صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

مسرح

«هاملت» كما لم تره من قبل فى «السيرة الهلامية»

12 يناير 2018



كتبت - هند سلامة

«السيرة الهلامية».. سرعان ما يتبادر إلى ذهنك تساؤل واستغراب من اسم العرض الصادم والساخر فى آن واحد، والذى قد يوحى لك بالسخرية من «السيرة الهلالية»، لكن عندما تدخل إلى قاعة مسرح الطليعة، ستكتشف أنه بالفعل ارتدى عددا من أبطال العمل الجلباب وجلسوا فى وضع الأوركسترا أمام قائدهم بالمستوى الثانى فى عمق خشبة المسرح، حاملين آلات موسيقية ينشدون أشعاراً بدأت بمطلع السيرة الهلالية «اوعاك تقول للندل يا عم»، ثم يبدأ هؤلاء المطربون فى حكى القصة التى نحن بصدد مشاهدتها فى «السيرة الهلامية»..

إعادة تأويل «هاملت» من جديد

من المعروف أن مسرحية «هاملت» من أكثر أعمال شكسبير زخما وتراجيديا، والزخم يأتى من شدة احتواء هذه الشخصية على مجموعة من التناقضات النفسية والإنسانية والفكرية، تفتح المجال لكل مخرجى الدراما إلى قرأتها وتأويلها بشكل مختلف وبما يتناسب مع المنطق الفكرى والمنهج الإخراجى للجميع فهى معين لا ينضب فى البحث والتمثيل، ولذلك فتح المخرج محمد الصغير والمؤلف الحسن محمد خيالهما على هذه الشخصية وسبحا بها إلى أن قدما الإطار الدرامى لقصة هاملت فى حكاية هراس الفتى الصعيدى الذى رويت قصته على غرار أسلوب حكى السيرة الهلالية، مع عمه وأمه وشبح أبيه الذى ظهر له يطالبه بالأخذ بالثأر وخوفه وتردده وفزعه من فكرة قتل عمه حتى أنه يخرج من أعماقه اثنين أحدهما ليس له معالم تحدد شخصيته أو وجوده، والآخر كائن استعراضى يستعرض بجسمه وشاربه أكثر مما يفعل شيئا وينتهى الأمر فى «السيرة الهلامية» بشلل شبح أبيه الذى ظل ينتظر الثأر الذى لم يتحقق على يد ابنه إلا فى نهاية العرض على يد من لم يكن لوجوده مبررا من الأساس.

 الصغير يحطم أصنام شكسبير..!

من فعل ذلك بآلهتنا؟.. إنه فتى يدعى الصغير..!، هكذا ينسج ويغزل محمد الصغير بجرأة شديدة كلاسيكيات المسرح العالمي، يقدمها فى قالب جديد ويخرج بها عن كل  معهود ومألوف، يجعلك تعيد قراءة ما قتل قراءة وبحث، على مدار عقود وسنوات، وتتأمل ما تأمله نقاد وبحاثون اصحاب تأويلات ونظريات علمية حاذقة، تجد لهذا الرجل طابعاً فنياً ومنطقاً خاصاً وقراءة مغايرة تماما للأعمال الكلاسيكية يحطم بها الأصنام، ويهدم بها المعبد على كل من سبقوه، فهو يستطيع بمهارة شديدة تحويل أى عمل كلاسيكى تراجيدى إلى عمل كوميدى من الألف إلى الياء أو إن شئنا الدقة تحويله إلى مسخرة أو ملهاة أقرب إلى المهزلة وهو نوع من الكوميديا لا يهدف إلى شىء سوى إثارة الضحك لمجرد الضحك، بينما إذا تأملنا قليلا فى أعمال الصغير سنجد أن هناك فلسفة وفكرة أيضا وراء قراءة أعمال وليم شكسبير الأشد قتامة ودرامية بشكل كوميدى ساخر، من هذه الشخصيات الملحمية التى ظلت سنوات تثير فى نفوسنا الحزن والألم بل والإندماج إلى حد التأسى عليها وعلى مصيرها المحتوم بشكل مبالغ فيه «روميو وجوليت» ومؤخرا «هاملت» وتعد شخصية «هاملت» أكثر أعمال شكسبير تعقيدا فهو شخصية مركبة تحمل الكثير من العمق والتناقض الشديد فى الفعل ورد الفعل، واحتار فى نقده وتفسيره النقاد ليأتى هنا الصغير ويضرب عرض الحائط بكل نقد وتأويل وعمق فى قراءة هاملت ويعلن أنها مجرد شخصية «هلامية»..!

«هاملت» شخصية هلامية..!

