صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

22 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

معماريون واجتماعيون: اختفاء مبانى البحر المتوسط يهدد أخلاق المصريين

21 سبتمبر 2016



 تحقيق- منى صلاح الدين

مبان ذات واجهات مزخرفة بالطوب الأحمر، وأعمدة رشيقة، حولها شرفات واسعة، تطل على حياة الناس والطبيعة، تتيح لناظريك الوصول إلى ظلال الأشجار البعيدة وأصوات الناس الدافئة.
وفى الأسفل بواكى تظلل المحلات والطوابق الأرضية، تحمل الهواء الرطب فى لهيب الحر إلى سكان الطابق الأرضي، أو رواد المحال والمارة من عابرى السبيل، فيسيرون فى راحة بال وهدوء.
شبابيك المطبخ تحمل ضحكات ونوادر ويوميات تتبادلها سيدات وفتيات الجيران مع رائحة الطعام، وفى الليل تحلو سهرات السطوح حول صينية شاى وحلوى.
هذه هى مبانى البحر المتوسط التى لا يزال الكثير منها منتشراً فى أحياء القاهرة والإسكندرية وبورسعيد وغيرها، والتى لا تختلف كثيرا عن مبانى البندقية وجنوب فرنسا وفى الجزائر وتونس.
تلك المبانى التى عاش فيها المصريون لسنوات طويلة، ويحذر الاجتماعيون والمعماريون من تعرض أخلاق وقيم المصريين الأصيلة للخطر مع تعرضها للهدم واختفاء طرازها المعمارى من حياتنا.
الدكتورة سهير حواس، أستاذ العمارة بهندسة القاهرة، ورئيس اللجنة الدائمة لحصر المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز للمنطقة الغربية التابعة لمحافظة القاهرة، توضح أن مبانى البحر المتوسط تجمعها طبيعة الدول المطلة على البحر المتوسط الجغرافية والمناخية وخامات البناء، وتوفر لساكنيها أقصى راحة بيئية ممكنة، وتتميز واجهاتها بالطلاء فاتح اللون أو زخارف الطوب الأحمر والأعمدة ذات التيجان الرشيقة، والعقود والشرفات والممرات «البواكى» بالأسفل.
تلك المبانى التى نراها فى  أحياء القاهرة المشيدة فى أوائل القرن العشرين وحتى الأربعينيات،  مثل بعض عمائر وسط البلد «التى تضم محلات «جاتنيو» بشارع محمد فريد، ومثل تلك المبنية على كورنيش الإسكندرية، التى تشبه مبانى فنيسيا بجنوب إيطاليا.
وكما نجد هذه المبانى فى حى الأفرنج بمحافظة بورسعيد، ومبانى رشيد المميزة بواجهاتها ذات الطوب الأحمر.
وتحذر حواس من تأثير اختفاء هذا الشكل من المبانى، على الذاكرة التاريخية للمدن، والتقليل من قيمتها التراثية والجمالية وبالتالى السياحية.    
لكل مبنى ثقافته
يؤكد الدكتور «سيد التوني» أستاذ العمارة والتصميم العمرانى بكلية الهندسة جامعة القاهرة ومقرر لجنة العمارة بالمجلس الأعلى للثقافة، على وجود علاقة بين البيئة المشيدة «أى المدن والأحياء وأنماط العمران» وبين العلاقات الاجتماعية والثقافة السائدة فى أى مجتمع.
أى أن اتساع حجم مدينة كالقاهرة، بعدد سكانها المرتفع وأشكال عمارتها الحديثة ذات الارتفاعات العالية كثيرة الشقق، والشوارع الواسعة التى تفصل بين الكتل السكانية بعضها البعض، أدى إلى زيادة الإحساس بالغربة بين الناس وعدم الطمأنينة وخاصة فى المدن الجديدة والتجمعات السكانية التى تحيط بها أسوار ببوابات.
ويرى التونى، أن طراز العمارة المصرية الذى انتشر فى الفترة بين عشرينيات وأربعينيات القرن العشرين والذى يماثل عمارة دول البحر الأبيض المتوسط، هو أنسب أنماط العمارة التى شجعت كثيرا وساهمت فى زيادة التعارف بين الناس وإقامة العلاقات الاجتماعية الحقيقية المبنية على الصدق والبعيدة عن التجمل.
ويكمل: كانت هذه العمائر تضم عددا قليلا من الأسر تصل إلى 12 أسرة  على الأكثر فى العمارة الواحدة، مما كان يتيح الفرصة لوجود علاقات الزواج والنسب بين السكان كما فى أحياء شبرا والظاهر والعباسية ومصر الجديدة.
ويرى التونى أن ما ضمته هذه المنازل من عناصر كالمناور الواسعة والنوافذ العالية والأسطح والبلكونات وايضا السلم الواحد الذى يخدم هذه الأسر الصغيرة، كانت لها أكبر الأثر فى وجود قصص الحب التى غالبا ما كانت تنتهى بالزواج بين أبناء وبنات الجيران أو أقاربهم الذين كانوا يأتون الى زيارتهم.
