صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

24 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

أجراس كنسية

هل ظهرت الرهبنة القبطية هروبًا من الاضطهاد الرومانى؟

5 ابريل 2018



بيشوى فخرى

 

اعتقد البعض خطأ أن الرهبنة القبطية ظهرت نتيجة الاضطهاد الرومانى، زاعمين أنه ضاق الأمر بالأقباط فلم يكن لهم ملجأ سوى الصحراء!
 وإن كان التاريخ سجّل بعض من النماذج التى التجأت إلى برارى مصر هروبًا من بطش الحكّام أو المستعمرين، إلا أنهم لم يمثلوا إلا قلة لا تعبر عن فلسفة الرهبنة وحقيقة ظهورها واستمرارها بهذه القوة الواضحة حتى أن النسك القبطى أمسى من الخصائص الأساسية لكنيسة مصر، الأمر الذى جعل البطريرك السكندرى أصبح يٌختار من طغمة الرهبان.
ويمكننا توضيح الأمر والرد على هذا الادعًاء بالبحث فى النقاط الآتية:

من المعروف أن على الإنسان الذى آثر أن يعيش حياته منكرا لذاته، معطيًا حياته لله فى عباده كامله، أن يعيش متجردًا من كل مباهج الحياة ويقبل على نفسه أن يًلى عليه صلاة الموتى عند سيامته راهبا، ويمتنع عن حقه فى أن يعيش إنسانًا مرفهًا، متزوجًا متنازلاً عن احتياجاته المسموح بها لإنسان عادى، فهو اختار أن يموت قبل أن يموت، مائتًا عن كل رغبة أرضية، فى سبيل أن يحيا متجردًا مع الله ولله دون شاغل.
فيقول أبونا بنيامين المحرقى: «فالرهبنة فى عمقها هى الموت عن العالم من أجل الحياة مع الله، وهى نفسها فلسفة الاستشهاد، فالشهيد يسفك دماءه للمسيح دفعة واحدة، والراهب يقدمها قطرة قطرة من خلال نسكه وحياة الجهاد والتسبيح المستمر لله.. حياة الراهب فى عمقها، هى حياة استشهاد يومى.. فالراهب شهيد حى تخلى عن مجد العالم الزائل، وإن لم يكن شهيدا قطع رأسه بالسيف، لكنه شهيد الحب الإلهي، يدخل قلايته فيقدم ذاته ذبيحة كل يوم، بل كل وقت.. الدافع للحياة الرهبانية هو نفسه الدافع للاستشهاد وهو الحب الإلهى.. بنفس الفكر وعين الهدف ركض الشهداء حيث ساحة الاستشهاد وركض الراهب إلى البرية، فهدف الشهيد هو البلوغ إلى الله وهو عينه هدف الحياة الرهبانية، تقديم كل شىء لله، كل الوقت، كل القلب، كل الفكر، كل القوة.»
فيذكر أنبا متاؤس رئيس دير السريان: «كثيرون من الرهبان الأوائل عاصروا فترات الاستشهاد، ولما لم يكن لهم حظ فيه ولم ينالوا أكاليل المجد عن طريق سفك دمائهم آلوا على أنفسهم أن يسلكوا طريق الاستشهاد الإرادى البطىء، وأرادوا أن يتحملوا فى سبيل مسيحهم الذى تألم واستشهد من أجل خلاصهم كل ما يستطيعون أن يتحملوه من جهاد وتعب..أرادوا أن يعوضوا ما فاتهم من فرص ذهبية للاستشهاد باستشهاد من نوع آخر يصل بهم إلى نفس الهدف، هو الاستشهاد بذبح إرادة الجسد بالنسك الشديد والجهادات الصارمة فى البرية.
كما عُرف أماكن سكنى الرهبان بموضع الشهادة، كما جاء فى سيرة القديسان مكسيموس ودوماديوس، إنه لما جاء زائرين إلى أنبا مقار الكبير قال لهم : تعالوا بنا نزور شهادة (قبر) الإخوة الغرباء الصغار، حيث إن كلمة (مارتيريوم) كان يعنى بها الهياكل الصغيرة التى تقام تكريما للشهداء وقد اعتبر القديس مكاريوس أن مكسيموس ودوماديوس قد شهدا للمسيح بسيرتهما وجهادهما وفضائلهما وصمتهما.
فمن المعروف أن ما عاناه الشهداء من ضروب التعذيب وما أظهروه من إيمان عجيب وبطولة روحية فائقة، كل ذلك وما إليه آثار ولا شك جوًا من الغيرة التى أكدت الوازع الدينى فى قلوب الكثيرين، حتى أنه بعد زوال عصرها كان لا يزال هناك بعض المتحمسين الذين كانوا يتوقون للاستشهاد باعتباره أقصر طريق للسماء. فلما فاتتهم فرصة ذلك آثروا حياة الوهد والعبادة مادامت ستؤدى فى النهاية إلى نفس الغاية.
ولا ننكر أنه عندما بدأ اضطهاد ديسيوس أطاع الكثير من المسيحيين أساقفتهم وهربوا إلى البرارى حيث عاشوا هناك حياة نُسكية تحت ظروف قاسية، لكن عندما انتهى الاضطهاد، لم يرجع البعض إلى مُدُنِهِم بل ظلُّوا فى البرارى يحييون حياة النسك الشديد، إذ علموا أن لكل فرد فى الكنيسة رسالة خاصة ودور معين، البعض يشهد بموته من أجل الله، والبعض يشهد بحياته مع الله.
ولأن الرهبنة فى جوهرها هى موت عن العالم تكون قراءات طقس الرهبنة تشبه إلى حد كبير قراءات طقس الصلاة على الأموات بما فيها من ألحان حزينة مؤثرة...
ويتم إجراء طقس الرهبنة بأن ينام الأخ على ظهره على الأرض أمام أجساد القديسين ويضع يديه على صدره مثل نوم الميت تماما ثم يغطى بستر كبير كما يغطى الميت وهو فى نعشه.
إذن لم تكن الرهبنة هربًا من الأضطهاد بل هى الامتداد الطبيعى لممارسة حياة الأماتة من أجل الله، واتخاذ مسلك الموت بطريق مواز يؤدى إلى نفس الغرض لمن فات عليه فرصة الاستشهاد، فصار شهيد كل يوم وكل اليوم، يسكب لا دمه بل عرق جهاده ودموع توبته مائتًا عن الحياة، حيًا بالموت من أجل الله.


