صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

17 اكتوبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

جونتر فون هاجينز وفن «التحنيط البلاستيكى» بين الحداثة والتلقين

26 يناير 2017



بقلم  باسم توفيق

 

فى مجتمعات العالم الثالث وربما أيضا فى المجتمعات ذات الطبيعة الصارمة يعتبر الفن من وجهة نظر المتلقى هو ترفيه أكثر منه تلقين للقيم أو بمعنى أصح تعليمى ومن ثم يفقد الفن الكثير من تأثيره فى مجتمعاتنا ويصبح قيمة تجارية الهدف منها الإلهاء ومن ثم يصبح بالنسبة للمتلقى العادى ترفيهاً زائدا، الحقيقة أن هذه القاعدة تنطبق بشكل كبير على الفن التشكيلى فى مجتمعنا العربى وربما أيضا فى بعض المجتمعات الشرقية والتى يحمل الفن التشكيلى فيها بعض التعالى سواء لإفراطه فى تفعيل القيم المبهمة تحت شعار الحداثة أو لابتعاده بشكل كبير عن احتياجات المتلقي، الحقيقة أن هذا المدخل يلقى بنا فى تساؤل مباشر حول ماهية الفن التشكيلى لأنه من الواضح فى الفترة الأخيرة أن هناك خلطًا كبيرًا فى تعريف فكرة الفن التشكيلى حتى اختلطت أشياء كثيرة ببعضها البعض وأصبح حتى من يفسد الحوائط بالخربشات نطلق عليه فنان لكن ليس هدفنا هنا وضع تعريف للفن التشكيلى لكن نريد طرح نقطة مهمة تتوافق مع عرضنا لحدث شديد الأهمية يتم التحضير له فى باريس التى بالرغم من أن الترهل الذى أصاب أنشطتها الفنية فى العقد الأخير إلا أنها لاتزال كعبة الفن التشكيلى فى العالم، حيث تستعد باريس لاستقبال أهم معارض فنان الـ body plastination  أى فن تحنيط الأعضاء الحيوية عن طريق حقنها بمادة بلاستيكية وهو اختراع مسجل براءته لهذا الفنان الذى أصبح أيقونة فنية فى عصرنا وهو الفنان البولندى الأصل الألمانى الجنسية جونتر فون هاجينز وتعتبر معارضه من الأكثر حضور عالمياً حتى أن أحد معارضه فى ميامى بأمريكا اجتذب 7 ملايين زائر على مدار 19 يوما فقط ومن كل الأعمار، كما قام مطار ميامى بدفع أكثر من 14 مليون دولار لاقتناء قطعتين من أعماله ليتم عرضهما فى المطار لبعض الوقت ثم يتم نقلهم لمتحف الفن الحديث هناك.
الحقيقة أننا هنا نريد الفصل بين الفن والتكنيك فى التكوين وحيث إنه ليس كل تكنيك فى التكوين هو فن لكن أحيانا تعتبر فكرة الإبداع فى التكوين هى نظرية فنية وعلينا أن نفرق بين الرسم مثلا لهدف توضيحى والرسم لهدف تحميل فكرة أو إيصال قيمة ما، فمثلا لا نستطيع أن نعتبر رسوم الفنان المتقنة فى معجم جانوج الشهير للتشريح فنا خالصا لكنها محاكاة دقيقة توضيحية ومع ذلك تعتبر جزءا من التلقين الفنى التعليمي، ونستطيع أن نعتبرها مبدئيا شبيهة بما يقدمه جونتر فون هاجينز والذى والحق يقال فى غضون عشرون عاما بهر العواصم الأوربية وأمريكا بفنه ذو التكنيك العالى وحيث لم يسبقه أحد فى هذا الفكرة، وكنت قد كتبت عنه فى دورية «استوديو» وأطلقنا على أعماله اسم «متحف الجسد» وهذا بالتحديد ما يصف فنه.
وعلينا أولا أن نشرح للقارئ فنه فى عجالة سريعة، أولا الخامة المستخدمة عند جونتر فون هاجينز هى الجسد البشرى والحيوانى بعد أن تفارقه الروح بحيث يكون الجسد الميت فى وضع فنى رمزى وأدائى شديد الحساسية مع التركيز على إظهار تفاصيل الجسد التشريحية وهذا يجعلنا نقول أن مهنة هاجينز كطبيب بشرى متخصص فى التشريح جعله يبتكر فى كيفية إظهار عظمة الخالق فى إبداع التكوين ونحن نعتبر ببساطة أن جزء من الفن هو إبداع المخلوق فى إبراز عظمة إبداع الخالق وهذا بالتحديد ما أخبرنى عنه هاجينز حينما التقيته فى باريس منذ سنوات.
