صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

فى ذكرى ميلاد «الخميسى» كل عام وأنت معنا

15 نوفمبر 2016



بقلم: د. أحمد الخميسى
فى 13 نوفمبر الحالى تحل ذكرى ميلاد والدى عبد الرحمن الخميسى السادسة والتسعون. أجدنى أفكر بدهشة فى أن السن تقدمت بى وأننى أكتب عن والدى الآن، وأنا أكبر منه بعام كامل! ومازلت لا أدرى بالضبط من أى زاوية يمكن تقديم شخصية الخميسى وحياته العريضة الصاخبة التى اتسعت للحب والسجن والمنفى والشعر والنساء وعدد لا يحصى من عواصم العالم وفنادقها وبيوتها، وثلاثة أوبريتات موسيقية وثلاثة أفلام من تأليفه وإخراجه وعدة كتب فى النقد الأدبى، وسبعة دواوين شعرية، وعشر مجموعات قصصية، وفرقة مسرحية كتب لها وأخرج أعمالها ومثل فيها، بل واتسعت تلك الحياة الهادرة لاكتشاف وتقديم نجوم الثقافة والفن، فكان أول من قدم يوسف إدريس على صفحات جريدة المصرى قبل ثورة يوليو، واكتشف سندريلا السينما سعاد حسنى وقدمها فى فيلمه «حسن ونعيمة» هذا غير آخرين كثيرين. ويندهش الكثيرون حين أقول لهم إن الخميسى لا يحمل شهادة لا جامعية ولا أكاديمية ولم ينه حتى تعليمه الثانوي! مجرد فلاح من قرية نائية مشبع بكل تراث الفلاحين من حكايات وسير شعبية قرر أن يهجر قريته عام 1936 ويشد رحاله إلى القاهرة فيهبط إليها من القطار ذات ليلة، وحيدا، بلا أهل ولا سند، ويقف أمامها وليس فى جيبه قرش، ويبدأ صراعه مع الواقع بالنوم على أرائك الحدائق العامة والعمل بائعا فى محل بقالة وكومسارى ومصححا فى مطبعة ومعلما فى مدرسة أهلية ومؤلف أغنيات فى المقاهى تخرج بأسماء الآخرين لقاء قروش قليلة، وخرج من ذلك المعترك إلى النور شاعرا مرموقا، وصحفيا لامعا، وقاصا قال عنه يوسف إدريس» إنه أول  «من حطم طبقية القصة القصيرة وجعل رجل الشارع يقرأ القصة القصيرة»، وعند وفاته كتب إدريس ينعيه فى جريدة الأهرام قائلا: «كان الخميسى قويًا عملاقًا مقاتلاً إلى ألف عام.. وكان فمه مفتوحا على آخره مستعدا لابتلاع الحياة كلها بكل ما فيها من طعام وشراب وجمال». ولمع الخميسى شاعرا لا يتكرر من شعراء الرومانسية ومدرسة أبوللو بروادها الكبار: على محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، وإبراهيم ناجي. وقدر الناقد الكبير د. محمد مندور أن الخميسى شاعر وجدانى فى كل شِعره، سواء كان الوجدان ذاتياً أو جماعياً أو قومياً، وأنه: «قد بلغ بشِعره حدّ السحر، كلما تحدث عن ذاته وأشواق روحه وآماله وآلامه كإنسان». لكن لعل محمود السعدنى أدق من قدم وصفا لشخصية عبدالرحمن الخميسى كإنسان حين كتب عنه فى مجلة صباح الخير قائلا: «أول مرة رأيت فيها الخميسى كانت فى الأربعينيات حين حضر إلى قهوة عبد الله ذات مساء وقضى السهرة فى ركن أنور المعداوى وأشاع جوا من البهجة والمرح وعزم الشلة كلها على العشاء، ومنح جرسون القهوة مبلغا كبيرا من المال ودس فى يد الولد الذى قام بتلميع حذائه جنيها كاملا، المهم أنه غادر المقهى فى ساعة متأخرة من الليل وقد وهب السعادة للجميع.. حديثا وطعاما وهبات.. وكان نموذجا للفنان الذى رسمته فى خيالى:  شديد الزهو، شديد البساطة، عظيم الكرم، دائم الفلس، يمشى دائما فى الطريق يتبعه أكثر من شخص يلازمونه كظله». هذه هى صورة الخميسى الشخصية الدقيقة التى أضاف إليها الناقد رجاء النقاش سمات أخرى حين كتب أن العطف على البشر وشد أزرهم كان سمة نفسية أصيلة عند الخميسى فيقول فى ذلك: «كان أول أديب كبير عرفته عندما جئت إلى القاهرة من قريتى  أواخر سنة 1951 هو الشاعر والروائى والمفكر الإنسان عبدالرحمن الخميسى.. وكان مكتب الخميسى بيتا روحيا لى، ودائما كنت أجد هذا المكتب ممتلئا بنماذج مختلفة من البشر، أدباء ومطربين وملحنين وسياسيين وذوى حاجة.. فقد كان الخميسى دائما مفتوح القلب والمكتب وكان لديه شعور قوى ودائم بالرغبة فى خدمة الناس وإدخال السعادة على قلوبهم، ولم يكن الخميسى من الأثرياء، ولكنه كان من الأقوياء.. وكان دائما يتحرك بطبيعة نفسية واحدة قوية ومتفجرة، كان إنسانا مفتوح القلب إلى أقصى حد يميل مزاجه إلى المرح الغامر، يحب الحياة بل ويقدسها، وفيه شىء من شخصية «عبدالله النديم»، ذلك الإنسان العجيب الذى