صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

18 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

سعيد الكفراوى: نزحت من «كفر حجازى» لأحتل مقعدى من التاريخ على «مقهى ريش»

1 اكتوبر 2016



حوار- مروة مظلوم

«من نبت الأرض السمراء يخرج أبناؤها يروون للغد قصص الأمس.. عن يد أدماها نحر الصخور.. ولونتها حرارة الشمس.. لا تضطرها الأرض إلى تحطيم أخاديدها بالمحراث.. لتكشف لها عن ثرواتها.. فكما منحت صاحبها الحياة قبلاً تمنحه حبَّها للعيش فيها.. لن تمنع عنه خيرها ولا يمنعه عنها سوط حاكم أو سطوته.. فمن أصدق منه بأخبارها؟.. ومن أحق منه بوصفها؟ أساطيرها أحاديثها الخفية وأفراحها المنسية.. ميلاد وموت وحياة لم يفقه عن طقوسها أهل المدن شيء».. لكن القاص سعيد الكفراوى ملك أدواته فى التعبير عن قريته وأهلها فى قصص قصيرة وعمر طويل لم يمل فيه الحديث عن أرضه السمراء فى اثنا عشر مجموعة قصصية.. وكان لروزاليوسف حوار خاص  لحديثه عنها.

■ البداية كانت «كفر حجازي» لكنها لم تفارقك فى أى مما كتبت من قصص.. كيف كانت نشأة الكاتب فى قرية لا تقرأ؟
- نشأتى كأى فرد من أهل القرية خضع لعناصر وشروط العيش فى هذه القرية فى فترة الأربعينات تحت سطوة زمن مضى..وقيم راسخة قديمة وطفولة ريفية لأسرة من الأُجراء لكنهم شرفاء فى قرية تدعى «كفر حجازي»، وكثير من القصص التى كتبتها تدور فى هذا الإطار خاضعة لمناخها وإيقاع الحياة فيها ومجمل العلاقات التى عشت فيها غلام، كجمع المحاصيل والمواسم الحفاوة بالحيوان والميلاد طقوس الفرح والموت، ولعلنى القروى الوحيد بها الذى تنبه لفكرة القراءة.. التحقت بالكُتاب ثم المدرسة الابتدائية وبدأت علاقتى بالقراءة بـ«ألف ليلة وليلة»، قرأتها فروعت من ذلك العالم الخيالى وأصبح كل ما عرفته فى سنوات عمرى القليلة، فتحت رؤيتى على عالم تصنعه المخيلة لا الواقع وظل هذا الأثر عالقاً بى، قرأت 12 جزءًا وقرأت ما كتب عنها من دراسات ورأيت تأثيرها على كتاب عالميين مثل  جارسيا ماركيز، والكتاب اللاتينيين، والروس مروا من بابها.
■ من كان أول من وجهك لمجال الكتابة بالثناء على أسلوبك؟
- لا يوجد.. فى قريتى لم يكن هناك أحد يقرأ وحبى للقراءة لم يكن بوعى للدخول إلى عالم الكتابة هو استهواء.. فأبناء جيلى كانوا يلعبون الكرة ويسبحون فى الترعة وأنا أجلس على الشاطئ أقرأ للمازنى وعباس العقاد وعبد الرحمن الشرقاوى ومحمد عبدالحليم عبدالله ثم ظهر نجيب محفوظ ويوسف إدريس ويحيى حقى، حب القراءة فك عقدة لسانى منحنى قدراً من الفصاحة والاختلاف، والقراءة الأولى دفعتنى إلى السينما فى المحلة الكبرى التى كانت تبعد عن قريتنا 5 كيلومترات ونهر وبها أربع سينمات، ضاع بها ربع عمرى تقريباً من منتصف الأربعينيات كنت أشاهد ثلاثة أفلام متتالية تنتهى فى منتصف الليل، أقف على شط النهر ولا أجد من يعيدنى للمنزل ثانية فأضطر للعودة إلى المحلة لأسلك طريقاً آخر فأجد والدى قد أغلق أبواب المنزل ولا أجد لى مأوى إلا المسجد وفى الطريق المظلم عشرات القصص التى تستحق الكتابة وهذا ما أسميه بإحساس الفقد، حبك لشىء لا تستطيع تملكه وحرمانك منه.
