صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

16 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

نعيمة.. قصة سجينة تدفع سنوات عمرها ثمنا لخطأ سكرتير المحكمة!!

21 سبتمبر 2016



تحقيق - هبة محمد

لايدرك الشخص فداحة ما ارتكبه من جرم إلا بعد أن يجد نفسه قابعا فى ظلمة أحد السجون بينما تتساقط سنوات عمره أمام عينيه، وتضيع معها أحلامه بحياة كريمة وعيشة رغدة، ظن بجهل أنه سيحققها بطرق غير قانونية، نعيمة محروس رضوان إحدى هؤلاء، حيث حكم عليها فى قضيتين متفرقتين بتهمة الإتجار بالمخدرات بإثنى عشر عاما ضاع فيها زهرة الشباب، وتفرق الأبناء، ورحل الزوج إلى مكان غير معلوم.
(إصلاح وتهذيب) هكذا لخصوا وصفهم للسجن فى كلمتين مقتضبتين، لكن لدى نعيمة كان له وصف آخر، فهو مرارة و اشتياق لخمسة أبناء تركت أصغرهم وعمره لايتجاوز سبع سنوات، وخرجت بعد أن أصبح شابا يجهز عشًا صغيرًا للزوجية، ويعمل كسائق (توكتوك) أملا فى توفير لقمة عيشه، بذلت نعيمة قصارى جهدها لتلم شمل تلك الأسرة المنكوبة، تماما كما بذلت كل ما بوسعها لتحصل على لقمة عيشها من عرق جبينها، بعيدا عن المخدرات التى ضيعت حياتها كما تضيع حياة متعاطيها، ولأن المعاش الذى قررت مصلحة السجون صرفه لها والذى يتجاوز الثلاثمائة جنيه بجنيهات قليلة لايكفى قوت يومها، فكان السعى للحصول على كشك تبيع فيه ما يؤمن حياتها وابنائها، لكن المأساة إلى الآن لم تبدأ بعد، فبعد عامين من الإفراج عنها بعد اتمامها لمدتها كاملة فوجئت بالقبض عليها بحجة أن الحكم فى إحدى القضيتين لم يكن ست سنوات كما نفذته إدارة السجن، بل كان عشرسنوات أخطأ فى كتابته موظف المحكمة، وعليها بعد أن وصلت إلى أرذل العمر و أصابها ما أصاب من فى عمرها من أمراض ،أن تقضى السنوات الأربع داخل السجن فى سابقة لم تحدث من قبل فى المحاكم المصرية..
صدمة وشعور بالرفض
القصة تحمل من الغرابة ما يثير اندهاش كل من سمعها، لكنها على لسان نعيمة تحمل من الأسى والمعاناة قدرا يكفى العالم بأسره، فنعيمة المحجوزة فى قسم روض الفرج منذ الثانى من يوليو الماضى فى انتظار الترحيل إلى سجن القناطر مرة أخرى بعد أن تجاوز عمرها الخمسين بسنوات قليلة لم تعد هى نعيمة التى دخلت القناطر أول مرة وهى لا تزال فى عز شبابها، لم تشأ أن تحدثنى عن ظروف حجزها فى قسم روض الفرج رغم أنها تتبع لقسم الساحل الذى لايوجد به حجز، لذلك يتكدس سجناء قسمى الساحل وروض الفرج فى مكان واحد فى انتظار الترحيل أو الإفراج، فخبرتها الطويلة داخل السجون علمتها أن الشكوى قد تتسبب فى إيذائها.
(فزورة) هكذا وصفت نعيمة  عودتها مرة أخرى لأيام العذاب والشقاء، حيث تقول، حكم على فى الخامس والعشرين من مايو عام 2002 من محكمة جنايات القاهرة بالسجن لمدة ست سنوات بتهمة حيازة مخدرات بغرض الإتجار، وقضيت تلك المدة بنفس راضية، حيث كنت أنال عقاب ما اقترفت من إثم لا أستطيع نكرانه، وقررت أن أخرج من السجن إنسانة مختلفة لأعود إلى حضن أبنائى الذين حرمتنى الظروف من قربهم، ولأخفف الحمل الثقيل من على أكتاف والدتى التى تحملت رعاية أبنائى فى غيابى