صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

16 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

سياسة

رفعت السعيد «مُعارض» على أرض الوطن

20 اغسطس 2017



كتب - أيمن عبدالمجيد


رحل قطب اليسار المصرى، الدكتور رفعت السعيد عن عمر ناهز الـ85 عامًا، بعد رحلة طويلة من المعارك السياسية والفكرية، شهدت انتصارات وانكسارات لليسار المصرى، ولشخصه.
خوض السعيد غمار المعترك السياسى مبكرًا، كلفه سنوات من عمره قضاها خلف قضبان السجون والمعتقلات، تارة بتهم الانتماء الشيوعى وأخرى بسبب كتاباته التى هاجم خلالها الأنظمة الحاكمة.
السعيد الذى هزم الإخوان فى كل معاركه الفكرية، لم يجد أعضاء التنظيم الإرهابى غير الموت فرصة للتشفى فيه، فخرج منتصرًا على الفكر الضال حتى وهو فى قبره.
بدأت تجربته مع المعتقلات مبكرًا بما لا يصدق، اعتقل وهو لايزال طفلاً فى الخامسة عشرة من عمره، سيق إلى وكيل النائب العام بـ«الشورت»، فقال المحقق للضابط: «أنتم جايبين لنا عيال»، لكن صغر سنه لم يشفع له، كما لم يشفع له كبر سنه تجنيبه الحساب السياسى من شباب حزبه، الذى حمله عقب ثورة 25 يناير مسئولية ضعف حزب التجمع الذى ترأسه لسنوات وضعف اليسار أخلى الساحة لتمدد تيارات الإسلام السياسى فى عهد مبارك.