لمعرفة جوهر الحياة الرهبانية، دوافعها، وفلسفتها، وحياتها، ينبغى تتبع منهج مؤسس هذا الطريق وحياته، وسيرة الأنبا أنطونيوس هى فى الحقيقة قانون للحياة الرهبانية فى صورة قصة، والنموذج الذى صار بحياته قدوة لمن يشتاق لهذا الطريق، وفى سيرته نقرأ أن خروجه للصحراء للتعبد لم يكن هروبًا من الاضطهاد بل تلبية لدعوة إلهية شعر بها أثناء وجوده فى الكنيسة، وتنفيذ الوصية هى الدافع الحقيقى والهدف الأصيل الذى ظل يسعى فى تحقيقه طوال حياته، وبعد أن بدأ حياته الرهبانية واشتد الاضطهاد اشتهى كثيرًا نوال الشهادة لكن الله حفظه، ويكتب البابا أثناسيوس سيرته العطرة التى ساهمت فى انتشار الرهبنة فى العالم كله فيقول: «عندما اقتيد الشهداء الأطهار القديسون إلى الإسكندرية كان أنطونيوس يتبعهم، لأنه ترك الدير قائلا: لنذهب نحن أيضًا، كى نجاهد إذا ما دعانا الرب أو حتى نرى المجاهدين. وقد تاقت نفسه بشوق نحو الاستشهاد، لكن بما أنه لم يشأ أن يسلم نفسه كان يخدم المعترفين بالإيمان فى السجون والمناجم وكان يشدد غيرتهم ويشجعهم فى ساحة القضاء، إذ جاهد من أجل تشديد حماس المدعوين إلى المحاكمة. وكان يقبل الشهداء ويرافقهم حتى يكملوا الجهاد . ولما رأى القاضى شجاعته وشجاعة مرافقيه حتى يكملوا الجهاد .
ولما رأى القاضى شجاعته وشجاعة مرافقيه وغيرتهم أمر ألا يظهر أحد من الرهبان أثناء المحاكمة وألا يبقوا فى المدينة . ولذلك فكّر الرهبان الآخرون أنه من الأصلح الا لاختفاء فى ذلك اليوم، أما أنطونيوس لم يبال بهذا الأمر، بل غسل ثوبه جيدًا ووقف فى اليوم الثانى فى مكان مرتفع أمام القائد حتى يراه بوضوح . فتعجب الجميع من شجاعته، لأنه كان يسير مع رفاقه دون خوف أمام القائد، مُظهرًا الغيرة التى نتمتع بها نحن المسيحيين. كما كان يصلى لكى يستشهد، كما قلت سابقًا، وكان يبدو حزينًا لأنه لم يستشهد لكن الرب حفظه من أجل منفعتنا ومنفعة الآخرين، حتى يكون معلمًا للكثيرين عن النسك الذى تعلمه من الكتاب المقدس....عندما توقف الاضطهاد الذى استشهد فيه البابا بطرس فى 25 نوفمبر 311م . عاد أنطونيوس إلى الدير ليقدم فى كل يوم شهادة الضمير، مجاهدًا فى سبيل الإيمان وفى سبيل ممارسة نسك أكبر وأكثف وأشد صرامة».
هكذا سجّل لنا التاريخ إشتياق أب الرهبان لنوال الاستشهاد ولم ينسحب إلى مغارته، بل بشجاعه نادرة أظهر نفسه مستعدًا للموت مشددًا الذين أًخيروا للمحاكمة الرومانية. ليس هذا فحسب بل أنه قطع خلوته ووحدته التى كان يعشقها لينال الشهادة وصّلى إلى الله من أجل هذا الأمر لكن الله حفظه لسبب آخر.


