صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

24 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

ألم نبدأ الحياة وحيدين.. وها نحن الآن ننهيها وحيدين

14 نوفمبر 2012



كانت القاهرة فى أواخر شهر أكتوبر 1973 مشغولة بأحداث اجتياز الجيش المصرى لقناة السويس ورفع العلم فى صحراء سيناء، وأنظار العالم -خاصة العرب- مصوبة إلى جبهات القتال الثلاث المصرية والسورية والأردنية، وقلوبهم تخفق بشدة فى انتظار ما سوف تسفر عنه الحرب الجديدة ضد اسرائيل، وسط هذه الأحداث وتحديدا ظهر السبت 27 أكتوبر 1973، أصيب د. طه حسين عميد الأدب العربى بوعكة صحية فى بيته «رامتان».

تصف السيدة سوزان زوجة الدكتور طه حسين الفرنسية الجنسية فى كتابها «معك» الذى كتبته عن حياتها، التى امتدت إلى ستة عقود مع زوجها طه حسين هذه اللحظة قائلة: لما جاء الطبيب لفحصه، زالت النوبة وعاد صاحب «الأيام» إلى حالته الطبيعية، وعندئذ وصلت من الأمم المتحدة بنيويورك برقية تعلن فوزه بجائزة حقوق الإنسان، غير أنه لم يسعد كثيرا بتلك البرقية، وبإشارة من يده -تعرفها جيدا- علق على ذلك قائلا: «وإية أهمية ذلك؟»، وفى صبيحة اليوم التالى الأحد 28 اكتوبر شرب د. طه حسين بصعوبة كبيرة شيئا من الحليب ثم لفظ أنفاسه.
 
 وصفت سوزان مشاعرها فى تلك اللحظة العصيبة قائلة: «جلست قربه، مرهقة متبلدة الذهن وإن كنت هادئة هدوءا غريبا «ما أكثر ما كنت أتخيل هذه اللحظة المرعبة». كنا معا وحيدين، متقاربين بشكل يفوق الوصف. ولم أكن أبكى –فقد جاءت الدموع بعد ذلك– ولم يكن أحد يعرف بعد بالذى حدث، كان الواحد منا قبل الآخر مجهولا ومتوحدا، كما كنا فى بداية طريقنا».
 
وكتبت أيضا: بقيت مع جثمانه وحدى نصف ساعة كاملة، قلت لنفسى وأنا معه وحيدة. ابنى لم يصل بعد، وبنتى مازالت فى الطريق من أمريكا إلى القاهرة.. وهمست ألم نبدأ الحياة وحيدين، وها نحن الآن ننهيها وحيدين».
 
وفى أول عيد زواج بعد رحيل الزوج فى 9 يونيو 1974، كتبت سوزان عبارات طويلة بدأتها بكلمة: «أنا وحيدة لأول مرة.. بكيت كثيرا، وحمدت الله كثيرا الذى قضت مشيئته هذا الزواج الذى كفل لى القوة والحنان والمحبة، وهى معان عشت فى حماها ما يقرب من الستين عاما.. كنت أحس أنه يرانى على الرغم من أننى لا أستطيع أن أتجاهل آفته كحقيقة.. كان يتمتع بقدرات خارقة قد لا يصل إليها إنسان مبصر.. ويمكن تتبع ذلك من وصفه للناس والأشياء فى بعض كتبه كـ«الأيام»، و«شجرة البؤس»، و«جنة الشوك»، هذا بعض مما صورته سوزان بكتابها «معك» الذى قدمت فيه طه حسين الزوج والحبيب والسند الذى كان يستند إليها منذ أن تزوجا فى أغسطس 1917م، وكانت أطروحته التى أعدها عن أبى العلاء المعرى قد جعلت منه علما بالأوساط الجامعية المصرية، وعلى المستوى الصحفى كان اسمه قد لمع بعد مقالاته المنشورة بصحيفة «الجريدة» التى كان يديرها لطفى السيد وكذلك «العلم» و«السفور».
 
