصوصا هو الحرية. أظن أن الفن هو القلعة الأخيرة التى يمكننا أن نتشبث فيها ببعض الارادة وحرية الاختيار بعدما سلبنا ذلك فى واقعنا. القصة القصيرة أيضا لا يجب عليها أن تكون سوى قصة فقط، وأظن أنه الآن فى هذا العالم المفتوح  الذى سِمته الأساسية هو الخروج عن المألوف والتغير المستمر، لا يمكن أن يتجرأ أحد ويفرض الشكل الذى يجب أن يتخذه جنس أدبى ما، أوأن يقول هكذا يجب أن نكتب القصة، إذا قرأت كتاب «شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة» لإدواردو غاليانو أو كتابه «افواه الزمن» لن تستطيع ادراجه تحت جنس أدبى محدد لكن كلا الكتابين يقومان وببراعة بما يقوم به أى عمل أدبى عظيم، إننى أتحدث عن الأثر هنا. الأثر الذى يتركه عمل أدبى جيد هو الأهم . أما الشكل الذى يأخذه فذلك فى تقديرى أمر ثانوى.
■ لديك قصة بعنوان حزن مغربى  هل هناك حزن مغربى وحزن أمريكى وآخر فرنسى .هل الحزن يختلف باختلاف الهوية؟
هل تظن أن حزن  شخص فقير وجائع  فى بلداننا هو نفس الحزن الذى يشعر به فقير وجائع أمريكى، بالتأكيد لا ! هل البؤس والفقر بالنسبة لأمريكى من أصول  أفريقية هو نفس حزن أمريكى أوروبى وفقير؟!...  العنصرية  تفاقم  هذا الحزن، أن تكون فقيرا يغمرك شعور أنك لن تتذوق ولو بلغت عمر المائة طعم الديمقراطية والحرية والعدالة. حزن ممزوج بطعم الحسرة والانهزام... سينتهى العهد السياسى قريبا ونحن  لم ندخله بعد، أن تكون حزينا لأنك وحيد فى مدينة نظيفة وبلد متقدم وديمقراطى يحترم مواطنيه ليس مثل أن تكون حزينا  فى بلد يعيش تحت يد الاستبداد والفساد الثقيلة. إنه  حزن إنسان عالق داخل شرك كبير ليس له حتى الحق فى أن يئن بداخله  بصوت مرتفع.
■ الذاكرة لها حضور قوى فى كتاباتك.. ما العلاقة بين ذاكرتك وكتاباتك؟
ذاكرتى السفينة التى تطفو ولا ماء تحتها. وحدها الكتابة تمنح تلك السفينة  بحرا لتتحرك به  وعليه لكن التذكر لا يسير كما نتخيل من الوراء نحو الامام أو من الماضى الى الحاضر، لا أحد يفهم عمل الذاكرة المعقد والمدهش اشم رائحة الينسون فتحط على سطح ذاكرتى صورة لعشية مشمسة كانت جدتى خلالها  ترتدى قفطانا أصفر اللون وقد اندلق على كمّه الأيمن بعض الزيت  حدث ذلك وهى منهمكة فى إعداد حلوى بالينسون.
■ ولدت بمدينة مكناس المغربية.. ما تأثير هذه المدينة على تجربتك الإبداعية؟
لها تأثير قلب بديل ورئة ثانية عند الحاجة. مكناس كلمة امازيغية تعنى «المحارب» يمكن البحث فى جوجل عن هواء وفواكه وجمال وتاريخ هذه المدينة، لكن  فى الكتابة يهمنى كثيرا أن احكى عن تاريخى الشخصى فى مكناس. عما حدث لى هناك وما شاهدته فى هذه المدينة التى هى لؤلؤة الاطلس المتوسط. التوسط محبب كما تعرف.  أثناء كتابة قصة ما تحضر فى مخيلتى أبواب المدينة الرائعة والمتعددة  وأسوارها التى بدت لى دائما كما  لو أنها قطع بسكويت ضخمة فى مكناس حيث الارض كلسية والشمس بقَدر يكفى لإنتاج أحلى الكروم والفواكه. مكناس حيث تنتج أجود انواع النبيذ فى العالم.  أقول هذا بصوت شبيه بالوشوشة . إنها مدينة كبيرة شيدت على هضبة واسعة وحلو فيها التجوال حيت بين الصعود والهبوط  تتبدل صورة المدينة ومن داخل أسواقها التى تعود القرن السابع عشر يمكن اقتناء هاتف ذكى صنع فى الألفية الثالثة.
■ من هو الرجل فى قصصك ومن أى زاوية ينظر للمرأة؟
الرجل فى قصصى هو رجل شاهدته فى مكان ما وكتبت قصة عن أنفه الجميل لأن ذلك فقط ما ظل عالقا فى ذهنى عنه. أو رجل التقيت به  أو عشت معه  كأبى وجدي. كائن يتخبط فى مأزق رجولته وولائه لقبيلته وعقيدته ورغباته وتقاليد بائسة تزيد من الثقل الذى يجره منذ أن ولد.  كذلك ارى أن الحياة تضع المرأة فى مأزق أنوثتها . مآزق تُضَيِّع  على كليهما  فرصة  اكتشاف  الحياة والاستمتاع بها.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى يتسلم رسالة من نظيره الغينى.. ويؤكد: التعاون مع إفريقيا أولوية متقدمة فى السياسة المصرية
«السياحيون «على صفيح ساخن
إحنا الأغلى
قرض من جهة أجنبية يشعل الفتنة بنقابة المحامين
كاريكاتير
واحة الإبداع.. «عُصفورتى الثكلى»
كوميديا الواقع الافتراضى!

Facebook twitter rss