فى القاهرة كانت لحظة النهاية، وفى مدينة المنصورة بدلتا مصر كانت صرخة ميلاده، فى اليوم الذى بكت فيه مصر أمير شعرائها أحمد شوقى 11 أكتوبر 1932، شب رفعت السعيد، وسط أسرة ميسورة، لجد ورث ورشة ميكانيكية عن أبيه، هى الأولى من نوعها فى الوجه البحرى والأقدم فى المدينة منذ عهد محمد على فى تصنيع الآلات الزراعية فى ذلك الوقت، كانت تلك الورشة محور حياة الأسرة كلها، ومصدر رزقها.
تكوينه الثقافى لم يكن وليد صدفة، بل نتاج سنوات من الغوص فى أعماق كتب التراث وأمهات الكتب، فقد عثر السعيد على كنز مبكرًا، ورث مكتبة وهو فى الثالثة عشرة من عمره، كان جده تركها ورحل، فوقعت فى يده أمهات الكتب.
«السياسة» التى عمل بها السعيد لأكثر من خمسين عامًا، كانت أمه تكرهها، تثير مشاعرها تلك الكلمة «السياسة» لم لا؟ وهى التى أودت بحياة أبيها «عوض سلامة»، تاجر القطن الذى كان ينتمى إلى حزب الوفد، حتى لقى حتفه فى مظاهرة تطالبه بالدستور فى العام 1930 بالتزامن مع الزيارة الشهيرة لمصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء فى ذلك الوقت للمنصورة، انتهت بمأساة وصدام عنيف مع الشرطة، وأصابته رصاصة أودت بحياته، إلا أن حكومة الوفد عندما عادت إلى السلطة فى العام 1936 أنشأت نصبًا تذكاريًا لشهداء هذه المظاهرات، فكانت أمه تصحبه كل جمعة لقراءة الفاتحة عند النصب التذكارى.
هذه الحادثة كانت لها بالغ الأثر فى نفس السعيد الذى أكد لـ«روزاليوسف» فى لقاء معه عام 2012، أن الحادث كان أحد الأسباب التى جعلته يعمل فى السياسة، حيث كان ناقمًا على كل سلطة وحاكم، لما اتخذته حكومة إسماعيل صدقى سنة 1946 من قرار تدمير النصب التذكارى، ويرجع القرار إلى أن إسماعيل صدقى هو الذى أمر بإطلاق النار على المتظاهرين الذين كان بينهم جده فقتلوا، ومع سقوط تلك الحكومة تم تكريمهم بنصب تذكارى.
الشيوعية كانت أول اتهام طال رفعت السعيد وكان عمره 15 عامًا، عندما تفجرت مظاهرات مساندة للفلسطينيين، فهاجم التلاميذ محل عزرا دويك الحلوانى وهو يهودى مصرى، وعندما وقف رفعت وعدد من زملائه يمنعون حجارة زملائهم عن صاحب المحل، رصدته عينا مخبر سرى متهمين إياه بالانتماء إلى الشيوعية التى كان ينادي فكرها بالفصل بين الصهيونية كحركة واليهود كديانة، فألقت المباحث القبض عليه، إلا أنه أخلى سبيله من سراى النيابة بلا ضمانات لصغر سنه، فأصدر رئيس المباحث أمر اعتقاله بتهمة الانخراط فى خلية شيوعية سرية.
ظل رفعت السعيد يؤمن بأن منظمات الهجرة الصهيونية استهدفت تهجير اليهود العرب عامة والمصريين خاصةً خارج أوطانهم، ومن ثم توظيفهم فى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومن سافروا إلى أوروبا أيضًا، كان يتخذ من شخصية المحامى شحاتة هارون ووطنيته مثلاً لتعزيز وجهة نظره فهو يهودى مصرى رفض الهجرة، وأوصى بناته بألا يحضر أى إسرائيلى الصلاة على جثمانه بعد موته.
فى المعتقل، تعلم الصبى الكثير وتلقى دروسًا رسخت فى وجدانه، فخرج ليواصل العمل مع الشيوعيين وتولى مهمة تجنيد أعضاء جدد، ومع بدء منظمة «حدتو» فى توسعة نشاطها عام 1952 وتفجر العمل الفدائى، سافر يساريون إلى مدن القناة لمقاومة الاحتلال البريطانى، وتفجرت المظاهرات فى القاهرة والمنصورة، بعد مذبحة قوات الأمن فى الإسماعيلية لعدم رضوخ الشرطة المصرية للاحتلال، وانفجرت المظاهرات فى المنصورة تطالب بالانتقام، وبينما كانت القاهرة تحترق صباح 26 يناير 1951 كانت هناك حملة اعتقالات واسعة لمختلف القوى السياسية، وفرضت الأحكام العرفية واعتقل المئات، فاعتقل السعيد للمرة الثانية، لمدة شهر.
عقب ثورة 1952 طلب الرئيس عبدالناصر، مقابلة شباب الطليعة، وكان رفعت السعيد من المدعوين، وعندما جاء دوره فى الحديث قال للرئيس: «حضرتك أفرجت عن الناس وقلت خذوا التنظيم الطليعى واشتغلوا فعندما اشتغلنا تم اعتقال الناس لعقدهم اجتماعات، فماذا نفعل؟»، قال: «اتصرفوا أحمل صليبك على كتفك مثل سانتيفر بمعنى أنك ستظل خاطئًا مدى حياتك»، وهو ما وصفه السعيد بالموقف الصادم.
فى العام 1959 سجن رفعت السعيد خمس سنوات بحكم صدر عن المحكمة العسكرية بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم، لكن الطريف أنه خرج بعد ذلك وهو يجيد التصالح مع الأنظمة، فعمل مع الرئيس أنور السادات عندما كان نائبًا لرئيس الجمهورية، فى إعداد المؤتمرات الدولية، كان السعيد يرى أن السادات «سياسى محنك وداهية»، يرضى الجميع بالكلمات المعسولة ويفعل ما يشاء.
