صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

18 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

واحة الإبداع.. الأزرق التحفة

10 نوفمبر 2017



يسيل بجوار النيل فى بر مصر نهر آخر من الإبداع.. يشق مجراه بالكلمات عبر السنين.. تنتقل فنونه عبر الأجيال والأنجال.. فى سلسلة لم تنقطع.. وكأن كل جيل يودع سره فى الآخر.. ناشرا السحر الحلال.. والحكمة فى أجمل أثوابها.. فى هذه الصفحة نجمع شذرات  من هذا السحر.. من الشعر.. سيد فنون القول.. ومن القصص القصيرة.. بعوالمها وطلاسمها.. تجرى الكلمات على ألسنة شابة موهوبة.. تتلمس طريقها بين الحارات والأزقة.. تطرق أبواب العشاق والمريدين.  إن كنت تمتلك موهبة الكتابة والإبداع.. شارك مع فريق  «روزاليوسف» فى تحرير هذه الصفحة  بإرسال  مشاركتك  من قصائد أو قصص قصيرة «على ألا تتعدى 550 كلمة» على الإيميل التالى:    
[email protected]

اللوحات للفنان حنفى محمود


الأزرق التحفة


بقلم - أحمد محمد جلبى

وقفت تتأمله مذهولة، وقعت فى غرامة من اللحظة الأولى، قلبته فى يديها وتحسست ملمس جلده الناعم، هتفت: بابا، فين الفردة التانية، هزته وهو منشغل عنها تماماً؛ أين باقى الحذاء؟، أجابها دون أن يفتح فمه الممتلئ بالمسامير: على القالب، نظرت إلى القوالب المتراصة وانتظرت حتى أفرغ ما فى جعبته من المسامير، صاحت أريد أن أراه، لم تنتظر أن يجب، صاحت مرة أخرى فى شك واضح: أهو كهذه الفردة تماماً؟، أنت عارفه أبوكي، دا أنا أستاذ، كان مقسومًا نصفين، دايس عليه قطر إنما إيه صلحته متفرقهوش عن الجديد أبدا!!، عايزه أشوفه. لما أظبطه تمام ممكن تشوفيه قبل ما صاحبه ياخده، بس ده حريمي؟، وإيه يعنى اللى جابه راجل، طب متسلموش إلا لما أشوفه. فوتى بكرة بعد المدرسة حتلاقيه، بص أنا حخلى الفردة السليمة معايا لحد بكرة، يابت قلت خلاص حتشوفيه كامل، أشاحت بوجهها: لا أنت متضمـنش.
حملت حقيبتها المدرسية وهرولت إلى البيت، انفردت تـقلبه بين يديها، فردة عجيبة حقاً، صغيرة البوز، ذات التواء حلزوني، .لونها أزرق متدرج متداخل من درجات اللون، وهو بين يديها، حاولت أن تعرف كيف تم تفصيلهُ، الفردة غريبة التكوين، كان الحذاء بكعب دقيق زجاجى الشكل يشبه منقار الطائر، الكعب العالى شكل لها لغزاً فى هوية من تنـتعله، تصورت وظيفتها موديل، مضيفة طيران، ممثلة أو هانم كلاس، كانت تعرف كيف تصلح حذاء، كيف تخيط قطعة أو تضيف إكسسوارا، تعرف بعض الأشياء، أبوها علمها كيف تساعده، كيف تدير المكان فى غيبته لأمر طارئ أو مشوار شراء بضاعته من البلد، هذه الفردة تتخطى معلوماتها، لابد أن اشترى مثلها، اسمعتني؟ قالت لوالدها ذلك حين جاء، انتظرت فراغ اليوم الدراسي، واصلت العدو حتى باب الدكان، رأتها لامعة زاهية أمامها، حقاً لم تفرقها عن الأحذية الجديدة، اختارت لها علبة كرتون ووضعتها فيها بكل عناية، انتظرت حتى آخر النهار، حين يأتى صاحب الحذاء ليأخذهُ فتسأله من أين ولكنه لم يظهر.
