صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

متابعات

الاستخبارات البريطانية هى المسئولة عن الموافقات الأمنية لموظفى «بى بى سى» و«الجزيرة»

24 مايو 2018



ذاع صيت هيئة الإذاعة البريطانية منذ نشأتها كوسيلة إعلامية تلتزم بالمصداقية ونقل الخبر بكل موضوعية دون الانحياز لطرف سياسى على حساب آخر، لكن الصحفى البريطانى بول رينولدز، وهو مراسل صحفى لسنوات طويلة بالإذاعة البريطانية، يكشف تواطؤ الإذاعة الأشهر فى العالم مع أجهزة الاستخبارات البريطانية، حيث يتدخل جهاز «أم.آى 5» فى آلية اختيار المتقدمين لوظائف التى تقوم بتدقيق أمنى لمعرفة خلفياتهم السياسية فى غرفة رقم 105 السرية فى «برود كاستينغ هاوس»، وإذا كانت الوقائع التاريخية تقر بإقصاء بى. بى. سى من يحملون أفكارا يسارية عمالية، فإن تقريرا لصحيفة «أوبزرفر» البريطانية، يؤكد العلاقة التاريخية التى جمعت الاستخبارات بالإخوان المسلمين وأنها كانت تفضلهم بهذه الوظائف، وهو ما يكشف عنه استقطاب القسم العربى بالإذاعة على مدى سنوات من يعتنقون أيديولوجيا الإسلام السياسى.

تعود علاقة هيئة الإذاعة البريطانية «بى. بى. سى» بأجهزة الاستخبارات البريطانية إلى عقود طويلة، لكن أحد أبعاد هذه العلاقة تم الكشف عنه مؤخرا، ويشير إلى أن جهاز الاستخبارات الداخلى «أم.آى 5» كان مسؤولا عن التدقيق فى الخلفيات السياسية والأيديولوجية للمتقدمين إلى وظائف فى خدمات بي.بي.سى المختلفة.
ومن بين الأقسام التى كانت تخضع للتدقيق الأمنى خدمة بي.بي.سى عربي. وكان معروفا عن خدمة بى. بى. سى عربى، منذ نشأتها فى تسعينيات القرن الماضى، قبل أن يعاد إطلاقها مرة أخرى بعد الألفية الجديدة، أنها تستقطب الكثيرين ممن يعتنقون أيديولوجيا الإسلام السياسي، وكان الكثير من الموظفين ينتمون تنظيميا إلى الإخوان المسلمين.

شكاوى ضد الـ «BBC»

وعلى مدار سنوات تقدمت حكومات فى المنطقة بشكاوى عدة إلى إدارة هيئة الإذاعة البريطانية حول تغطيات المحطة التى كانت تتسم بالانحياز أحيانا ضد أنظمة حكم علمانية وتدعم الانفتاح، لكنّ موظفين كثر كانت تحوم حولهم شبهات انتماءاتهم السياسية.
ومع الوقت تحولت بي.بي.سى عربى إلى بؤرة ينشط فيها تنظيم الإخوان المسلمين، فى مدينة اتخذ منها التنظيم الدولى مقرا له. وكان إبراهيم منير، أمين التنظيم الدولى ونائب المرشد العام يتمتع بالقدرة على الظهور على بي.بي.سى فى أى وقت والدفاع عن الجماعة وخططها وسياساتها، خصوصا فى مرحلة ما يعرف بالربيع العربى.
كما كانت القناة متاحة أيضا لمسئولين آخرين فى التنظيم الدولي، على رأسهم مسئول الإعلام فى التنظيم محمد سويدان، الذى تحول إلى ما يشبه المتحدث الرسمى باسم التنظيم من خلال بي.بي.سى خلال فترة اضطرابات شهدتها مصر قبيل صعود الرئيس المنتمى للإخوان المسلمين محمد مرسى.
ويثبت التقرير، الذى كشفت عنه صحيفة «أوبزرفر» البريطانية، العلاقات التاريخية التى جمعت بين الإخوان المسلمين والاستخبارات البريطانية، التى لطالما استخدمت الإخوان كأداة رئيسية لرسم سياساتها الخارجية.
ويقول متخصصون فى الإعلام العربي، إن الاستخبارات البريطانية كانت تفضل المتقدمين من خلفيات إسلامية، أو ذات نزعة إسلامية، فى وقت لم يكن الإعلام العربى قد تعرف بعد على القنوات الإخبارية العربية واسعة التغطية، ولم تكن قناة الجزيرة قد تأسست بعد.
وفى وقت لاحق ستستقطب الجزيرة كوادر خدمة بي.بي.سى عربى لتأسيس أكبر مدفعية إعلامية ثقيلة ساندت الإخوان المسلمين فى التاريخ الحديث. ومثل صحفيو ومذيعو وتقنيو بي.بي.سى نواة الجزيرة ودفة سياساتها التحريرية المنحازة.
لكن نفس الممارسات أيضا انطبقت على خدمات بى. بى. سى حول العالم، بشكل تحولت معه بى بى سى إلى مكتب تابع للاستخبارات بشكل مباشر. واعتقدت أجهزة الاستخبارات أن هيئة الإذاعة البريطانية فى حاجة إلى عناصر يمكن الاعتماد عليها من أجل خدمة مصالح الحكومة البريطانية عبر الإعلام، كما أثرت هذه السياسة على سلك بي.بي.سى تاريخيا سياسة تحريرية تنتهج نهجا مؤدلجا فى داخل بريطانيا أيضا.

