صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

18 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

واحة الإبداع.. صُرْصُور ضَجِر

29 يونيو 2018



اللوحات للفنان
إيهاب شاكر

يسيل بجوار النيل فى بر مصر نهر آخر من الإبداع.. يشق مجراه بالكلمات عبر السنين.. تنتقل فنونه عبر الأجيال والأنجال.. فى سلسلة لم تنقطع.. وكأن كل جيل يودع سره فى الآخر.. ناشرا السحر الحلال.. والحكمة فى أجمل أثوابها.. فى هذه الصفحة نجمع شذرات  من هذا السحر.. من الشعر.. سيد فنون القول.. ومن القصص القصيرة.. بعوالمها وطلاسمها.. تجرى الكلمات على ألسنة شابة موهوبة.. تتلمس طريقها بين الحارات والأزقة.. تطرق أبواب العشاق والمريدين.  إن كنت تمتلك موهبة الكتابة والإبداع.. شارك مع فريق  «روزاليوسف» فى تحرير هذه الصفحة  بإرسال  مشاركتك  من قصائد أو قصص قصيرة «على ألا تتعدى 055 كلمة» على الإيميل التالى:    

[email protected]


 

قصة قصيرة

صُرْصُور ضَجِر

بقلم - رمضان سلمى برقي

يصلنى أزيز المروّحة على استحياء، مخترقاً الفُرَج بين ألواح الباب المتشبعة أخشابة المتآكلة بالماء.
تنقطع مياه الدش، تسقط آخر قطرتين فوق شعرى المُبلل، ويتوالى -من وجهي- تساقط قطرات المياه مقرقعة فوق بلاطات الحمام، وكأن كل الأصوات توقفت عداهما!
لم أضجر فقد تعودتُ انقطاع المياه فى مثل ذلك الوقت عصراً؛ ليس لديّ طلمبة كهربائية كى أجبرها على التدفق بماسورة شقتى بالطابق الأرضي.
ولم تعد هذه مشكلتى وحدى فقط، بل باتت مشكلة العمارة كلها، بل المنطقة النائية عن القاهرة والمزدحمة بالسكان بأكملها، الكل عرف طريقه للبراميل البلاستيكية والجراكن والزجاجات الكبيرة. لقد عدنا للبداوة من جديد.
أخرج عارياً بجسدى الضامر، وقامتى المعتدلة، أتناول جركن مياه من المطبخ، ثم أفرغه بجردل الحمّام، وأتناول الكوز. هكذا أفضل، ولكن أكُل هذا الجَدَب، والسدّ إياه لم تتم تعبئته وتشغيله بعد؟! أتساءل بها ثم أعد لغرف المياه وبعثرتها على جسدي.
انتهي، ثم أخرج مرتديًا ثيابي، أجول بنظرة متفحصة بغرفتى الشقة، فأتأكد بأن شريكى بالشقة لم يعد بعد!
على ضوء المصباح الأبيض الموّفِر؛ أشعل التلفاز ذو العلامة التجارية المنقرضة، المسجى فوق منضدة وطيئة بثلاث أرجل، ومحل الرابعة يقبع جردل بلاستيكى مقلوب.
وأنا جالس فوق السجادة الخضراء مُتآكلة الأطراف، والصَرَاصِير تفر من حولى عائدة صوب الحمّام؛ وكأننى أزعجتها بدخولي، وقد كانت تنتظر خروجى بفارغ الصبر! أُنصتُ إلى ذلك المحلِل السياسى الأربعينى الشهير، فى أحد برامج الثرثرة. كان مُتحمسًا، ووجه الغليظ لا تبين منه ملامح، وتتوارى رقبته خلف لُغد ضخم، وعَرَقه يتصبب من صلعته على وجهه قائلًا: «لابد أن نوقف «النمو السكاني»؛ ذلك النمو هو السبب فى حرماننا من الخيرات..»
كانت بدلته تبدو من خلف الشاشة حريراً، وكرشه كان ضخماً متدليًا فوق فخذيه؛ حد ستُ لو أنه فرد رجليه لاندلق بطنه أرضًا!
انتقلُ إلى محطة جديدة، أجد راقصة شبه عارية، وجوارها شاب ذكرتنى هيئته بمهرجين السيرك يغني، والراقصة تهز لحومها وشحومها المتدلية من كل اتجاه فرحة بنفسها وكأنها دكتورة جامعة، تشرح مالم يشرحه السابقون لها وربما اللاحقون!