لم تظهر الحركات النسكية ردًا على موجات الاضطهاد الرومانى، بل تزامن وجودها مع بدء المسيحية نفسها، وصار وجود الجماعات النسكية علامة من علامات وجود المسيحية فى أى من بقاع الأرض!.
وفى مصر خاصة هذا البلد التى أنجبت أعظم النساك، خرجت أول إرهاسات الحياة النسكية، نسمع ولأول مرة عن جماعة نسكية تسكن وادى النطرون فى منتصف القرن الثانى الميلادى، وجماعة أخرى عاشت فى بيوت للعذارى شبيهة بالأديرة اليوم وأخرى عاشت فى برية أخميم.
ويبدو أن الحياة النسكية كانت تنمو كثيرًا مع تزايد الاضطهاد فقد كان هذا مع القلاقل والظلم والتعسف يعطى المؤمنين نوع من التعفف النسكى الشديد، لأن فى هذا الضيق يشعر المسيحى بحماية الرب الحقيقية والعملية له، فيستهين بالآلام مفتخرًا بالضيق ...ليس هناك من يخاف من الاضطهاد ويذهب متوغلا فى الصحراء، لأن التوغل فى الصحراء الداخلية، ليس علامة على ضعف الايمان بل قوة الإيمان والاتكال على الله، لأن التيه والجوع والعطش والحيوانات المفترسة وأنواع الدبيب السامة المختلفة حتمًا سيؤديان بالهارب الى الموت.

 