وقائع تاريخية

على مدى عقود مضت، أنكرت هيئة الإذاعة البريطانية بي.بي.سى تعاونها مع جهاز الاستخبارات البريطانية «أم. آى 5» من أجل التقصى حول جميع مقدمى الطلبات للعمل بالإذاعة الأشهر فى العالم، ثم اختيارهم أو إقصاؤهم من الوظيفة حسب انتماءاتهم السياسية.
لكن وقائع تقول إن تدخل جهاز الاستخبارات البريطانى فى قسم التوظيف بالإذاعة كان منذ بداية نشأتها عام 1922، واستمر حتى تسعينيات القرن الماضي. ويروى بول رينولدز، أول صحفى يطلع على جميع ملفات موظفى بي.بي.سى ممن خضعوا للتقصى السياسي، قصة العلاقة الطويلة بين هيئة الإذاعة والاستخبارات البريطانية.
فقد كتب أحد كبار المسئولين فى بي.بي.سى فى عام 1985 الكثير من تفاصيل التعاون بينهما الذى كان يتم إنجازه فى غرفة 105 فى «برود كاستينغ هاوس»، كان شعار تلك الجلسة السرية «ابق رأسك منخفضا، ولا تجب عن الأسئلة»، حيث يخضع المتقدم للحصول على فرصة عمل إلى تدقيق وفحص سياسى لكشف انتماءاته السياسية. واللافت أن بى. بى. سى ظلت تخفى علاقتها مع الاستخبارات وتنكر التواطؤ مع أجهزتها على مدى خمسة عقود من الزمن.
وفى أوائل عام 1933، بدأ المدير التنفيذى لبي.بي.سى كول ألان داوناي، بعقد اجتماعات لتبادل المعلومات مع رئيس الاستخبارات البريطانية، السير فيرنون كيل، فى شقة دوناى فى إيتون تيراس بتشيلسى.
وكانت تلك الفترة الشاهدة على توتر العلاقات الدولية والصاخبة بالأحداث السياسية، وهى فترة فاصلة بين الحرب العالمية الأولى لتمهد إلى الحرب العالمة الثانية عام 1939، تتميز إلى حد كبير بتطرف الخطاب السياسى الذى يجسده صراع بين الفاشية فى إيطاليا والنازية فى ألمانيا.
وتفطن الخصوم والحلفاء على حد سواء فى تلك الفترة إلى ضرورة التوجه إلى وسائل أخرى لتجييش شعوبها، فبدل الاكتفاء بطائرات مقاتلة ودبابات ومدافع رشاشة وقنابل يدوية كان هناك سلاح لا يقل أهمية وهو الدعاية الإعلامية.
وشهدت الحرب العالمية الثانية واحدة من أكبر المعارك الدعائية فى تاريخ الحروب: فطوال ست سنوات استخدمت أطراف الحرب كل الدعاية على نطاق تتضاءل ـ بالمقارنة ـ معه جميع الصراعات الأخرى، بما فى ذلك الحرب العالمية الأولى.
وبالنسبة إلى بريطانيا بدأت الحرب بالنسبة للغالبية من البريطانيين على الراديو، إذ أنَّ الخطاب الذى ألقاه رئيس الوزراء ليعلن فيه بدء الأعمال الحربية ضد ألمانيا النازية، والذى أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية صباح يوم 3 سبتمبر عام 1939 أسَّس فيه معالم المنبر المرتفع للمبادئ البريطانية الديمقراطية، من خلال قوله للمستمعين «إن لنا ضميرا نقيّا خالصا، ولقد فعلنا كل ما بوسع أى بلد أن يفعله لترسيخ السلام، ولكن أصبح من المستحيل التساهل فى موقف لا يمكن فيه الثقة بكلمة واحدة ينطق بها حاكم ألمانيا».
وأسس هذا الخطاب التبرير الأخلاقى الرئيس لخوض بريطانيا القتال، وسبب إعلانها مع فرنسا الحرب على ألمانيا بدلا من أن تعلن ألمانيا الحرب عليهما، والسبب الذى يوجب على البريطانيين أن يعدوا أنفسهم لمواجهة هجوم القاذفات الألمانية.
وكانت الأحداث الساخنة مبرز هيئة الإذاعة البريطانية للتعاون مع الاستخبارات، بل زادت الحاجة فى التعاون معها خاصة مع بداية ظهور خصم سياسى جديد وهو الاتحاد السوفييتى بعد نجاح الثورة البلشفية فى روسيا عام 1917، لمراقبة الأنشطة الشيوعية فى المملكة المتحدة وأمام مخاوف من أن تتسلل داخل الإذاعة، لذلك كان يتم إقصاء كل من يحمل أفكارا يسارية عمالية.
ومن ثم اتخذت هذه الممارسات غير الرسمية طابعا رسميا بعد ذلك بعامين، من خلال عقد اتفاق بينهما لفحص جميع الموظفين الجدد باستثناء الموظفين الذين يعملون بالنظافة، خوفا من قبول أشخاص قد يتسببون فى تخريب الشبكة الإعلامية فى وقت حرج، أو يكون بعضهم من المتآمرين الذين قد يشوهون هيئة بى. بى. سى.