قدر استطاعتها، كنت أعد الأيام والليالى بعد مرور خمس سنوات من مدتى، وأعد العدة لما أنوى القيام به مع أبنائى لأعوضهم عن سنوات الغياب، حيث  كان زوجى فى هذه الأثناء يحاكم فى قضية مخدرات أخرى تتبع محكمة قليوب، الغريب أن اسمى قد أدرج بها كمتهمة ثالثة دون علمى، وبينما حكم على زوجى بالبراءة من هذه القضية، حكم على غيابيا بالسجن ست سنوات جديدة، وفى صباح يوم أسود أبلغتنى إدارة السجن بأن لدى حكمًا غيابيًا يستوجب تنفيذه بست سنوات إضافية ستخصم من عمرى دون أدنى ذنب، الصدمة أصابتنى بالجنون، والجميع فى السجن كان يعلم أنه لا ناقة لى ولا جمل فى تلك القضية، لكنهم قالوا لى أرضى بالمقسوم، وبما أننى لم أكن أمتلك نقودا لأدفع بها أتعاب المحامى ليطعن لى على الحكم، قررت أن أقبل بقضاء الله، خاصة بعد أن تخلى عنى زوجى، ولم يبق لى فى الحياة سوى والدتى السيدة المسنة، التى كانت تداوم على زيارتى فى السجن، ولازلت أذكر حتى الآن ماكنت أشعر به من انقباض عندما كنت أشاهد تذكرة الزيارة فى يديها مكتوب بها 12 سنة، فى إشارة إلى المدة المحكوم على بقضائها فى السجن، حتى أننى طلبت من إدارة السجن تخفيف العقوبة بعد ضمها، لكنهم رفضوا بحجة أن الست سنوات الأولى كانت مع الشغل، بينما الأخرى مع النفاذ، ولأننى أجهل الأمور القانونية كنت أرضى بكل مايقال لى، حتى جاءت الثورة فجددت الأمل بداخلى لأن أخرج بعفو كغيرى من السجناء، وأرسلت كثيرا من طلبات العفو إلى مصلحة السجون كلها قوبلت بالرفض، لكن مأمور السجن صارحنى بأن من يخرج لابد أن يكون له سابقة واحدة، وبما أن لى قضيتين فمن الصعب قبول طلبى، واستسلمت لقدر الله مجددا وأكملت مدتى.
شهادة فقر
27 مايو 2014، يوم لا يغيب عن ذاكرة نعيمة أبدا، حيث ودعت زميلاتها السجينات فى سجن القناطر على وعد بلقاء قريب تأتى إليهم فيه كزائرة، فالعودة للإقامة فى هذا المكان مجددا أمر لم يخطر على بال نعيمة مطلقا، خاصة أنها تنوى فى قرارة نفسها ألا ترتكب أى مخالفات تستوجب دخولها إليه مجددا، تفاصيل اليوم كانت شاقة ومرهقة، تتذكرها نعيمة وكأنها حدثت للتو، حيث ذهبت إلى نيابة قليوب فى البداية لتحصل على صحة الإفراج، وبما أنها لا تمتلك مبلغ الكفالة المقرر لها بمائة ألف جنية فقد استصدرت شهادة فقر من هناك تفيد بعدم قدرتها على دفع المبلغ، حيث تقول، اخترت أن أعمل بهم ثلاثة شهور طبقا لقواعد السجن، الذى يكفل للمتعسرين فى السداد هذا الأمر، رحلت بعدها إلى نيابة الساحل الكلية لأحصل أيضا على صحة إفراج فى قضيتى الأخرى، وبعدها تنفست هواء الحرية بعد حرمان دام اثنى عشر عاما، كل ما كان يشغل بالى وقتها هو أن أجمع شتات أبنائى الذين فرقتهم الدنيا، واجتهدت كثيرا فى الوصول إليهم، فالبنات تزوجن دون أن أشاركهن فرحتهن كبقية الأمهات، والبنين تفرقت بهم السبل، وأصبح كل واحد منهم يعمل بمجال، ونجحت فى لم الشمل مرة آخرى، كنت فى هذا الوقت قد حصلت على معاش بسيط من مكتب الخدمة الاجتماعية بمصلحة السجون بالإضافة إلى سعيى الدؤوب فى الحصول على كشك يساعدنى على متاعب الحياة، وقبيل عيد الفطر بأيام قليلة، حيث كنت