■ هل كان انتقالك إلى المدينة مرحلة انتقالية فى حياتك؟
- أهم فترات حياتى الخروج من أفق القرية إلى أفق المدينة للبحث عن ثقافة مغايرة، بدأت فى المرحلة الثانوية قصتى مع بائع للكتب يدعى طلعت قنديل الذى سمح لنا باستعارة الكتاب للقراءة بخمسة قروش، كانت فترة توحش للقراءة، لتراث الأدب العربى ومترجمات بيروت وسلسلة «الألف كتاب» فتعرفنا إلى «هيمنجواى» و«ويليام فوكنر» و«تولستوى» و«أنطون تشيخوف» وكان لقائى الأول مع صديق العمر «نصر ابوزيد»، كانت حياته قصة كفاح يحتذى بها، يعمل فى النجدة ويصلح أعطال اللاسلكى ويعول أسرة، وعلى الرغم من ذلك استأنف دراسته وحصل على  ليسانس الآداب والدكتوراه، وصار شيخاً من شيوخ التحديث فى الفكر والنص الدينى فى مصر، التقت أفكارى مع نصر وأسسنا ما يسمى بنادى الأدب فى قصر ثقافة المحلة، كنا نجتمع به أسبوعياً نناقش الشعر، القصص القصيرة، نراجع بعض الكتب المقروءة، نُكون وعياً بما يدور حولنا، كنا بلا استثناء معارضين لحركة يوليو 1952، لم يرق لنا أن يستبدل الزعيم نفسه بالأمة ولا حقبة الاعتقالات تلك والمصادرة وغلق منافذ حرية التعبير وإلغاء الأحزاب.
■ هل صُدمت ثقافيا فى زيارتك إلى القاهرة؟
- نزلت إلى القاهرة فى أحد أعياد ثورة يوليو فى الخمسينيات وكان لدى إحساس بأن أجد نجومى المفضلين فى استقبالى يسيرون بشكل عادى فى شوارع القاهرة، حسين صدقى فاتن حمامة محسن سرحان شكرى سرحان.. ما أدهشنى طول الشارع وقلة السيارات.. جلست وقتها تحت تمثال سعد زغلول أتساءل إلى أى منزل «من النجوم» ينتهى هذا الطريق أو ذاك.. وميدان التحرير كان به النافورة وأشجار مفتوح على النيل والمصريين فى الميدان يغنوا أغنية نجاة  «يا حمام البر رفرف» كلمات صلاح جاهين فكرت وقتها أن أصرف مافى جيبى من نقود وأعود إلى قريتى سيراً على الأقدام لكننى تراجعت.
■ للزمن قصة مفتوحة النهاية مع الماضى لا يتخطاها الكفراوى فى كتاباته؟
- أنا أحد أبناء الماضى وأستدعيه عبر ذاكرة تكتب القصص فأنا أعتبر الماضى أصدق الأزمنة لأن الحاضر والمستقبل يذهبان إليه ينمحى الحاضر وينمحى المستقبل ولازمن خلود سواه.. وهناك بطل فيما كتبت كان يصرخ دائماً «غايتى أن أستحوذ على زمن يضيع» وصديقى جمال الغيطانى كان دائماً يقول «أنا عايز أعرف بكرة راح فين؟»، فكرة الزمن كتبت الكثير من الإثنا عشر مجموعة القصصية الماضية حتى أن أستاذى د.شكرى عياد كتب دراسة عن كتاباتى جاء فيها «أن الزمن عند الكفراوى زمن بئر تتقطر فيه تجارب البشر فلا فرق بين إنسان عاش من ألف سنة وإنسان يعيش اليوم.. فالزمن فى البئر هو زمن يسعى للخلود والفن والحضارة».
