صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

18 اكتوبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

فى معرضه المقام بجاليرى «ضى».. الفنان «مصطفى الفقى» بين التنوع وغواية التجريب

20 ديسمبر 2017



كتبت - نهى حنفى


ينتمى الفنان والمصور«مصطفى محمد أمين الفقى» الشهير بـ«مصطفى الفقي» لجيل من الفنانين ذى حظٍ وافر حيث بدأوا حياتهم الفنية فى فترة الستينيات وعاصروا أساطين الفن آنذاك مثل «عبد الهادى الجزار» و«حامد ندا» وغيرهما ممن كان لهم شديد الأثر فى إثراء الحركة الفنية، هذا إلى جانب معايشتهم الحراك المجتمعى فى تلك الفترة فى مصر مما ساهم فى اتقادهم الإبداعى.
تأثر «الفقى» فى بداياته بالرومانسية الغنائية فى تناول مظاهر الحياة الشعبية، إلا اتجه لتصويرها بوصفها سجل تاريخى حي، لذا التقط «الفقى» طرفاً من الأنشطة اليومية التى عايشها فى فترة مبكرة من حياته، وصورها من خلال لقطات تمثل مشاهد بين الأسواق والدكاكين، مظهراً الهم الساكن بوجوه البشر الضاوية والعنفوان المنسحب من أجسادهم ليسكن بالأكف القابضة على سبل البقاء إذا ما استطاعوا إليها سبيلاً.
كما رصد الفنان التغيرات التى طرأت على قيم الحياة الشعبية بمرور الزمن، وتلبس الإنسان بصفات الجشع و الشره والسخط والتطلُع لما فى يد الغير ففقد الكثير من نبله الإنسانى لذا كانت المعالجات اللونية للموضوع تنحو إلى القتامة، فبعد أن كانت أجواء اللوحات تعلوها غلالات نورانية أخذت تخبو نزولاً إلى أرض الواقع، حيث تفشى الخرس بين الشخوص وانكب كلٌ على همه و تلافوا الحوار البصري، مما يعكس رؤية نقدية للمجتمع متسائلاً عن أسباب انسحاق القيم تحت وطأة الزمن.
يتسم العنصر البشرى لديه بالكآبة التى تتبدى على الوجوه ذات السحنة الموحدة  والأجساد المنهكة الملتحفة بالبياض، مما يستحضر هيئة المومياوات خاصة عندما يلخص هيئات الوجوه على شكل جماجم بشرية مما يستحضر معالجة لدى التعبيرى الأشهر «إدوارد مونك 1944-1863-  (Edvard Munchفى لوحته «الصرخة-The Scream» المنجزة  ما بين عامى  1893 - 1910 و التى عالج فيها الوجه الآدمى بشكل يقترب لهيئة الجمجمة  ينم عما تختلج به نفسه من نزاعات أفضت به إلى حالة من فقدان الهوية.
كذلك تستحضر معالجات «الفقى» فى نقده لفكرة غوغائية الحشود وومسخ الآدميين إلى وحوش مسعورة تفتقر للتهذيب والترويض تصاوير «جيمس إنسور- James Ensor» 1860 –1949 والذى عبر فيها بصورة تهكمية عن الجماهير الدافقة دون هدى محدد، مستعرضاً من خلالها أوجه السلطوية المجتمعية والتغييب الجمعى فى سياق سيريالي، بشكل يجنح لإدانة الجماهير.
■ بين عربة «دومييه» وعربة «الفقى»
تلخص لوحة «عربة الدرجة الثالثة» للفقى الكثير من سمات أعماله المنجزة خلال فترة الستينيات، و التى تظهر حال مقارنتها بمثيلتها لدى أحد فنانى المدرسة الواقعية وهو «أونرييه دومييه- Honoré-Victorin Daumier-1808-1879   الشهير بـ«دومييه» وهو الذى أنجز لوحة تحت ذات العنوان Le Wagon de troisième classe (The third-class carriage), 1864 -» أو «عربة الدرجة الثالثة» والتى تمثل تيار الواقعية الفرنسية الذى تفجر احتجاجاً على التيار الرومانسى ذى النزعة الشاعرية المفرطة البعيدة عن الواقع، مما خلق الحاجة لطرح موضوعات تعكس الظروف الاجتماعية المجحفة المعيشة، لذا اتسم أبطال موضوعاته بالبؤس والانخراط فى أدوارهم اليومية، و الذى تجلى فى لوحة «دومييه» فى اختياره لزاوية تصوير أبطاله المواجهة لاستعراض أكبر عدد ممكن من الركاب فى مساحة محدودة تبتلع فيها بؤرة الظلام الغالبية منهم، لا تتضح حدود كل شخصية إلا من خلال الوجوه الواجمة بين مناكب الجالسين، ليتخذ المشهد العام الطابع التسجيلى بمسحة دراماتيكية  للحظة تجمع بشرى مؤقت.