نعم «هاملت» فى رأيى الصغير وأعوانه مجرد شخصية «هلامية» تحولت على ألسنة النقاد إلى سيرة ظل يتوارثها أجيال وأجيال منهم من رأها سيرة تستحق النقد والتأويل والتشريح النفسى ووضعوا لها نظريات وتطبيقات علمية فاختلف فى نقده وتحليله الكثيرون بينما رأها الصغير شخصية هلامية غير واضحة المعالم وغير قادرة على الفعل أو حتى رد الفعل، هى شخصية تظل تحوم حول نفسها لتفهم نفسها لكنها تفشل فى الوصول إلى شيء منطقى أو فى اتخاذ موقف حقيقى ورد فعل قوى تجاه اى شىء، سواء بالثأر لأبيه أو بإتخاذ موقف ايجابى تجاه أمه أوحبيبته، ومن فرط هلاميته وقوعه فى فخ السؤال الأشهر «أكون أو لا أكون» الذى حوله الصغير بسخرية شديدة إلى «أكون ولا ما أكونش»، «أخذ بالتار ولا ما اخودتشى».. تدرج حجم عدم وضوح المعالم فى شخصية هاملت إلى ثلاثة مستويات بتقديم هاملت فى ثلاث شخصيات الأكثر ثم الأقل بنسبة ضئيلة ثم الأكثر هلامية على الإطلاق، وهى الشخصية التى انعدم أثرها الدرامى بالمسرحية، فالأول شخص تافه أقرب إلى طفل صغير حوله بشكل كرتونى إلى رجل بدين يعلق فى عنقه «زمزمية» وكأنه هارب من المدرسة لا يعبأ بشيء سوى الطعام حتى عندما ظهر له شبح أبيه يؤكد له أنه ظل عاكفا على قبره منذ وفاته لشغفه بأكل الأقراص التى توزع على أراوح الموتى، ثم آخر صاحب شارب طويل وعمامة وحاجبين اشعثين قد يوحى لك بالشر والدموية لكنه مجرد كائن هلامى أيضا يتحدث ويصرخ أكثر مما يفعل شيئا حقيقىا له أثر أو قيمة، ثم الأكثر بلاهة الأخير الذى يرتدى جلبابا وضع عليه علامة استفهام فهو لايعلم سببا لوجوده بالعرض سوى سيره ذهابا وايابا طوال أحداث المسرحية يلقى السلام على الأبطال والجمهور فى فواصل متفرقة وإمعانا فى السخرية نكتشف أن هذا الرجل الأكثر تجنبا للأحداث هو من سيقع على يديه الأخذ بالثأر بالمصادفة دون قصد، حتى أنه مع نهاية العرض سيقول عمه ساخرا اثناء موته «أخيرا بقى لك مبرر درامى»!!

جرأة الطرح والتأويل

قراءة مسرحية جديدة ومغايرة تماما لهاملت ليس فقط بربطها بفكرة الأخذ بالثأر فى الصعيد ورواية السيرة الهلالية لكن فى فكرة تحويل مسرحية هاملت من تراجيديا إلى مسخرة واعتباره كائنا هلاميا ليس له نفع أو فائدة، وكذلك بالمبالغة فى رسم الشخصيات سواء من خلال الملابس أو المكياج الذى تفردت به كل شخصية على الأخرى بدءا من هاملت وصديقه هوراشيو وكذلك الأم التى لعب دورها رجل تنكر فى صورة إمرأة لإضفاء مزيد من المبالغة، فالجميع  قدم دوره بأداء مبالغ فيه خاصة من لعب دور الأم والذى كان أكثر تميزا ولفتا للانتباه، ففى هذا العرض لعب الصغير على منهج الكوميديا دى لارتى كما ينبغى أن يكون وقدم ما لم يجرؤ مخرج مسرحى على فعله، فتحولت معه وعلى يديه شخصيات مسرحية هاملت إلى شخصيات كرتونية مبالغ فيها سواء من خلال الملابس الصعيدية أوالشوارب الطويلة بشكل غير منطقى بمعظم شخصيات الرجال والتى توحى بالضخامة فى الشكل وضعف المضمون فجميعهم ذوى شوارب ضخمة لكنهم كائنات فارغة هزيلة من الداخل، باستثناء شبح الأب الذى بدا إلى حد كبير رجلا له هدف واحد يصر على الوصول إليه ولم يهدأ إلا ببلوغ غايته فى النهاية فهو الوحيد المقدم على فعله بلا تردد او خوف ومن قبيل السخرية  ركب له المخرج جناحى ملاك باعتباره جاء من العالم الآخر.

دقة اختيار الممثلين

بالطبع حتى يصل المخرج إلى غايته بتقديم عمل يحمل هذا القدر من الكوميديا والسخرية على شخصية ذات ابعاد درامية صعبة ومعقدة مثل هاملت لابد أن ينتقى ممثليه وفى هذا العرض اتقن الصغير بحرفية فنية عالية اختيار وتوظيف مجموعة من الموهوبين فى لعب وأداء شخصيات هاملت فالجميع بلا استثناء أدى دوره بإتقان ومهارة عالية واستطاعوا الجمع بين الأداء الساخر لكل شخصية مع الاحتفاظ بقدر البلاهة فيها بدرجات متفاوتة حسب ما رسمها المخرج والمؤلف دون زيادة أو نقصان، بدءا من محمود المصرى هراس1، ثم محمد إبراهيم فى دور العم، رأفت سعيد الأم، يوسف سليمان زغلول، مصطفى السعيد الشبح، حسن عبدالله هراس 2 وهو ما كان مفاجأة العرض تقديمه فى شكل مغاير لما اعتدناه بأعمال مسرحية سابقة، بلال على هراس 3، مها حمدى سنية، عمرو بهى لؤى، رامى عبد المقصود دعدور، تأليف الحسن محمد، تأليف موسيقى محمود وحيد، ديكور مصطفى حامد، ملابس هبة مجدى، اشعار عبد الله الشاعر، مكياج إسلام عباس.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى فى الأمم المتحدة للمرة الـ5
إعلان «شرم الشيخ» وثيقة دولية وإقليمية لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر
«كلنا واحد» فى الواحات لمساعدة المواطنين.. والأهالى: تحيا مصر
خطة وزارة قطاع الأعمال لإحياء شركات الغزل والنسيج
مصر تحارب الشائعات
توصيل الغاز الطبيعى لمليون وحدة سكنية بالصعيد
الحياة تعود لـ«مانشستر» الشرق

Facebook twitter rss