■ تؤمن بدور الرواية التاريخية فى تسجيل مشاهد بعينها من التاريخ؟
- بالطبع.. أفضل من واكب زمن مصر واستطاع أن يبرزه إبداعاً هو نجيب محفوظ، ثمة مائة عام تتجلى فى نصه.. وثمة ماضى زاخر كتب به مشروعه الأدبى على مدار حياته، جسد المراحل فى الحقبة الفرعونية.. ثم الثلاثية من عام 1908 حتى مداخل الأخوين السجن ثم استكمل ما جرى مع ثورة يوليو.. فكتب كتابين عبقريين» أصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة فى جزءين، 65 كتاباً لنجيب محفوظ عندما نقرأه نتأمل حياة الوطن ولكونه أديباً مبدعاً ومثقفا وكشخص مخلص لتاريخ وطنه استطاع أن يكون واحداً من كهنة مصر فى الكتابة عنها إذاً نجيب محفوظ هو كاتب الزمن المصرى وتجلى هذا كله فى ملحمة الحرافيش.. هى رواية الزمن أجيال تتناسل وأحفاد وأبناء وحيوات تتغير وفتوات تتوالى وأخرى تنقضى كل منهم  يحمل على جبينه سؤال العدل.. كيف على الإنسان تحقيق العدل فى هذا الوجود الملتبس.
■ تحدثت عن رفقاء الكفاح فى المحلة.. ماذا عن صحبة القاهرة من الأدباء؟
- جيل الستينيات من الكتاب نزل إلى القاهرة يحمل حلماً بتغيير العالم ثورة الطلاب فى فرنسا 1968 وكانت هزيمة يونيه 1967 المروعة وقبل لقائى بأبناء جيلى كنت متابعاً للمسرح شاهدت أعمالا ليوسف إدريس نعمان عاشور ميخائيل رومان ومحمود دياب ولطفى الخولى نجوم الستينيات وزهوة المسرح المصرى فى هذا الزمن.. لم أعرفهم فى الواقع أو أماكن تجمعهم  وعندما نزلت مجلة جاليرى  68 معبرة عن هذا الجيل فأندهشنا فى الكتابة فيها ورأينا أسماء مثل صنع الله إبراهيم عبد الحكيم قاسم إبراهيم أصلان أمل دنقل محمد عفيفى مطر.. إبراهيم منصور.. ويحيى الطاهر عبد الله ومحمد مستجاب والأبنودي.. فإحدى الليالى فى حديقة الأزبكية رأيت شابا أسمر نحيلا كان جمالى الغيطانى واقف يتحدث إلى شخص آخر عرفته بنفسى فوجدته يعرفنى ويقول أنه قرأ لى قصة قصيرة فى مجلة نادى القصة فسألته أين يجلس الأدباء الشبان على مقهى ريش مع الأستاذ نجيب محفوظ انتظرته يوم الجمعة وذهبنا سوياً كانت موائدها مثبتة فى الأرض مفتوحة على الشارع ونجيب محفوظ يجلس ويلتف حوله ما يقرب من أربعين كاتب.. أنا لم أبرح مكانى فى ريش منذ ذلك اليوم.. سافرت إلى المحلة ونقلت عملى فى بنك التسليف إلى نظيره فى بنها واخترت المرج أقرب مدينة فى القاهرة «وظيفتى التجارة»، اخترت التجارة لأن الظروف لم تتح لى اختيارا آخر تم تعيينى خلال شهر فجمال عبد الناصر كان بحاجة للنخبة من المتعلمين ليشغلوا مناصب فى نظامه الإدارى وتوضيب بنوكه كان بحاجة إلى عمالة فى ظل قلة العمالة المتعلمة سكنت عزبة النخل القريبة من المرج كنت آخذ القطار إلى وسط البلد.. ليلحق اسمى بركب هذا الجيل «جيل تنبأ بهزيمة 67».