فى عهد مبارك اتهم السعيد بالانخراط فى لعبة المعارضة المستأنسة، القريبة من النظام، ليكون فى مأمن من البطش، وكان كلما أجريت الانتخابات التشريعية وفشل حزبه فى الحصول على مقاعد أو حصل على مقعدين أو ثلاثة، يتم تعيين السعيد عضوًا بمجلس الشورى الغرفة الثانية للبرلمان بحسب الدستور السابق، وكان الحزب الحاكم آنذاك يبرر التعيينات التى تتم بقرار من الرئيس الأسبق مبارك، بأن اختياره يعود لفكره وتاريخه وما يمكن أن يضيفه إلى جانب إحداث تنوع سياسى، بينما كان خصومه يصفونها بـ«المكافآت السياسية»، لتحويله اليسار لمعارضة مستأنسة.
لكن السعيد كان له رأى آخر، فهو يدرك ضعف المعارضة فى الشارع، وعزف تنظيم الإخوان المحظور فى ذلك الوقت على وتر الدين، ومطامع تيارات الإسلام السياسى فى السلطة ومؤامراتهم للقفز عليها، فكان يرى أن أى إخلاء للساحة السياسية سيصب فى صالحهم، فعندما دعت قوى سياسية لتظاهرات 25 يناير 2011، أصدر هو بياناً باسم حزب التجمع يرفض التظاهر ضد الشرطة فى ذلك اليوم الذى تحتفل فيه مصر بعيد الشرطة تكريمًا لدماء الشهداء التى سالت دفاعًا عن مصر ضد الاحتلال البريطانى فى الإسماعيلية.
خرج السعيد من المعتقل فى عهد السادات وعمره 35 عامًا، وما زال فى الصف الثانى من الجامعة بكلية الحقوق، ليواصل بعد ذلك دراسته والعمل السياسى حتى حصل على درجة الدكتوراه من ألمانيا، عن تاريخ الحركة الشيوعية، ليعود مرة أخرى إلى المعتقل عام 1978، بسبب كتابته مقالاً اعتبر فيه الرئيس السادات أنه يمثل إساءة لزوجته جيهان وحمل المقال عنوان «يا زوجات الرؤساء اتحدن».
تأسس حزب التجمع اليسارى عام 1976 عندما أعاد السادات الأحزاب، وترأسه خالد محيى الدين أحد الضباط الأحرار، وقاد معارضة شرسة ضد الرئيس السادات عقب توقيعه اتفاقية كامب ديفيد، ومع رحيل خالد محيى الدين عام 2005، تولى رفعت السعيد رئاسة الحزب حتى أطيح به فى انتخابات الحزب عام 2013، فقد اتخذ معارضوه بيان رفض التظاهر فى عيد الشرطة ورقة ضغط خاصة بعد تحول التظاهرات لثورة انتهت بتنحى مبارك، إلى أن تاريخه وأنصاره وضعوه على رأس المجلس الرئاسى للحزب، فيما خلفه على مقعد رئاسة الحزب سيد عبدالعال.
قاوم السعيد مطالب شباب الحزب بالتغيير، وسط انتقادات من زعامات بالحزب، متهمين إياه بالانحراف بمسار الحزب والإضرار بشعبيته، عقب ثورة 25 يناير، من حزب معارض قوى فى عهد السادات إلى مجرد ديكور فى عهد مبارك، وانشقت قيادات وشباب بالحزب لتأسيس حزب التحالف الشعبى الاشتراكى.
إلا أنه لم يمر عام على حكم الإخوان حتى أدرك الجميع صواب نظرته، فجاءت ثورة 30 يونيو مصححة لمسار 25 يناير.
فلا يستطيع أحد من معارضيه إنكار أنه كان محاربًا شرسًا لأفكار جماعة الإخوان، التى ثار عليها الشعب المصرى فى 30 يونيو 2013، ووضعتها الحكومة المصرية على قوائم التنظيمات الإرهابية، فالسعيد له العديد من المؤلفات الكاشفة لظلامية فكر تنظيم الإخوان، وتورطه فى جرائم العنف منذ تأسيس حسن البنا للتنظيم، ومن تلك المؤلفات «ضد التأسلم» و«حسن البنا متى كيف لماذا؟».
رحل السعيد بجسده لكن أفكاره ومؤلفاته التى أنجبها، وكشفه لعورات وسوءات تنظيمات الإسلام السياسى ومخاطر خلط الدين بالسياسة ستظل تنتقل من جيل لجيل، تؤرق مضاجع المتطرفين، فلن تزيدهم شماتتهم فى موته إلا احتقارًا من كل ذى عقل وضمير.


1932

العام الذى ولد فيه  رفعت السعيد وسط أسرة ميسورة فى اليوم الذى بكت فيه مصر أمير شعرائها أحمد شوقى

1952

عقب ثورة 1952 طلب الرئيس عبدالناصر مقابلة شباب الطليعة وكان السعيد من المدعوين

1959

سجن 5 سنوات بحكم صدر عن المحكمة العسكرية بتهمة التخطيط لقلب نظام الحكم

1978
اعتقل مرة آخرى بسبب كتابته مقالاً اعتبر فيه الرئيس السادات انه يمثل اساءة لزوجته جيهان







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى يتسلم رسالة من نظيره الغينى.. ويؤكد: التعاون مع إفريقيا أولوية متقدمة فى السياسة المصرية
«السياحيون «على صفيح ساخن
إحنا الأغلى
كاريكاتير
كوميديا الواقع الافتراضى!
واحة الإبداع.. «عُصفورتى الثكلى»
مصممة الملابس: حجاب مخروم وملابس تكشف العورات..!

Facebook twitter rss