أستعد لزفاف ابنى الأصغر، حضر لى أمين شرطة من قسم الساحل، وطالبنى بالتوجة للقسم لوجود بعد البيانات الناقصة حول تسديدى لمبلغ الكفالة، وطلب منى أن أحضر مايثبت أننى تعثرت فى دفع المبلغ، وبالفعل حضرت ومعى كل الأوراق التى تثبت صحة موقفى، لكننى فوجئت أنهم يلقون القبض علىّ داخل القسم، بحجة أن هناك أربع سنوات فى مدتى لم أقضيها بسبب خطأ سكرتير المحكمة فى تدوين الحكم بشكل صحيح، فهل يعقل أن خطأ الموظف فى أوراقى التى مرت على كثير من الجهات لم يكتشفه أحد إلا بعد مرور كل هذه السنوات؟
صحة إفراج
لاشك أن ضيق ذات يد نعيمة كانت سببا أساسيا فى تطوع أحمد عبد العاطى -المحامى بالاستئناف العالى ومجلس الدولة-  للدفاع عنها، لكن غرابة القضية وعدم مصادفته لمثلها طوال مشواره المهنى كان العامل الأكبرالذى دفعه إلى ذلك،حيث يقول، اطلعت على حيثيات الحكم الصادر من محكمة جنايات القاهرة والمدون به عشر سنوات، لكن مسودة الحكم المكتوبة بخط يد القاضى لم تعد ملامحها واضحة، لأنه دونها بالقلم الرصاص، لذلك يصعب التأكد من مدة الحكم بشكل قاطع، لكن كل ما علمته أن هناك موظفًا بالمحكمة يحاكم بتهمة الإهمال، حيث انتفت شبهة التزوير المتعمد، لكن الغريب أن حكم المحكمة يمر على العديد من الجهات قبل تنفيذه، بداية من المديرية، ثم الأمن العام، ثم مصلحة السجون، ثم السجن الذى سيقضى به المتهم فترة العقوبة، حيث تحصل كل هذه الجهات على صورة رسمية من الحكم وترفقها بملف السجين، وفى حالة موكلتى يضاف إلى كل تلك المراحل أنها قدمت طلبًا إلى مصلحة السجون لأكثر من مرة حتى تعفى من استكمال مدتها، ومن ضمن الأوراق المطلوبة لاستيفاء الطلب  صورة رسمية من الحكم، فهل يعقل أن كل تلك الجهات بالإضافة إلى النيابة التى أصدرت صحة الإفراج لم يلحظوا أن الحكم عشر سنوات وليس ستة كما قضت مدته موكلتى، ثم أن أوراق التأمينات التى تتقاضى من خلالها نعيمة معاش الحكومة شهريا، بالإضافة إلى إجراءات استلامها للكشك، كل هذا لم يكن ليتم إلا بعد حصولها على الإفراج بشكل نهائى، وهو ما نستند عليه فى تقديم تظلماتنا وشكوانا أملا فى أن يستجيب المسئولو ن، ويرفعوا الظلم عن هذه السيدة.
وفى النهاية، تقضى نعيمة أيامها-كغيرها من المهمشين- فى انتظار مجهول حكم عليها بأن تتحمل وزرها، ووزر زوجها الذى لم يسع أن يؤمن لها حياة كريمة تحميها من هذا المصير، ووزا موظف عام أخطأ فى تدوين الحكم ولم يهتم لأن يصححه، بل وزر الجهات الرسمية وعشرات الموظفين الذين يعملون بها، والذين مرت عليهم أوراق نعيمة مرور الكرام، فهل ستترك نعيمة لأن تتحمل أوزار كل هؤلاء البشر، أم ستتدخل العناية الإلهية لإنقاذها من مصير محتوم؟ سؤال ستجيب عنه الأيام المقبلة.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

السيسى يتسلم رسالة من نظيره الغينى.. ويؤكد: التعاون مع إفريقيا أولوية متقدمة فى السياسة المصرية
«السياحيون «على صفيح ساخن
إحنا الأغلى
كاريكاتير
كوميديا الواقع الافتراضى!
واحة الإبداع.. «عُصفورتى الثكلى»
مصممة الملابس: حجاب مخروم وملابس تكشف العورات..!

Facebook twitter rss