■ هل تنبأ جيل الستينيات بهزيمة 1967؟
- صنع الله إبراهيم كتب «تلك الرائحة» قبل هزيمة 1967 فيها النكسة واضحة القمع السياسى كأحد أسبابها.. أمل دنقل نشر البكاء بين يدى زرقاء اليمامة».. ديوانه صدر بعد 67 لكنه نشره قبل ذلك.. زرقاء اليمامة تلك المرأة التى رأت الأعداء بعينيها قادمين متخفين وراء الشجر وتصرخ فى أهلها ليستعدوا لمواجهة الأعداء لكنهم لم يصدقوها وفقئوا لها عينها وفقدت بصرها لكنها لم تفقد البصيرة فجاء الأعداء متخفين بالشجر.. وعفيفى كتب النهر يلبس الأقنعة.
■ وماذا عن ثورة 1952 هل سبقتها التنبؤات؟
- ما قبل الثورة لم يكن هؤلاء مجتمعين ولهم وجود فعلى فى الحياة الثقافية فى مصر هم ظهروا فى أواخر الخمسينيات.. هم جيل يمثل وثبة مضادة فى الثقافة المصرية.
■ ولماذا لم تنتبه السلطة.. هل  السلطة غير قارئة أم تتعمد الجهل آنذاك؟
- السلطة كانت تصادر الأقلام المضادة من خلال أجهزة ثقافية تتبعها وبالتالى فى ذلك الزمن ظهرت الكتابة الرمزية ليفلت الكاتب من عيون السلطة فيكتب برموز غامضة وسبب سجنى.. قصة اسمها المهرة عن مهرة يمتطيها الأخ الأكبر ويوسعها ضرباً بالكرباج وشقيقه الأصغر  يحلم  بركوبها فضربه لمجرد الحلم وحين غاب الكبير عن البلد امتطاها الصغير وتجول بها فى البلد ونظر له أهلها نظرة إعجاب وتقدير ومحبة وعندما عاد الأخ الكبير جلده.. ففسرها أمن الدولة بأن المهرة مصر والأخ الكبير جمال عبد الناصر والأخ الصغير الشباب الذى يطمح للمستقبل وألقوا القبض على، بسبب القمع تحولت أغلب كتابات نجيب محفوظ فى تلك الفترة إلى كتابات رمزية ولاد حارتنا» رمزية.. اللص والكلاب.
■ لماذا استطاعت السلطة وقتها فك رموز قصتك ولم يفكوا رموز نجيب محفوظ فى رواياته؟
- كان هناك ما يعصم نجيب محفوظ ويمنعهم عنه حجمه الكبير وموهبته وصداقته بمحمد حسنين هيكل، فقد كان على وشك الاعتقال فى إحدى المرات بتعليمات من عبد الحكيم عامر لولا تدخل هيكل ومغامرته بالحديث مع جمال عبد الناصر الذى رفض اعتقاله وقال له نصاً «إذا كان فينا الحاجات اللى بيقول عليها نجيب محفوظ يبقى عنده حق سيبوه يكتب»، و«أولاد حارتنا» سمح جمال عبدالناصر بنشرها فى الصحف ولكن لاتطبع فى كتاب، الرواية طبعت فى بلدان عربية كثيرة ولكنها  إلى يومنا هذا لم تطبع فى مصر.
■ ابن القرية كيف رأى كاتبه المفضل «نجيب محفوظ « ولقاءه الأول به؟
- روايات نجيب محفوظ جسدته فى ذهنى كان يمثل لى قيمة على مستوى الخيال واللغة ونظرت له باعتباره المؤسس الحقيقى لفن الرواية العربية لأنه قريب من الحياة العامة ومتابع لها وكانت المقهى فى حياته ملاذا للظلم وللاحتكاك بالناس واكتساب الخبرة ومعرفة الحياة يقولون إنه لا يوجد مقهى فى القاهرة لم يجلس عليه نجيب محفوظ من العباسية إلى الدقى والأزبكية وهى بؤرة للفن والطرب والمسرح ولفتيات الليل وكانت مهنة مصرح بها قانونا فترة الثلاثينيات والأربعينيات وكان يوقع عليهم الكشف الطبى والأغنية المشهورة «سالمة ياسلامة روحنا وجينا بالسلامة» كن يرددنها بعد عودتهن.. لم يكن هناك بيت سرى لم يخضه نجيب محفوظ لم يكتب كاتب تلك الكتابة إلا ولابد أن يكون خبر الحياة بكل جوانبها خيرها وشرها  وانعكس ذلك فى الثلاثية.. ولقب فى تلك الفترة بــ«نجيب أبوالروس» كان فتوة ولاعب كرة.
