صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

أحمد سمير سعد: الفن كزبد البحر الساحر ولكل كاتب جاد مشروعه الخاص

5 اكتوبر 2017



حوار - رانيا هلال

بين موجات الأسئلة الوجودية التى تلاطمنا من حين لآخر.. وواقعنا المعاش.. يبحر بنا الكاتب أحمد سمير سعد فى روايته الأحدث «المزين»، يطرح إشكاليات أخلاقية وأخرى جمالية يلقيها على مرأى ومسمع منا.. ذلك المزين الذى يحمل موروثا اجتماعيا وثقافيا يشكل حياتنا حتى وإن لم نعترف به.


■ هل كان لاختيار «المزين» عنوانًا للرواية علاقة بالقبح والجمال ومدلوله بالنسبة له؟
- كلمة المزين فى حد ذاتها تحمل محتوى ثقافى ضخم جدا ومحملة بالكثير والكثير. بداية لم أفكر أبدا فى استخدام لفظ حلاق لأنها لا تحمل ذات الدلالة، فالمزين كما أشرت من التزيين والتجميل، هو يمتهن مهنة اللعب باللبخات والأصباغ ومقصه وأدواته من أجل خلق وجه حسن. إلا أنه كذلك الحكاء المفوه والثرثار الذى لا تفرغ من جعبته القصص والكلمات، تسلم بعضها البعض وهو الطبيب ومدعى المعرفة والإيمان والبطولة.
المزين معنى يبزغ فى أذهاننا بمجرد نطق الاسم، ينبع من ألف ليلة، شخصية لا يمكن أن تنسى وهو شخصية مختلفة وفى غاية الثراء، نجده فى «مقامات بديع الزمان الهمذاني»، فى المقامة الحلوانية ثم يترسخ بحكايات القرية وذكرياتها والروايات عنها بل نجده حاضرا فى السينما كذلك كثيرا بذات السمت والصفات.
ما حاولته هو رسم هذه الشخصية الممتدة والمهيمنة خارج كل زمان ومكان، استدعاءها بكل زخمها وتأثيرها وسحرها.
■ اخترت أن يكون الحكى فى بداية الرواية على لسان «أيمن» الكاتب المصاب بالحبسة الكتابية فهل كنت مهموما بجدوى الكتابة فى حياتنا؟
- أعتقد أن كل كاتب مهموم بجدوى ما يفعل، سواء كنت أنا أو كان أيمن بطل الرواية أو أى كاتب، لكن الكتابة هوس المصابين بدائها، تجدهم فى شقاء دائم، متى امتلكوا الفكرة فهم أشقياء بتدوينها على نحو يرضون عنه، متى استعصت تجدهم فى بحث دائم وعنت وقلق، الانشغال بالكتابة طمأنينة وحياة. أما عن جدواها فهو سؤال مؤرق، إجابته تنحصر بين لا جدوى كل شيء وأى شيء وبين أن الجدوى فى التراكم، وإلا ما خرج الإنسان من ظلمات الكهوف وظلمات العصور الوسطى وظلمات الليالى بلا قمر.
■ كان اكتئاب أيمن يقابله هوس من المزين فكيف راوحت بين الحالتين دون تداخل الأصوات؟
- ربما لأن العالمين مختلفان، فأيمن يعيش هذه اللحظة محملا بكل هزائمه الشخصية والمجتمعية بل قد نشطح ونقول الدولية كذلك، بينما المزين يعيش فى عالم قديم، عالم فى خيال أيمن، لكنه خيال لا يتجسد أبدا ولو فى شكل منجز كتابى ينقذه من العنت ولو إلى حين، لذا كانت التقاطعات محدودة، فقط عندما يباغت مشروع الكتابة أيمن ويقف عاجزا عن تناوله ذات عجزه عن كل شيء آخر، فى حين المزين منطلق، لا يصمت ولا ينهزم ولا ينكتب ولا يسلِّم مهما صادف أو قاسى.
■ كان لاختيار الصوت السردى لكل منهما نبرته الخاصة على الرغم من معاناة الاثنين من مشكلات نفسية واجتماعية حدثنا عنهما؟
أيمن محاسب البنك الذى فقد زوجته فى نزوة (ممارسة الجنس فى التليفون عدة مرات)، لديه طفل كشفت الأيام أنه مصاب بإعاقة ذهنية، يعيش حالة من الاكتئاب والخسران، يغازل الأفكار كى تمنحه نصا ينشغل به لكنه لا يحصل على شيء، بالرغم من أن فكرة الكتابة عن المزين تلح عليه، لكنه فقط يعيش فى رأسه ولا ينكتب فيقرر أيمن أن ينتحر فى نص، أن يكتب ذاته كما يراها بكل وضوح وبلا إشارات أو تخفي، هو يدرك أن الكاتب متى كتب نفسه وكل شيء عنه كأنما يحرق سفينته، لكنه يعلم أن وقود سفينته قد نفد وإما الغرق أو الإبحار بنار خشب السفينة.
أما المزين فهو عالم وطبيب وفنان يترفع عن معاشرة الحكام لكنهم يجبرونه على ذلك، يقع فى مؤامرات القصور ويشارك فيها رغما عنه، لا يسلم أبدا ويواصل الحرب والكلام والانتصار ولو حبس فهو قادر على كسر القيد فى كل وقت.
■ حملت الرواية العديد من الأسئلة الوجودية صف لنا كيف رأيتها أنت؟