استولت على كامل إيراد المحل لتشترى فى اليوم التالى حذاءً مشابها، حاولت قراءة اسم المحل من على المستصلح إلا أنها لم تجد غير علامات المقاس، نبهها والدها إلى أنه ربما يكون مستورداً؛ عليها الذهاب لمحال معينة فى شارع شريف أو سور نادى الزمالك.
انصرفت لتواصل فى اليوم التالى ولعده أيام تالية خطة سير روتينية بين المدرسة ومحال الأحذية فى المناطق المختلفة للبحث عن حذاء أزرق تحفة، هو نفسه أو قريب منه ولم تجد أبداً..أبداً، لم تجد موديل يقرب الشبه ولو بنسبه أربعين فى الميه، صاحب الحذاء لم يحضر لتسأله من أين أتى به، فجأة خطر لها خاطر: بابا أعملى واحد زيه، زيه بالضبط شغلانة ياجيجي، قالت بتحد: ايه مش حتعرف؟، لا لكن أنا مش صنايعى جزم حريمي، بإصرار: حساعدك، ـأه أهو ده اللى خايف منه!!، عشان خاطرى وبعدين وفرتلك ثمنها والفردة أهى قدامك، قال غير مقتنع: ياسلام والجلد ياعبيطة واللون والوقت اللى أنا شغال فيه فى حاجات الناس، انسى لما يجى الراجل نعرف مكانها منين ونروح نجيب زيها؟، قالت: لا أنا قلت تعملها أو أعملها أنا وتساعدني، هه، يا عنيدة، الحكاية مش بسيطة.
مرت أيام كثيرة قبل أن تنتهى من صنع حذاء مثل الأول؛ عرفت وقفة المكنة والتخطيط الدقيق لقطعة الجلد، جولة طويلة بين محال الإكسسوار لتـنتقى سوستة أو أبزيما أو حلية نفس الشكل مشاوير لصباغة قطعة جلد باللون الأزرق المتدرج المتداخل، أكثر من عشر تجارب اللوان، أنفها ظلت عالقة به رائحة مثبت الصبغة، أصبح شغلها الشاغل الحذاء كيف تقترب من صناعته وتفصيله؟ تحادث صديقاتها تلاميذ الإعدادية عن مشاكل تصنيع الأحذية والورش التى تعمل فى هذه الصناعة، سمعتها مدرسة الفصل وهى تتحدث حديث الخبير المتمكن!! سألتها كيف تدارى عيباً فى شنطة اشترتها حديثاً ولم تخرج بها إلا مرة واحدة.، فى النهاية أصبح الحذاء التقليد أمام عينيها يقف كتفاً بكتف أمام الحذاء الأصلى، رائعـاً حقاً، ظلت أيام هى وأبوها يقفان أمامه، مثل الرسام أمام إحدى لوحاته الفنية يفتش إن كان ينقصها شئ، فى النهاية قالت لأبيها: تعرف ناقصة أيه، هز رأسه نافياً أن يكون على علم قالت: إنه ليس فيه جديد، زى الأول بالضبط، خبطها بخفة يده على ظهرها. بعد أشهر جاءت سيدة تسأل عن الأزرق التحفة كما كانا يسميانه، قالت إنه من أشهر أرسلت أخاها به. احتارت وهى ترى الأصلى إلى جانب التقليد من منهما يخصها. حتى تطوعت جيجى بإحضار الحذاء المستصلح لها وانصرفت وهى تبدى تعجبها من أن يكون لحذاء سندريلا الذى أحضرته من أوروبا شبيه مصري. قال لها أبوها يعنى كفلتينى وشغلتينى أيام طوال وملبستيش الجزمة الجديدة ولا خروجه واحدة.. ايه وحشة دلوقتي، تصنعت جيجى الاستعلاء ثم قالت: لا بس دلوقتى ذوقى بقى أعلى ثم ضحكت وضحك وهو يقول لها: يارب أشوفك صاحبة ورشة تصنيع جزم وبراطيش يا بنت الصرماطي.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الرئيس يرعى مصالح الشعب
فى معرض الفنانة أمانى فهمى «أديم الأرض».. رؤية تصويرية لمرثية شعرية
466 مليار جنيه حجم التبادل التجارى بين «الزراعة» والاتحاد الأوروبى العام الماضى
16 ألف رياضى يتنافسون ببطولة الشركات ببورسعيد
الطريق إلى أوبك
الأهلى حيران فى خلطـة «هـورويا»
مستــر مشـاكـل

Facebook twitter rss