نظام الفحص السياسي

هكذا بدأ نظام الفحص والتقصى السياسى لتوجهات الموظفين يأخذ اتجاها روتينيا. ومنذ البداية تعهدت هيئة بي.بي.سى بعدم الكشف عن دور جهاز الاستخبارات البريطانية أو عن حقيقة هذه التحريات. وقد كان هذا منطقيا للغاية بالنظر إلى أن هذه الخدمة السرية، وظلت سرية حتى إصدار قانون الأمن عام 1989.
بمرور السنوات، شعر بعض المديرين التنفيذيين لهيئة بي.بي.سى بالانزعاج بسبب اضطرارهم إلى القيام بتصريحات مخادعة، حتى لأعضاء البرلمان البريطانى الفضوليين. لكن عندما اقترح جهاز الاستخبارات تقليص عدد الموظفين الخاضعين للفحص، احتجت هيئة الإذاعة البريطانية على مثل هذه الخطوة. وعلى الرغم من وجود بعض المعارضين لهذه العملية السرية داخل الهيئة، إلا أنهم لم يُحدثوا أى تأثير يُذكر حتى بدأت الحرب الباردة فى الانصهار فى ثمانينيات القرن الماضى.
أما الطريقة التى كان يعمل بها نظام الفحص بهدف معرفة التوجهات السياسية للمتقدم إلى الوظيفة فى بي.بي.سي، فيتم تطبيقها فور اختيار مرشح واحد واثنين آخرين كبديل له ممن تجدهم الهيئة مناسبين للحصول على عمل. وتلعب البدائل هنا دورا مفيدا. حيث إذا تم رفض المرشح الأول كنتيجة للفحص السياسى الذى تعرض له، يقع الاختيار بالتالى على بديله الأول.
ويتم إخبار المرشحين للوظيفة فقط بأنه سيتم تنفيذ بعض الإجراءات الشكلية قبل تحديد موعد القبول النهائي. وهكذا بدا الأمر بريئا بما فيه الكفاية. حيث يعتقد المرشح أن الهيئة تُجرى استعلاما عنه فقط من خلال وثائق شخصية. لكن لم يكن المرشحون على دراية بأن هذه الإجراءات الشكلية تعنى الفحص والتدقيق للتعرف على خلفياتهم وتوجهاتهم السياسية، وكانت فى الحقيقة، كلمة السر لنظام بأكمله.
وفى إحدى المذكرات التى نُشرت عام 1984، تم سرد قائمة بالمنظمات والأحزاب المثيرة للجدل، منها الذى ينتمى للتيار اليساري، مثل «الحزب الشيوعى البريطانى»، و«حزب العمال الاشتراكى»، وبحلول هذه المرحلة، كانت هناك مخاوف أيضا بشأن الحركات اليمينية، مثل حركة «الجبهة الوطنية» والحزب الوطنى البريطانى.
لم يكن المتقدم للوظيفة بحاجة إلى أن يكون عضوا فى هذه المنظمات، ولكن يكفى أن يكون متعاونا مع أيّ منها. وإذا عثر جهاز الاستخبارات على شىء ما ضد مرشح، فتترتب على ذلك جملة من الإجراءات العقابية، حيث ينصح جهاز المخابرات بعدم توظيف هذا المرشح المحظور خشية أن يؤثر بشكل مباشر على مادة البث لغرض تخريبي.  وفى الصنف الثانى من الإجراءات، وهى الأقل تشددا، تنصح الاستخبارات بعدم قبول المرشح ما لم يؤخذ فى الاعتبار بعض الاعتبارات الأخرى وفى صورة التزامه بها قد يفوز بالوظيفة.
ولا تقضى المعلومات التى تحصلت عليها الهيئة بضرورة حظر المتقدم للوظيفة، لكن هيئة الإذاعة البريطانية قد تفضل إجراء ترتيبات أخرى إذا رأت أن الوظيفة نفسها تتيح فرصة استثنائية للنشاط التخريبي.
وما يثير الانتباه أن بي.بي.سى لم توظف مطلقا أى مرشح انطبق عليه التقييم الأول، على الرغم من أن القليل منهم استطاع اجتياز اختبار التوظيف وأصبح موظفا فعليا فى الهيئة. وهنا تتناقض تماما مع موقفها العام، ومع حقيقة أن الهيئة كانت تسيطر على جميع التعيينات، والذى من الممكن أن يكون صحيحا من الناحية النظرية فقط.
ففى الناحية العملية، أعطت بي.بي.سى الخيار لجهاز الاستخبارات حق إصدار قرار القبول بالتوظيف فى حالة المرشح الذى ينطبق عليه النوع الأول من التقييمات.
وإذا أصبح الموظف، بعد أن يتم تعيينه، فى موضع شك أو أنه تقدم بطلب نقل إلى وظيفة تحتاج إلى الفحص، يتم رسم رمز يشبه «شجرة الكريسماس» على ملفه الشخصي، حيث كان هذا الرمز جزءا مهمّا فى عملية التوظيف هذه.