فى مطلع القرن العشرين كان نبوغ الدكتور طه حسين فى الأدب والشعر والتاريخ والنقد وفكره التنويرى وخلق جسور بين الثقافة الغربية والتراث العربى لافتا وجعل منه معجزة تاريخية لن تتكرر كثيرا، خاصة وأنه كان كفيفا واستطاع أن يقهر هذه الإعاقة بدراسته العميقة وعلمه الغزير وسفره لفرنسا ودراسته بجامعة السوربون هناك، إضافة لقدرته على مواجهة كل من هاجمه وهاجم أفكاره وتخطيه لكل الأزمات التى أحاطت به خاصة عند إصداره كتاب «فى الشعر الجاهلي» 1923 الذى اتهم فيه بأنه قد نسب الخرافة والكذب للقرآن الكريم من أحد طلاب الأزهر وكذلك من شيخ الأزهر واتهامه بالزندقة وتم تكفيره ومصادرة الكتاب وتصاعد الموقف لمقاضاته وتهديده بالقتل حتى أنه تم وضعه تحت الحراسة حرصا على حياته، الأمر الذى آلمه كثيرا، وحتى وقت قريب لم يكن أحد يعلم تفاصيل سير القضية التى انتهت إلى تبرئة عميد الأدب العربى حتى وجد الروائى الراحل خيرى شلبى كتيبا صغيرا فى حجم إمساكية رمضان بحسب وصفه له بإحدى مكتبات الكتب القديمة عنوانه «قرار النيابة فى كتاب الشعر الجاهلي» بإمضاء محمد نور رئيس نيابة مصر فى 1926، الذى لم يكن قرار نيابة بلغة قانونية جافة فحسب بل كان يعد بحثا نقديا أمر رئيس النيابة فى ختامه بحفظ أوراق القضية إداريا نظرا لأن القصد الجنائى أو نية المؤلف فى الطعن والتعدى على الدين لم تكن متوفرة بل الغرض هو البحث العلمى فقط وهو مكفول دستوريا وقانونيا.
 
رحلة عطاء طه حسين امتدت لأكثر من ستين عاما فى خدمة العلم واللغة العربية والثقافة والفكر عبر مقالاته وأبحاثه ودراساته وكتبه الهامة فى مجالات التاريخ والنقد والأدب والتعليم التى ربما من أهمها كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» الصادر فى النصف الثانى من ثلاثينيات القرن الماضي، عام1937 يعد بداية لمرحلة جديدة فى تاريخ مصر بعد معاهدة الاستقلال ومايجب عليها القيام به بالمرحلة الجديدة، حيث شارك طه حسين بمحفلين ثقافيين هامين بفرنسا هما مؤتمر للتعليم العالى كموفد من الجامعة ومؤتمر اللجان الوطنية للتعاون الفكرى كممثل لوزارة المعارف، وبطبيعة الحال عليه أن يقدم تقريرين عن الزيارتين لكنه انتهز الفرصة ليضع كتابه عن مستقبل الثقافة فى مصر بغرض توسيع رقعة المستفيدين من الزيارتين، ووضع خطته للنهوض بالتعليم والثقافة المصرية التى لم تنفذ حتى الآن!.. أكد فى خطته على وجوب إتاحة التعليم للجميع بغض النظر عن طبقاتهم الاجتماعية، موضحا حقوق المعلم وأهمية العناية بالاطفال فى مرحلة التعليم الأساسى على أن يكون مدرسوهم من الصفوة لتنشئتهم وتعليمهم بشكل سليم ونموذجي.






الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

مندوب اليمن بالأمم المتحدة: موقف مصر من قضيتنا عروبى أصيل يليق بمكانتها وتاريخها
مشروعات صغيرة.. وأحلام كبيرة
عبدالله بن زايد لـ«روزاليوسف»: المباحثات مع الرئيس السيسى كانت إيجابية للغاية
وزير الاتصالات يؤكد على أهمية الوعى بخطورة التهديدات السيبرانية وضرورة التعامل معها كأولوية لتفعيل منظومة الأمن السيبرانى
موعد مع التاريخ «مو» يصارع على لقب the Best
القاهرة ـــ واشنطن.. شراكة استراتيجية
«المصــرييـن أهُــمّ»

Facebook twitter rss