صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

عود على بدء.. البشر أم الحجر؟!‎

9 نوفمبر 2016



يكتب: هشام فتحى

لا شك أن تاريخ الكعبة المشرفة هو التاريخ «المقدس» عند العرب قبل الإسلام وبعده. ولا شك أن تهديدا باستهداف الكعبة بغية إتلافها أو تدميرها - ما تناقلته الأنباء - ليعد أمرا جللا، أن يستباح أول بيت وضع للناس ليعرفوا الله ويعبدونه، وذلك منذ أن زار خليل الله إبراهيم تلك البقعة المقدسة من الأرض قديما ليشرع وولده إسماعيل فى إقامة البيت الحرام على قواعده، تلك التى أرساها رب العالمين منذ فجر الإنسانية. لكن حذارٍ، فللبيت رب يحميه، صرخة «عبد المطلب» فى القديم لـمّا حاول جيش «أبرهة» الحبشى - التقدم صوب البناء المقدس، وبمقدمة جيشه «الفيل» بغية هدمه وتخريبه، وصرف أنظار الحجيج عنه إلى كعبته بالجنوب الحبشي. وتدخلت السماء، فمنعت على التو الجيش الغازى من التقدم وضربته بالطير الابابيل «ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول» (الفيل 4، 5).
قدس العرب الأقدمون الكعبة، يقول «جواد علي» فى كتابه «المفصل فى أديان العرب قبل الإسلام»: «وقد بقى البيت معبودا مقدسا عند أهل مكة، وعند غيرهم، غير أن المشركين حولوه إلى بيت لعبادة الأصنام والأوثان والشرك حتى عام الفتح»، ولكن لأن عوامل التعرية وظروف المناخ القاسى لعبت أدوارها فى تخريب البناء، يذكر جواد «أن البيت تهدم مرارا، وأن السيول قوضت قواعده عدة مرات، لذلك لم يتمكن بيت إبراهيم وإسماعيل من البقاء، ولكن الجاهلين حرصوا على المحافظة على أسسه وشكله وموضعه، وأنهم مكثوا بعد كل هدم أو صدع يصيبه يحاولون إرجاعه إلى ما كان عليه أيام آبائهم وأجدادهم جهد إمكانهم».
وغنى عن التأريخ، أن السلف المسلم الأول تبادلوا تخريب الكعبة وتدميرها فى حروبهم السياسية التى تلبست ألبسة مذهبية بالظاهر، وفى هذا المقام فصلت التواريخ تلك الفترة المأزومة من تاريخ المسلمين الأوائل ما يعد غنيا عن الشرح والبسط والتبيان.
لكن السؤال الذى يطرح نفسه بقوة فى هذا المقام هو: هل كانت شعيرة الطواف حول الكعبة (البيت الحرام) ذات صلة بكون البيت معبودا قبل الإسلام أم أنها مرتبطة بوجود الأصنام حول البناء المقدس؟
عن السؤال (الخطير) يجيب المؤرخ جواد على بإجابة عجلى قائلا: «لاعتقادهم بأن الآلهة تحل به» نقل ذلك عن تاج العروس الجزء 2 ص 139، لكنها بالقطع إجابة كاشفة، لطالما بحثت عن سبب الطواف حول أحجار، وها هو الرجل يشفى غليلي، إنه «حلول الإله» بالبيت العتيق. ولربما لا يعلم كثيرون أن كعبة مكة لم تكن هى البناء المكعب الوحيد بصحراوات العرب، كانت الكعبات متعددة، يعطونها القداسة كما أعطى أهل مكة كعبتهم ذات القداسة أو أشد تقديسا. يقول المؤرخ اللبيب «وقد اتخذ بعض العرب بيوتا وكعبات لعبادة أصنامهم وضعوا أصنامهم فى أجوافها». لكن ارتبط بناء المكيين لكعبتهم بسلوكيات وشروطات دينية وقيم أخلاقية، إذ وضعوا شروطا لاستجلاب الأموال اللازمة للبناء كلما تهدم الصرح العظيم.
يقول الراوى إن قريشا حينما همت ببناء الكعبة، تواصوا على أن لا يدخلوا فى بنيانها من كسبهم إلا طيبا ولا يقبلوا مهر بغى ولا بيع ربا ولا يظلموا أحدا من الناس (راجع الطبرى - تاريح الأمم والملوك - الجزء الثاني). نعم أحاطت هالات القداسة بكعبة مكة منذ القديم، لكن حذار، فالخالق العظيم، خالق البشر، مكون الحجر، يحذر من نسيان الأصل الإلهى للعبادة والانجراف للشكل فقال «فليعبدوا رب هذا البيت» (قريش 3)، لا يحفل ربى بأشكال الطقوس وأحجارها يقينا، فأنت أيها المؤمن حين تطوف، لا تطوف حول أحجار، بل تطوف حول «المقدس العظيم»، ويزيدنا ربنا قائلا «فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبائكم أو أشد ذكرا» (البقرة 200)، الله هو مركز الدائرة، وليست الأشكال هناك.
انظر إلى «ابن الخطاب» استلم «الحجر الأسود»، هم بتقبيله، كما كان يفعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لكنه أردف قائلا «أعلم أنك حجر لا ينفع ولا يضر، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك» (صحيح مسلم)، إن المسلم لا يعرف عبادة الحجر، بل الخالق موجد البشر، ومكون الحجر.
إن البشر أعز عند الله من كل حجر وبناء، ولم لا؟ فلقد نظر «ابن عمر» يوما إلى الكعبة قائلا «ما أعظمك واعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك» (رواه الترمذي)، إن مصير الناس، كل الناس إلى الله، لا الحجر، أفليست الخلائق من بنى البشر هى المخصوصة بالعودة لبارئها؟، أفليست الخلائق «عيال الله» كما قال الحديث؟ وبرغم تضعيفه عند البعض، وتصحيحه عند آخرين (رواه الطبرانى والبزار وحدث به أبو بكر الخطيب) إلا أن معناه متسق مع ارتباط الناس بخالقهم وأنهم حتما صائرون إليه، أليس الله «رب العالمين»؟! ويقول مؤكدا «إن إلينا إيابهم» (الغاشية 25)، إياب البشر، لا الحجر.
الإنسان أعظم عند الله من الكعبة وأعز، وعلى من يستهين بحياة الناس واستقرارهم ويهدد ثرواتهم ان يحذر الله وغضبه، خصوصا هؤلاء المتقاتلين فى أقصى الجنوب الشرقى عند «اليمن»، اليمن الذى كان سعيدا، وها هو الآن تعيس مدمر مخرب، وعلى الجميع التوقف عن هدر الإنسان فى الشمال والجنوب لأنه «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا» (المائدة 32)، أتقايضون البشر بالحجر؟ مالكم كيف تحكمون؟! ولمصلحة الجميع التوقف عن استغلال المشاعر الدينية والشعائر لأهداف سياسية باسم «المقدس»، فلا مقدس إلا هذا القلب الذى اتسع لمولاه، عبر عنه بقوله «إلا من أتى الله بقلب سليم»، من فضلكم توقفوا عن مقايضة الحجر بالبشر، ذلك إن كنتم مؤمنين.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

20 خطيئة لمرسى العياط
آلام الإنسانية
26 اتحادًًا أولمبيًا يدعمون حطب ضد مرتضى منصور
إعلان «شرم الشيخ» وثيقة دولية وإقليمية لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر
السيسى فى الأمم المتحدة للمرة الـ5
مصر تحارب الشائعات
توصيل الغاز الطبيعى لمليون وحدة سكنية بالصعيد

Facebook twitter rss