- الأسئلة الوجودية كثيرة ومتشعبة وكذلك الإجابة عنها كثيرة ومتشعبة، البعض يؤمن أن أسمى وجود للإنسان فى الصراع مع العالم والبعض يؤمن أن تحقق الوجود فى التسليم والذوبان فى الكل الذى منه جئنا وإليه نعود.
أزمة أيمن فى اعتقادى أنه اختار الصراع رغم أنه منى بالهزيمة تقريبا فى كل معركة خاضها بينما جاء ابنه بإعاقة ذهنية، تجعل منه مسلما، لن يدخل حرب الوجود، فقط ينظر لتيار العالمين فى بلاهة ويواصل تطيير كل ما يعرف من كراسى وعصافير وفيلة...
■ هل تؤمن بأن الفن هو مطاردة للعدم كما قال سارتر؟
- يرى سارتر أن العدم هو تمام إدراك العواطف لذا ليس غريبا أن يكون لسارتر الكثير من المؤلفات المصنفة كأدب.
أميل إلى اعتبار الفن كعدم فيزياء الكم، فضاء فارغ تواصل فيه الجسيمات البزوغ والفناء من اللاشىء وإلى اللاشىء. هو تماما بالفعل كثرثرات المزين وإعادته لذات المعنى وكأنما يتذوقه بشتى الطرق، كزبد البحر الساحر، فقاعات تبزغ وتعكس الضياء وتفنى وتواصل البزوغ من جديد والتألق تحت الضوء.
■ لك قصة قصيرة باسم «حكاوى المزين» ثم أصدرت رواية باسم المزين.. فيما يبدو أن المزين له شغف خاص لديك؟
- ليست القصة والرواية فقط بل هناك كذلك نص لى كتبته فى الأيام الأولى للثورة بعنوان (تسبيحة دستورية)، حاولت أن أصيغ فيه موادا دستورية بصيغ أدبية، كان نصيب الفن فى تلك الوثيقة ثلاث مواد، إحداها اختصصت بها المزين وأعتقد أنها تحمل جزءًا كبيرًا من فك شفرته فى وجداني.
مادة (86) : نحن جماهير الشعب المُوَقِّعة على هذه الوثيقة نعترف بالمِزَيِّن، بكلماته وسِمَته وصفته ومهنته، نقيبًا للفنانين وممثلًا للفن. المِزَيِّن فطموه على الإطناب، يمضغ الكلمات، يمطها، يخلطها بقذاه قبل أن يلفظها معه متدافعة ومتدافع طلقات كاذبة مشهود لها بأنها فوق الحق حق.
■ تراوحت أعمالك بين القصة والرواية فأيهما وجدت به براحا أكثر للتعبير عن آرائك الفلسفية والدينية والفنية؟
- أعتقد أن الفكرة هى التى تختار قالبها، وأعتقد أن القالب الذى تختاره وتلح عليه دائما هو الأنسب، فالأفكار الناضجة لا تأتى بمعزل عن تقنية الكتابة أو الأسلوب أو القالب، هؤلاء جميعا ينضجون فى بوتقة واحدة لينتجوا نصا متجانسا، يحتفى بجمالياته.
لا ينفى ذلك أن لكل منهما سحره الخاص لدي، فالقصة القصيرة هى عشقى الأول وتجربتى الأولى، هى الأقرب للشعر والرقص، هى البؤرة.
أما الرواية فهى المشروع والترتيب والبحث والامتداد والمرايا الكثيرة والأضواء الملونة.
القصة جنين يضرب برأسه الأخضر وجذره جدار البذرة، هى ميلاد الحياة. أما الرواية فانفجار كبير سيستحيل مجرات وأفلاك، هى ميلاد الكون.
■ بعد العديد من الأعمال السردية هل يمكنك استنباط مشروعك السردى؟
- لكل كاتب جاد بالتأكيد مشروعه الخاص لكن كل تحديد محكم هو قيد. هناك من اجتهد واهتم بتلمس ذلك الخط العام العريض فيما أكتب وذهب إلى أننى مغرم بالواقعية السحرية لكنها واقعية سحرية تخصنا فهى من سحر هذه الأرض وسحر وعى أهلها الجمعى ومعتقداتهم وحكاياتهم، اعتبروا أن هذا أحد الروافد وهو بالتأكيد قد يمتزج بالتراث والفلكلور. وأضافوا إليه رافدا آخر، فيه تأثر بالعلوم وفلسفتها ووعينا بها وبذواتنا وعالمنا من خلالها.
لا أنكر أنه كثيرا ما أرى فى هذه الآراء وجاهة وهى بالفعل محقة فى الكثير على الأغلب لكننى مؤخرا بت أدرك أنها على وجاهتها قد تكون مضرة لأنها تضيق من أفق التجربة، فأنا لا زلت على الطريق وهو طريق حر وممتع لن أتقيد بالدرب الذى استنتجوه لى من واقع اندفاعاتى السابقة، فالأفق رحيب والتجريب ممتع ولا أدرى إلى أى درب سيقودنى فى المرة المقبلة.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

20 خطيئة لمرسى العياط
آلام الإنسانية
26 اتحادًًا أولمبيًا يدعمون حطب ضد مرتضى منصور
إعلان «شرم الشيخ» وثيقة دولية وإقليمية لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر
السيسى فى الأمم المتحدة للمرة الـ5
توصيل الغاز الطبيعى لمليون وحدة سكنية بالصعيد
مصر تحارب الشائعات

Facebook twitter rss