حارة برجوان
ويؤكد الدكتور مختار الكسبانى أستاذ العمارة الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، أن التخطيط الرئيسى للمدن الإسلامية المكون من شارع رئيسى تتفرع منه عدة حارات أو أزقة، كان يميز طريقة توزيع السكان، الذى يضعه مخطط المدن على أساس علاقات حسن الجوار، فكانت تسكن فى كل حارة أبناء قبيلة واحدة أو عائلة واحدة، ففى القاهرة القديمة كانت هناك حارة الروم، حارة برجوان، ثم حارة اليهود وغيرها.
ويكمل: وتدل أسماء هذه الحارات على أن من كانوا يسكنون بها كانوا من نسيج واحد، أغنياء وفقراء من نفس العائلة الكبيرة، يعطف غنيهم على فقيرهم، وكان هذا النسيج المتماسك يسهل علاقات النسب والزواج فيما بينهم. ويكمل الكسباني , حاولت الحكومات فيما بعد أن تفعل أمرا مشابها فى بعض أحياء القاهرة، فتم إنشاء حى لأصحاب المهنة الواحدة مثل حى المهندسين ومدينة العمال وغيرها، لكن التجربة لم تنجح بسبب غياب الرابط الاجتماعى بين اصحاب تلك المهنة من ناحية ومن ناحية أخرى دخول فئات أخرى بين السكان.
بيوت قليلة الحياء
ويوضح الكسبانى تأثير تصميم المسكن ومواد البناء الحديث  بشكل غير مباشر على العلاقات الاجتماعية، قائلا:البيوت العربية الطراز كانت ذات طابع يحافظ على اسرار وخصوصية البيوت ومن يقيمون بداخلها، فمثلا الأسقف مرتفعة ومعزولة بالخشب الذى لايسرب الصوت بسهولة، والجدران سميكة لا يقل سمكها عن 60 سم، بخلاف البيوت الحديثة التى لايتجاوز سمك حوائطها عن 12أو15 سم وتسمح بمرور الصوت خارجها مما يجعل اسرار البيوت معلنة للبيوت المجاورة مما يسهل على  الجيران معرفة  اسرار بعضهم البعض  ويعرف كل منهم مالا ينبغى أن يعرفه عن الآخر، مما يقلل ثقة كل منهم فى الآخر.
المنفعة والمصلحة
الدكتور أحمد مجدى حجازى استاذ الإجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة،  يرى أن العمائرو المبانى السكنية الآن أصبحت مؤشرا ورمزا للتحول فى العلاقات الإجتماعية بين الجيران،  الذى كان قائما على التعاون والمعرفة المباشرة للأشخاص وجها لوجه، ليتحول الى علاقات المصلحة والمنفعة، مما ساعد على التباعد والتحفظ بل والغموض بين الجيران بعضهم البعض.
أما أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، على ليلة، فيربط بين مبانى القاهرة التى بنيت فى أوائل القرن الماضى وحتى الأربعينيات، والتى تتميز بالاتساع وارتفاع الأسقف، وبين مشاعر الراحة النفسية والبعد عن التوتر، التى كان يتمتع بها المصريون من خلالها.
كانت هذه المبانى تسمح للسكان بالاستمتاع بمميزات الجلوس فى البلكونات، التى تربط الساكن بأصوات الناس والطبيعة، وكانت الأفراح تقام على الأسطح، بما كان يقوى قيم الجيرة والتراحم والمودة والتواصل والإخاء بين سكان المنطقة والأصدقاء والأقارب.
ويتوقف د. على ليلة عند شباك المطبخ فى بيوت المصريين وقتها، والذى كان وسيلة لتبادل الحديث بين سيدات الجيران، مع روائح الطعام، وقد تكون الشبابيك قريبة بما يسمح بتبادل أوانى الطعام، وتبادل الطعام الذى صنع بأيدى سيدات الجيران.
تلك اليوميات التى كانت توطد علاقات الجيران، وتجعل الجيران يشعرون بأنهم أسرة واحدة، وهى المشاعر التى تشبع حاجات الإنسان النفسية والعاطفية.
على الجانب الآخر، فان غياب نمط هذه المبانى والعلاقات يزيد من العنف داخل المجتمع، كما يرى د. على، الذى يؤكد أن جمال المبانى ينمى حب الناس للجمال، والميل للهدوء والبعد عن العنف.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

20 خطيئة لمرسى العياط
آلام الإنسانية
26 اتحادًًا أولمبيًا يدعمون حطب ضد مرتضى منصور
توصيل الغاز الطبيعى لمليون وحدة سكنية بالصعيد
إعلان «شرم الشيخ» وثيقة دولية وإقليمية لمواجهة جرائم الاتجار بالبشر
مصر تحارب الشائعات
السيسى فى الأمم المتحدة للمرة الـ5

Facebook twitter rss