شجرة الكريسماس

وقد احتفظت هيئة بي.بي.سى بقائمة نقل الموظفين التى حوت أسماء الذين خضعوا للفحص إذا أرادوا الحصول على ترقية. وبمجرد وضع علامة شجرة الكريسماس على ملف أحدهم، فهذا يعنى أنها «حالة أمنية». كما كان يتم كتابة مصطلح «تذكير دائم» على ملفاتهم تحت عبارة «لا يجب ترقيته أو نقله، أو وضعه فى عقد مستمر، دون الرجوع إلى مدير شئون الموظفين».
ومن ثم حرصت هيئة بي.بي.سى على الحفاظ على سرية العملية من خلال قيامها بإزالة مصطلح «التذكير الدائم» من ملف الموظف إذا تم استدعاؤه إلى محكمة العمل، والتى كان لديها الحق فى النظر فى الملفات الشخصية للموظفين.
كما تم الاتفاق، بشكل مضلل، على أن يتم تفسير عبارة «تم إنجاز كافة الإجراءات الشكلية” الموجودة على الملفات على أنها تشير إلى بعض «الإجراءات الروتينية، أقرباء الموظف، وإجراءات تقاعده».
وفى نهاية الأمر، تم إبطال العمل برمز شجرة الكريسماس فى عام 1984 لأنه قيل إنه جذب الكثير من الاهتمام وأثار الجدل لدى الرأى العام، بعدما كشفت صحيفة “الأوبزيرفر” حقيقته عام 1985. وفى اليوم التالى لكشف هذه الحقيقة، علق أحدهم بعض زينة عيد الميلاد على مقبض باب غرفة 105 فى «برود كاستينغ هاوس»، التى كانت شاهدة على تبادل المعلومات بين بي.بي.سى وهيئة الاستخبارات البريطانية.

نقلاً عن جريدة «العرب» اللندنية أمس
للكاتب السورى إياد الخطيب

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

سَجَّان تركيا
وداعًا يا جميل!
«البترول» توقع اتفاقًا مع قبرص لإسالة غاز حقل «أفردويت» بمصر
ضوابط جديدة لتبنى الأطفال
ادعموا صـــــلاح
مفاجآت فى انتظار ظهور «مخلص العالم»
الحلم يتحقق

Facebook twitter rss