صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

13 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

اختفاء جمال الجمل.. اللهم اجعله خيرا!

30 نوفمبر 2016



يكتب: إيهاب كامل

 فى مواجهة حائط كبير من الطوب اللبن، كان يقف بالساعات فوق برميل فارغ يرسم بألوان الزيت جدارية للحرم المكى، احتفالا بعودة جدى من الحج، لم أدرك براعة العمل الفنى وصعوبته إلا بعد سنوات طويلة، ظلت خلالها الجدارية زاهية الألوان، وظللت طوال هذه السنوات أسأل نفسى بدهشة: كيف احتفظت الجدارية برونقها رغم تساقط الطلاء من حولها؟، ولماذا اختار ألوان الزيت الصعبة، ولم يستسهل كما هو المعتاد فى رسوم هذه المناسبات؟.
عاشت الأسئلة فى رأسى طوال سنوات طفولتى وصباى وشبابى، حتى تخرجت فى الجامعة، وتم هدم الجدار والبيت الكبير كله، لكن الرسمة التى قاومت لآخر لحظة، ظلت براقة ومؤثرة فى ذاكرتى لم تقدر السنين على محوها.
هذا الفنان الصبور المبتكر هو جمال الجمل.. الذى لم أتعامل معه يوما على أنه «الخال»، لأنه كان دائماً صديقاً فى مثل سنى، يلعب معى كل ألعاب الطفولة، ويعلمنى الكثير من غير وصاية ولا تعليمات، وفى شوارع قريتنا التى تشبه «ماكوندو» قرية ماركيز، رأيته يفعل ذلك مع الجميع، حيث أسس حركة شبابية تضم عدداً من الحالمين بعالم أفضل، وظل بينهم الحالم الأكبر الذى يوزع الأمل والتفاؤل بلا حدود، وهو أمل ساحر لم ينسه أولئك الفتية الذين صاروا أعلاما مرموقين فى كل المجالات.
فى زياراتى الأسبوعية للبلد، ألتقى وجوها طيبة من مختلف الأعمار، كل واحد فيهم يستوقفنى ويسألنى بحرارة: «جمال عامل إيه؟». أرد: الحمد لله بخير. فيقول: «أمانة عليك تسلم عليه قوى، وتقوله «فلان» نفسه يشوفك»، فأشعر أنه كان صديقا للجميع، وكان فى مثل سن الجميع، لذلك كان يغضب إذا استبق أحدهم اسمه بلقب أستاذ، ويقول ضاحكا: جمال وبس.. قول يا جمال، وأدركت أن هذه البساطة كانت بعضاً من صدقه ومن سحره، ومن سره، ومن سماته المميزة، فقد كانت صحبته ألفة وعلمًا ومتعة أيضا، اقترابى منه جعلنى أسبق سنوات عمري، فأنا الطفل الذى تعرف على جامعة القاهرة قبل الالتحاق بالمدرسة، وفى ذلك العمر المبكر زرت المتاحف، وحديقة الحيوانات، وحضرت المؤتمرات السياسية، وجلست مع مشاهير السياسيين والفنانين فى بيتنا وفى قريتنا، وشعرت أن العالم من حولى جميل وآمن ومختلف.
جمال الجمل بالنسبة لى إنسان يملك براءة الملائكة، ساحر يمكنه أن يفعل كل شيء فيبهرك ببساطته وقدرته على فك الأزمات وتغيير الأجواء، وحينما أكون فى شدة الضيق، يقابلنى بابتسامة مطمئنة ويقول عبارته الواثقة التى تبعث الأمان فى نفسي: «مايهمكش يا بيبو.. دى كلها حاجات بسيطة، كل حاجة لها حل» فيفتح أمامى بوابات النور، ويخرجنى من ضيق النفق إلى رحابة السماء.
أنا الآن فى النفق، ولا أجد شمس الأمان.. لقد اختفى جمال الجمل تماما منذ أيام، لا يرد على تليفوناتى لأول مرة، تقطعت بيننا المواعيد، وشعر الأصدقاء بالقلق فانهالت الاتصالات تسألني: أين جمال؟، ولأول مرة لا أجد رداً، فأقول مستلهما طريقته: «ماتقلقوش.. هو بخير.. كله هيبقى تمام»، لا أظن أن وراء الاختفاء أسبابًا قهرية، لأنه كثيرا ما كان يلجأ إلى صومعة الوحدة، فى خلوة تعود عليها الأقارب والأصدقاء، لكننى أشعر أن الأمر هذه المرة مختلف، فقد طاردته الهموم والأمراض فى الفترة الأخيرة، كما تصاعدت محاولات حصاره فى عمله ورزقه، وتصاعدت معها لغة التخوين والتهديد، لكننى بكل أمل أعرف أن هذه المحنة ستمر، وأنه يختفى بإرادته، وسوف يهل علينا قريبا مثل العيد، يأتى ومعه البهجة والمرح والنصح، فيهرول نحوه أطفال العائلة كأنهم وجدوا كنزاً، وهم ينادونه بفرح طفولى: جيمى.. جيمي، فيحتضنهم ويحكى معهم أولا، قبل أن يسلم على الكبار الذين لا تقل لهفتهم عليه عن الأطفال، وتمتد أمسيات السمر يسألونه فى كل أمور الدنيا، فيجيب وهم يستمعون بحب، يمتزج فى قلوبهم الإعجاب بمواقفه الجريئة مع الخوف عليه من بطش الفاسدين فى زمن الظلام الذى يكره شموسا مثله. أرجو أن يكون جمال الجمل بخير، وأرجو ألا يكون فى اختفائه هذه المرة جدييا يزعج ويثير القلق، وأرجو أن تستمر كلماته وسلوكياته تعلمنا أن حياة الإنسان قضية ورسالة.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الدولة تنجح فى «المعادلة الصعبة»
«روز اليوسف» داخل شركة أبوزعبل للصناعات الهندسية.. الإنتاج الحربى شارك فى تنمية حقل ظهر للبترول وتطوير قناة السويس
جنون الأسعار يضرب أراضى العقارات بالمنصورة
مباحث الأموال العامة تداهم شركة «تسفير» العمالة للخارج بالنزهة
ليبيا.. الحل يبدأ من القاهرة
شباب يتحدى البطالة.. بالمشروعات الصغيرة شيماء النجار.. الحلم بدأ بـ2000 جنيه
«أزارو» مش للبيع

Facebook twitter rss