الحقيقة أن فن هاجينز فن تقع النسبة الأكبر منه فى حيز الفن التعليمى والتوضيحى كما هو الحال فى رسامى المعاجم الطبيعية والعلمية لكن هناك جزءًا يقع فى حيز الفن المحض، هذا الجزء هو هذا الكم من التعبيرية التى تظهر بها أجساد هاجينز المحنطة وبشكل أكثر من مبهر حتى أن بعض المتاحف التى تعرض أعمالة تكتب على المدخل – احبس أنفاسك حتى لا يأخذك الإبهار – وهذا هو بالتحديد احساس المتلقى أمام أعماله، وليست فكرة الأداء الدرامى للجسد المحنط فقط هى سر إبداع هاجينز لكن أيضا الرمزية فى التكوين لأنه فى بعض أعماله الضخمة يستخدم مجموعات جسدية بشرية وحيوانية مثل الخيول المحنطة ويقوم بعمل تكوين شديد الرمزية مثل عمله الشهير الذى يمثل جسد امرأة تحمل فى أحشاءها جنين وحيث يقول هاجينز أن الأم والمولود ماتا أثناء عملية الوضع واستغرق منه إعادة الجنين لنفس وضعه الأصلى فى رحم الأم فترة كبيرة ثم هو يقدم قطاعا فى رحم الأم وداخله الجنين مما يشكل إبداعا علمياً وبصرياً شديد الحساسية.
تعود فكرة ميلاد فن جونتر هاجينز لمحاولة ابتكاره عملية تحنيطية جديدة أثناء عملة كطبيب متخصص فى علم التشريح ليسهل على الدارسين استعراضها بشكل أكثر وضوحا دون استخدام الموديل الصناعى أو النظر داخل أوانى الفورمالين التى تحوى أعضاء الجسد، وحيث لا تظهر التفاصيل كما أن الفورمالين يتركها فى حالة رخوة وتتغير لون تفاصيلها ومن ثم اخترع هاجينز طريقة مبتكرة أصبحت طفرة فى عالم التحنيط الإكلينيكى حيث اخترع مادة بلاستيكية تمتصها الخلايا الجسدية وتتفاعل معها فيصبح الجسد فى حالة شبه بلاستيكية مع سهولة تشكيله ويعرف ذلك اصطلاحا بـ«البلاستينيشين»، ثم بدأ هاجينز فى تفعيل إسقاطات فنية خالصة على الأجساد المحنطة حتى أصبح أهم فنانين القرن العشرين الذين لهم منهج، حتى أن الكثيرين حاولوا تقليده مثل داميان هيرست الذى ابتعد كثيرا حتى أصبح حالة ممجوجة لا معنى لها فنيا أو تعليميا، كذلك فنان جزائرى اسمه أحمد تم طرده من معارض الفن فى أوربا لأنه يستخدم الأجساد الحية بل وجسده هو شخصيا فى عروض وحشية ويصفها بالفن لكنه بالطبع لا علاقة له بالفن بل يدخل تحت طائلة الشطط وهوس لفت الأنظار.
يبقى أن نقول أن جونتر فون هاجينز قد حوكم لفترة طويلة فى معرض سؤال السلطات عن مصدر الجثث التى يستخدمها فى أعماله وحتى ألمح البعض إلى أنه فى فترة ما كان يستخدم لصوص الجثث، ولد فون هاجينز عام عام 1945 فى بولندا ودرس الطب والتشريح وهو يمثل أحد أهم مناهج الفن التشكيلى الطليعى.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الإعلام السعودى يحتفل بنجاح الكلاسيكو
قبل الطبع
ناينجولان قال «لا»
الراحلون عن «البيت الأبيض»
شبـاب العـالـم يضعون روشتة سلام فى «مدينة السلام»
«أجيرى» يطلب معسكرًا أوروبيًا ولقاءات ودية استعداداً لأمم إفريقيا
خطة حكومية طموحة لرفع متوسط دخل الفرد إلى 9 آلاف جنيه شهرياً

Facebook twitter rss