رغم الاتهام الشديد للرهبنة بأنها حركة هاربة من موجة الأضطهاد إلا أن التاريخ لا يبخل علينا بنماذج لا حصر لها من الشهداء الرهبان الذين استشهدوا فى أماكن نسكهم فى الصحراء مثل الرهبان الذين استشهدوا على يد هجمات البربر فى عدة غارات على برية شيهيت، ففى الغارة الأولى عام 407م وقبل هجوم البربر على وادى النطرون تنبأ القديس موسى الأسود بقدوم البربر ونبّه الرهبان لمن يريد الاختباء من وجه الموت القادم، ولكن الرهبان تمسكوا بأماكنهم وآتى البربر ومعهم أكاليل الاستشهاد للأب موسى والسبعة الرهبان الذين معه، وفى الغارة الآتية على وادى النطرون عام 444 م وقف شيخ عظيم يقال له الأنبا يؤانس ونادى الإخوة الرهبان قائلًا: «هوذا البربر قد أقبلوا لقتلنا، فمن أراد الاستشهاد فليقف ومن خاف فليلتجئ إلى القصر(الحصن)». فالتجأ البعض إلى القصر وبقى مع الشيخ ثمانية وأربعون، فذبحهم البربر جميعًا!».
وعلى يد الحاكم مرقيان استشهد خمسة آلاف راهب مع أسقفهم الأنبا يوليانوس بصحراء أنصنا (ملوى)
وفى زمن البابا خريستوذولوس (1047-1077م) الــ 66 اجتاحت قبيلة البربر المعروفة باسم «اللواته»عام 1069م الوجه البحرى، ونهبت أديرة وادى النطرون، وقتلت معظم رهبانها، ومزقّت شمل الباقين....
وفى منطقة برارى بلقاس استشهدت القديسة الناسكة دميانة ومعها أربعون عذراء كن يتعبدن لله فى نسك رهبانى أصيل ولم يخشن هجوم الاضطهاد واستقبلن الموت كما عشن الرهبنة بفرح!

لو افترضنا أن الرهبنة القبطية ظهرت هربًا من الاضطهاد الرومانى أو غيره، فأبسط الردود المنطقية هو إذا كان هذا الافتراض حقيقة، فلماذا الرهبنة مستمرة حتى الآن بكل قوتها رغم انتهاء موجة الاضطهاد؟ وهل ظهور نماذج فردية هربت من الاضطهاد إلى الرهبنة يمكن أن نعممها لنقول إن الرهبنة القبطية بكامل بهائها وجمالها ظهرت هربًا من الاضطهاد؟ وماذا عن الرهبان الذين أتوا من خارج مصر ليترهبوا فى أديرتها ومنهم من كان معلم أولاد الملوك (الأنبا أرسانيوس)، أو من أولاد الملوك( القديسان مكسيموس ودوماديوس)،( والقديسة إيلارية ابنه الملك زينون)؟. وهل إذا قرر إنسان الهرب من الاضطهاد يلجأ إلى البرية القفرة ليعيش وسط الوحوش والحيوانات المفترسة فى الصحراء بلا مأوى، وبلا ضمان وأمان لحياته ومستقبله؟ وهل وجد فى البرية الأمان الذى لم يجده فى العالم؟. وكيف لمن هرب من الموت لأجل الله، أن يترهب ويعيش مع الله.?
كما يلزمنا أيضًا أن نعرف أن الرهبنة القبطية ازدهرت فى التجمعات الرهبانية بصورة مستمرة ومنظمه فى أغلب أماكنها بعد إصدار مرسوم ميلان 313م المعروف بمرسوم التسامح الدينى والاعتراف بالمسيحية كديانة رسمية. فمثلاً نجد القديس أنبا مقار بدأ حياته الرهبانية مؤسس رهبنة وادى النطرون عام 340م أى بعد مرسوم ميلان بعدة سنوات واستمرت بقوة حتى الآن رغم مرور اضطهادات وغارات وأعمال تخريب عديدة... إلخ.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

مندوب اليمن بالأمم المتحدة: موقف مصر من قضيتنا عروبى أصيل يليق بمكانتها وتاريخها
القاهرة ـــ واشنطن.. شراكة استراتيجية
مشروعات صغيرة.. وأحلام كبيرة
وزير الاتصالات يؤكد على أهمية الوعى بخطورة التهديدات السيبرانية وضرورة التعامل معها كأولوية لتفعيل منظومة الأمن السيبرانى
«فوربس»: «مروة العيوطى» ضمن قائمة السيدات الأكثر تأثيرًا بالشرق الأوسط
موعد مع التاريخ «مو» يصارع على لقب the Best
تحاليل فيروس «سى» للجميع فى جامعة المنيا

Facebook twitter rss