هذه الخبرة بالعالم المثقف القارئ للفلسفة وعلم النفس ويجيد لغتين وغطى تاريخ حياته ورفض أن يكون محامى وقبل الالتحاق بمدرسة المعلمين.
عندما بدأنا الكتابة كان نجيب محفوظ بالفعل لديه تراث وإنتاج ثرى فتح أمام أعيننا آفاقا جديدة وألهمنا مزيداً من الوعى.. عندما جئت إلى القاهرة فى أوائل الستينيات كانت تنشر رواية اللص والكلاب مسلسلة فى الأهرام وذهبت إلى محمد عبد الحيلم عبدالله فأعطانى كتاب «شجرة اللبلاب» وطلبت منه لقاء نجيب محفوظ فاتصل به وقال له» معايا واحد من الفلاحين عايز يتعرف عليك» فأرسلنى إليه فى هيئة الفنون كان رئيسها وناقشته فى اللص والكلاب بعد ذلك كان الطريق إلى ريش وصرت واحداً من دراويش نجيب محفوظ  أو بالمعنى الأدق مصدر إلهام وصد بعين نجيب محفوظ كيف يكتب أمل قصيدة التفعيلة والنثر أصلان والطاهر ومستجاب والكفراوى  هؤلاء الشباب الذين يتابع حياتهم مواهبهم «يرانا لأننا مختلفون عنه نملك رؤية مختلفة أبناء الهزيمة ضد العنف وضد سلطة الرئيس وأن يحكم الواقع رؤية دينية متخفية فى شكل سلفيين أو إخوان وجميعهم أهل اليسار وأغلبهم شيوعيين دخلوا السجن وخرجوا منه عدة مرات «اعتادوا الاعتقال» وعاشوا حقب سريعة ولنهم ضد النظام همشهم النظام فكانوا متناقضين.
وكان هؤلاء الشباب هم وراء البيان رقم 72 ضد السادات لسنة الحسم والحرب وقع على البيان نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وثروت أباظة وعبدالرحمن الشرقاوى ولطفى الخولى ولويس عوض وسبهم السادات فى التليفزيون.. كان نجيب محفوظ يرقبهم عن قرب فتكونت العلاقة بيننا وبين الأديب الكبير نكتب القصص ونعرضها عليه فى مقهى ريش ويعود فى اليوم التالى بعد قرأتها ومعه مجموعة من التعليقات والملاحظات ثم كتب محفوظ  مجموعته «خمارة القط الأسود» مستفيداً من تجربته مع هؤلاء الكتاب الشبان.. مجموعة تجريبية تلتزم شروط الحداثة خارج الوقائع والواقع والتجربة الإنسانية داخل شكل حديث مختلف تماماً وظلت علاقتنا به قائمة حتى جاءت تعليمات من أمن الدولة بمنعه من الجلوس معنا على المقهى فنقل  جلسته إلى قصر النيل.. تغير هؤلاء الشباب وأصبح  لكل مقامه جمال وصنع الله.. أصبح احساسهم بأدوارهم لا يقل عن دور نجيب محفوظ.. لكننى كنت أشتاق إليه وأزوره.. كان يأتى لمستشفى د. الرخاوى أسبوعياً.. وعندما تعرضت لأزمة وأجريت جراحة القلب المفتوح اتصل بى محفوظ وقال مداعباً «يا كفراوى أوعى تموت لأحسن أزعل.