وبما أنى أَعْذَب، لأنى مازلتُ صغيراً لم أجتز الأربعين عامًا بعد، وما أزل فى الخامسة والثلاثين، فانتقلتُ لمحطة غيرها، ثم غيرها.
يلفت بصرى المحلل السياسى الأصلع، فى محطة جديدة، ولكن فى برنامج يستضيفه وعائلته. أعرف البرنامج؛ كان يستضيف شخصيات شهيرة، ليناقش إنجازاتها سواء فى الحياة العملية أو السياسية أو الأسرية، وكان التصوير يتم فى منازل الضيوف.
كانوا يصورون على شفا حمّام السباحة الكبير، الزرقاء مياهه، ومن حوله شجيرات الورد والزينة متخذة أشكالا عدة. وكان المحلل السياسى الأصلع، يجلس على أريكة مُذهبة، فى حُلة مخملية، ومن حوله ستة أولاد؛ كانوا  أبناءه، وكانوا يتدرّجون فى أعمارهم مابين عشرين سنة وخمسة سنين.
كانت تبدو عليه السعادة الغامرة، حتى أن أسنانه كان لها حضور جيد طوال الحلقة. قال للمذيعة الرقيقة، ذات الشعر الكستنائى والصوت الرقيق المثير جنسيًا:
- حضرتك معزومة على عُرس إبننا؟
- متى سيادتك؟
- قريبًا إن شاء الله ستصلك الدعوة بالميعاد.
ضحكتْ المذيعة سائلة -بوديّة- العريس الذى بدا وقورًا خجلًا، ممتليء الجسم، منتفخ الخدود، منكوش الشعر، غائرة عيناه خلف لحم وجهه المكتنز:
- كم عمرك؟
ضحك بخجل:
- عشرون.
شهقت المذيعة محتجّة:
- لماذا تأخرت فى الزواج هكذا؟
قلبتُ المحطة سريعًا، فلو انتظرت ثانية واحدة لبكيتُ حزناً على هذا الابن المسكين! وبعد جولة ليست بطويلة، وجدتُ نفس المذيعة ذات الشعر الكستنائي، والصوت الرقيق المثير جنسيًا، فى برنامج ثرثرة تصرخ بأعلى صوتها، ولأول مرة لا يستثيرنى صوتها، فقد بدا هذه المرة أشبه بصوت شريكى بالشقة، بل إن صوته أجمل بكثير، كانت تصرخ فى المشاهدين مباشرة: «كيف انتَحرَتْ لأنها اجتازت الأربعين عاماً ولم تتزوّج؟ هى لا زالتْ صغيرة! ماهذه السذاجة التى أصابت شبابنا؟! هل تعتقدون أن الزواج: فستان أبيض، وبدلة سوداء؟...»
طوال عمرى كنتُ اعتقد أن الزواج: فستان أبيض وبدلة سوداء. ولكنى شكرتُ هذه المذيعة ذات الشعر الكستنائي، على توعيتى بأننى كنتُ موهومًا، وتنوير بصيرتى عندما أكملت قائلة: «الزواج أكبر فخ يمكن أن يقع فيه الشباب هذه الأيام؛ فقد أصبح كله مشاكل وشجار وتعاسة تنتهى دومًا بالطلاق!»
سمعتُ تكتكات معالجة شريكى «لكالون» باب الشقة، أغلقتُ التلفاز، ولمحتُ صُّرْصُوراً ضخمًا ينظر لنا من عقب باب الحمام، وعندما رآه شريكى - بعدما دخل- ضحك موجهًا كلامه للصُّرْصُور:
- عد حيث كنت لن أتحمم الآن؟

 

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

«الدبلوماسية المصرية».. قوة التدخل السريع لحماية حقوق وكرامة المصريين بالخارج
6 مكاسب حققها الفراعنة فى ليلة اصطياد النسور
تطابق وجهات النظر المصرية ــ الإفريقية لإصلاح المفوضية
بشائر مبادرة المشروعات الصغيرة تهل على الاقتصاد
وسام الاحترام د.هانى الناظر الإنسان قبل الطبيب
الاستثمار فى التنوع البيولوجى يخدم الإنسان والأرض
ندرك المعنى الحقيقى لأسطورة الخطيب

Facebook twitter rss