بينما أضفى «الفقى» بعداً رومانسياً فى معالجته للموضوع بأن تخير زاوية جانبية تقصر المشهد على عدد أقل من الأفراد المتواجهين مما ينشئ حواراً خاصاً وإن لم يكن منطوقاً فهو يتضح من خلال وجهة العينين المنطفئتين والملامح المحورة حد الانطماس، يؤكده اكتساء شخوصه بحلل بيضاء هى للأكفان أقرب شبهاً منها للجلابيب، ما يدفع المشاهد لإعادة قراءة المشهد على خلفية موضوع السفر والارتحال وما يطرحه من تساؤلات وجودية عن مغزى الرحلة الحياتية.
تتجلى قدرة «الفقي»على التلاعب بالمفردات والمعالجة الشكلية، من خلال عدة تجارب متباينة الموضوع، لكنها تضرب على ذات الوتر النفسى لما تسريه من شعور بالحميمية  والصفاء والطهرانية، كمتابعة الحوار الدائر بين أفراد سرب الحمام أو تلقَف آثار الضوء على وريقات الشجر فى منظر خلوى أو الطواف فى مدارات التبتل الروحى، كلها مواضيع عبّر عنها بطلاقة تعكس سعة نفسية تستوعب التجارب الحياتية وتصيغها بصرياً بسلاسة، فحال التوقف عند تجربة الفنان المعبرة عن المشاعر المقدسة فى مكة، نلحظ تغييرًا فى معالجة الشخوص البشرية يتوافق وحالة الشحذ الروحى للموقف، بأن تختفى الملامح كلياً و تتداخل الحدود الفاصلة بين الكتل البشرية فتتحول إلى غلالات بيضاء وشفيفة قد تنكرت لثقل الجسد الإنسانى من تحتها وراحت تطوف حول مركز الجذب، أو فى ترجمة أخرى انجذاب أفراد الحمام لشظايا الضوء المتسللة عبر أقفاصها لتتواتر تنغيمات الضوء و العتمة عليها لتخلق إيقاعاً بصرياً حميماً.
تطرق «الفقى» مؤخراً إلى معالجات أكثر جنوحاً للسريالية و استخدام تراكيب تتسم بالغرابة،  والتطرق إلى موضوعات مختلفة تماماً، وإن كان هناك ما يشى ببوادر التمرد فى بواكير أعماله، وهذا على  خلفية الأحداث السياسية فى بواكير حقبة التسعينيات من القرن المنصرم من صراع بين قطبى العالم آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى، وهو ما صوره «الفقى» بقطعتى لعب على رقعة الشطرنج على خلفية سماء ملبدة بالغيوم منذرة بحلول النِقَم، أو تارة يزج بالعناصر جميعها فى محرقة ذات مدخنة تنفث الدخان الأسود الذى يشق صدر السماء، لتخرج صياغات تلك المرحلة بمسحة كابوسية تستدعى بقوة معالجات السيريالى المصرى ومجايل «الفقى» الفنان «محمد رياض سعيد 1937-2008 » من حيث الموضوع  و غرابة المعالجات البصرية.
ينتمى الفنان «مصطفى الفقى» لنمطٍ استثنائى من الفنانين يحمل سمات الدأب والتدفق الإبداعى والفضول الطفولى البريء لاكتشاف المحيط وإعادة صياغته بنكهة شديدة الخصوصية متخذاً من الاسترسال خلف غواية التجريب تكأة للانطلاق إلى آفاق التنوع.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

فضيحة.. «رويترز» تنشر الأكاذيب وتنسب خبراً مكذوبا لصحيفة سعودية
جيش مصر فى العصر الإسلامى «6» مئذنة بلال.. برج مراقبة عسكرى للتحذير من الغارات على مصر
شراكـة استراتيجية شاملـة
الراحلون عن «البيت الأبيض»
الوفد يفتح بابه للترشح لانتخابات الهيئة العليا للحزب.. السبت المقبل
«أجيرى» يطلب معسكرًا أوروبيًا ولقاءات ودية استعداداً لأمم إفريقيا
خطة حكومية طموحة لرفع متوسط دخل الفرد إلى 9 آلاف جنيه شهرياً

Facebook twitter rss