■ لم يسلم الكفراوى من قلم نجيب محفوظ.. كنت بطلاً لرواية «الكرنك».. حدثنا عن ذلك؟
- عمق العلاقة مع نجيب محفوظ كانت عندما تم القبض على فى المحلة أوائل السبعينيات وسُجنت فى القلعة لمدة 6 أشهر وخرجت بعد وفاة عبد الناصر بأسبوع.. ذكرى خروجى من المعتقل هذه الآيام  ذهبت إلى مقهى ريش وجدت الأديب الكبير يجلس وحده وطلب منى أن أقص عليه قصة اعتقالى بأدق التفاصيل فأخبرته بأنه تم القبض على من منزلى بالمحلة بواسطة ضابط وأربع عساكر أمضيت 6 أشهر تتلخص فى حضور اثنين من المحققين إلى محبسى صباحاً أحدهم يمسك عصا ينقر بها على المكتب والآخر وكيل نيابة يقول «يا كفراوى أنت كنت إخوان.. خالك السيد المرسى إخوانى.. ولك صديق يكتب قصصا إخوانيا وفى المساء يأتى اثنان أحدهم محقق والثانى حامل العصا والتهمة الجديدة «أنت شيوعى يا كفراوى.. أنت صاحب إبراهيم فتحى ويحيى الطاهر عبدالله والأبنودى ولطفى الخولى وجلستك المستمرة مع نجيب محفوظ وهم شيوعيين».. وهكذا يتبادل المحققون على صباحا ومساء بتهم متضاربة.. فى حين كان السبب من وراء ذلك قصتى القصيرة «المهرة» التى نشرت فى مجلة سنابل لرئيسها عفيفى مطر.. وعندما أعياهم كثرة السؤال سألونى عن انتمائى فقلت أنا لا أنتمى لهؤلاء أو هؤلاء أنا كاتب قصة فى صف المعارضة ولا أنتمى لأى تنظيم.. بعدها بشهور خرجت «الكرنك» إلى النور وأثناء جلستنا مع الأديب الكبير فاجأنى محفوظ بقوله «يا كفراوى أنت إسماعيل الشيخ»،الدور الذى جسده نور الشريف فيما بعد فى فيلم الكرنك.. وشرفنى اختياره لشخصى بطلاً لروايته.
■ من المعروف عن نجيب محفوظ  أنه يستلهم الصفات الجسدية لشخصياته من المواقع ويحيك أحداث رواياته  وحبكتها النفسية والصراعات وفقاً لها..ما مدى توافق الشخصية التى جسدها «نجيب محفوظ على الورق وشخصيتك الحقيقية»؟
- بالضبط هو ما حدث أخذ روح القصة الأصلية لمقهى ريش استلهم من حكايات الشباب وحياتهم صراعاً  وأن حماسهم لو تواجد فى  مناخ حر ليبرالى كان من الممكن أن يكونوا جزءا من حركة التقدم إلا أن القمع والتعذيب والعنف والمعتقل حال دون تحقيق أحلامهم للوطن.. معظم الشخصيات استلهمها من شباب الكتاب بمقهى «ريش» أو كما هى فى رواية محفوظ «الكرنك».
■ أنت أيضًا كتبت عن «ريش»؟
- أفضل ما كتبت عن «ريش» وتاريخها وصدر عنها كتاب «حكايات عن ناس طيبين»  وكتب عنه كثيرون جابر عصفور وصلاح فضل وشكرى عياد.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

قبيلة الغفران تجدد الشكوى إلى المفوضية السامية ضد همجية «نظام الحمدين»
الخيال العلمى فى رواية «الإسكندرية 2050»
900معلمة بـ«القليـوبية» تحت رحمة الانتـداب
خريطة الحكومة للأمان الاجتماعى
الكاتبة الفلسطينية فدى جريس فى حوارها لـ«روزاليوسف»: فى الكتابة حريات تعيد تشكيل الصورة من حولنا
«محافظ الجيزة» بالمهندسين بسبب كسر ماسورة مياه.. و«الهرم» غارق فى القمامة !
السفير محمد إدريس مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة فى نيويورك لـ«روزاليوسف»: بيان القاهرة يؤسس لإعلان سياسى هو الأول من نوعه فى حفظ السلام

Facebook twitter rss