كنت تزرعه فى أى مكان فينمو ويزدهر». ويضيف النقاش فى المقال ذاته أن الخميسى لم يقدم فقط يوسف إدريس بل وقدم أيضا على صفحات المصرى فتحى غانم وآخرين! كان التفاؤل والتعاطف مع الآخرين مرتبطا عند والدى بخاصية أخرى أعتقد أنها تلازم كل فنان كبير وأعنى بها مقاومة الواقع بالخيال ونفى القبح بجمال متوهم، وتحطيم القيود بحرية متخيلة. فيما بعد كتب الخميسى فى قصيدة له يعبر عن ذلك قائلا: «سرى .. أنى أخلق من أحلامى دنيا أخرى»! نعم كان ذلك سر النبع الذى لم ينضب بداخله. وأذكر أننى وأنا صبى فى نحو السابعة ذهبت مع أمى لزيارته فى المعتقل، كان ذلك حوالى عام 1955، وأننى جلست مع أمى على دكة خشبية بغرفة مأمور السجن ننتظر قدومه إلينا من داخل السجن. انتظرنا مدة حتى ظهر والدى فجأة ويده مربوطة بقيد حديدى إلى يد شاويش. لكنه ما إن رآنى حتى رفع لأعلى يده بيد الشاويش يخاطبنى: «إنظر! (وأومأ برأسه ناحية الشاويش) لقد قمت بسجن هذا الرجل لأنه شقى»! جلس بجوارى على الدكة مبتسما وهو يمعن النظر إلى ليرى إن كانت حكايته قد انطوت على أم لا. وأسعفتنى طفولتى على قلة سنواتها فابتسمت له بدورى لأوحى له أننى صدقت أنه حر وأن الشاويش فى ردائه الرسمى هو المحبوس! كان هذا سره الذى يخلق به دنيا أخرى يغدو هو حرا فيها وتمسى الدولة معتقلة!.
كان اعتقاله فى مطلع الثورة، وكانت له فيما بعد قصة أخرى مع النظام كتبها صلاح عيسى قائلا: إنه بعد انشاء الاتحاد الاشتراكى التقى شعرواى جمعة وزير الداخلية حينذاك بالخميسى وعاتبه أنه أى الخميسى لم ينضم لما سمى «التنظيم الطليعى» الذى أقامته الحكومة بصفته تنظيما سريا داخل الاتحاد الاشتراكى! ويحكى صلاح عيسى القصة قائلا: إن الخميسى ضحك للوزير مبررا عدم انضمامه بقوله له: «أنا فنان كثير الكلام، ولسانى فالت، فإذا انضممت إلى تنظيم الحكومة السرى وأفلتت منى كلمة هنا أو هناك فقد يلقون القبض عليكم»! وضحك شعراوى جمعة وفهم. أذكر أن عمنا الساخر العظيم محمود السعدنى أهداه كتابا من كتبه فى تلك الفترة وكتب إليه: «إلى الخميسى الذى يشبه الكرة كلما ضربوها لأسفل قفزت لأعلى». هذا ما كان يفعله الخميسى فى تلك السنوات الطوال التى لم يشغل فيها أى منصب، ولم يحظ فيها بالاهتمام الذى يستحقه، حتى أنه كان ومازال الكاتب والفنان الوحيد الذى لم ينل جائزة واحدة من جوائز الدولة. وربما يكون أفضل تعريف للخميسى هو السطور التى كتبها الكاتب أحمد هاشم الشريف بعد وفاة والدى حين قال: «قصة الخميسى هى قصة العاصفة التى هبت من الريف المصرى أيام القصر والاحتلال.. وعبقرية الخميسى هى عبقرية الفلاح المصرى التى نضجت على نار الحرمان والمعاناة، جاء الخميسى من قريته إلى القاهرة ليضرم النار فى الأدب الرسمى ومعلقات المديح فى الحكام وليعلن على الملأ أن حسن ونعيمة أهم من روميو وجولييت وكان الأدب الشعبى وقتها محتقرا، وكانت الكتابة حكرا على أصحاب الأقلام الذهبية من أبناء الباشوات وحملة الدكتوراه، لكن الخميسى القادم من القرية دون أن يكمل تعليمه كسر هذه القاعدة، ومن لا شيء أصبح شيئاً عظيماً، ومن الفقر واليتم والتشرد والضياع اعتلى عرش الأدب وترك لنا بعد رحيله الصوت الرخيم وأخذ الحنجرة الذهبية، ترك الأوراق واحتفظ بالقلم اللاهب المداد الذى كان يشيع الدفء فى الأكواخ ويضرم النار فى القصور». تلك كانت قصة ذلك الفلاح المصرى، الموهوب، اللامع، وحياته التى وصفها الشاعر كامل الشناوى بقوله: «كلما تذكرت حياة الخميسى تذكرت عبارة الفيلسوف الألمانى نيتشه: ليكن شعارك فى الحياة أن تعيش فى قلق وأن تقيم بيتك فوق بركان». هذه كانت حياة والدى الذى أحتفل اليوم معه بعيد ميلاده وأقول له إنك مازلت معنا. كل عام وأنت معنا.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

أبوالليل.. ترك الوظيفة.. وبدأ بـ«ورشة» ليتحول لصاحب مصنع
مارينا.. أنشأت مصنعًا لتشكيل الحديد والإنتاج كله للتصدير
دينا.. جاليرى للمشغولات اليدوية
كاريكاتير أحمد دياب
قلنا لـ«مدبولينيو» ميت عقبة انت فين..فقال: اسألوا «جروس»
«شىء ما يحدث».. مجموعة قصصية تحتفى بمسارات الحياة
المقابل المالى يعرقل انتقال لاعب برازيلى للزمالك

Facebook twitter rss