صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

19 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

صناعة الأجهزة التعويضية فى مصر.. بحاجة إلى دعم الدولة

21 يوليو 2016



 تحقيق وتصوير: دعاء محمد

صناعة ابتكرها الفراعنة ولكن أهملها المصريون كثيرا، وأصبح وضعها متدنيًا من حيث الجودة والمتانة، فالطرف الصناعى أو الجهاز التعويضى هو الذى يساعد الشخص الفاقد طرفًا من أطراف جسده على ممارسة حياته وأداء مهام عمله.
فبرغم التطورات التكنولوجية التى تُستخدم فى جميع المظاهر الحياتية، فالمصرى أردأ الأنواع من جانب الخامة وثقل وزنه، مما يصعب حركة الشخص ذى الإعاقة، وهذا نظرا لإهمال هذه الصناعة على مدار السنين وتدهور حال الورش التى لا تعرف التكنولوجيا، فهى بدائية الهيئة تنساب من على معداتها المواد الكيميائية وبالإضافة إلى تراكم المخلفات التى تستخدم فى الصناعة، علما بأنها غير جيدة التهوية ولا مؤمنة حتى لا تمتلك كل ورشة صندوق الإسعافات الأولية.

 

لإسعاف العمال فى حالة الطوارئ أثناء العمل فمن الممكن أن يحول الشخص المصنع للطرف إلى شخص يحتاج إلى طرف صناعى من خلال تعرضه لمخاطر ماكينات الخراطة والنجارة البدائية أو شخص يصاب بمرض صدرى نتيجة استنشاق المواد الكيماوية ومشتقات البترول التى تدخل فى الصناعة.
ودخول بعض الأشخاص هذه المهنة دون دراسة ماهو إلا للتربح والتجارة فقط خاصة بعد غلق قسم الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية بالمعهد الفنى الصحى بإمبابة منذ 8 سنوات، مما فتح الباب للهواه غير المدركين لأصول المهنة، خاصةً أنها ليس لها ترخيص للمزاولة ولا شعبة تراقب عليها.
بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الأطراف والأجهزة التعويضية وتأثرها بإرتفاع سعر الدولار لاستيراد الخامات من الخارج، وأشهر البلدان المصدرة للخامات هى ألمانيا- تركيا- أمريكا- والصين.
ومع كل هذا يقع المريض الذى فقد أحد أطراف جسده فريسة لارتفاع الأسعار والروتين الحكومى واستغلال هواة المهنة.
«الحالات»
«يارتنى ما جيت هنا الأسعار غالية أما برة بكام» هكذا عبرت ضحى محمود، التى تعانى من شلل أطفال، عن عدم رضاها بالأسعار فى معهد الشلل بإمبابة، والذى قررت أن تشترى الجهاز التى تحتاجه لقدمها من الخارج، نظرا لاقتراب الأسعار بين المعهد والورش الخاصة.
فسعر الجهاز التى تحتاجه لقدمها داخل المعهد بـ600 جنيه، وأضافت بأن المعاملة للشخص ذى الإعاقة بالمعهد سيئة، ولابد أن يراعى الموظفون أنه شخص لا يستطيع التنقل من مكان لآخر بسهولة، فيتم تسهيل الإجراءات له.
وعن الحاجة شادية حمدي، المرأة الستينية، التى تعانى من بتر تحت الركبة نظرا لمرضها بالسكر، مما اضطرها إلى شراء قدم تحت الركبة بـ 4 آلاف جنيه من ورشة خاصة.
لرؤيتها بأن التعامل مع الورش الخاصة مريح وتأخذ مدة قصيرة لعمل الجهاز التى تحتاجة بالرغم من ارتفاع أسعارها ولكن «ما باليد حيلة»، وقالت لازم أتحمل ثمن الجهاز حتى أستطيع التحرك ولا أكون عبئا على أحد.
وقال إسماعيل سلامة - 62 عاما - أنه كان يعمل سواق تاكسي، ولكن إصابته «بالغرغرينا» فى أصابع قدمه اليمنى الناتجة عن مضاعفات مرض السكر، أدت إلى بتر ساقه، فقدمه تشبه كرة الدم الحمراء نتيجة جرح البتر، بالإضافة إلى تحمله مشقة الذهاب إلى معهد السكر بالقاهرة وحيدا دون سند غير العكاز الذى يستند عليه ليساعده على الذهاب كل أسبوعين لمتابعة العلاج، بعد فقد مهنته كسائق والتى فقد معها لقمة عيشه، وأصبح يعيش فى دار للمسنين، ويحتاج لطرف صناعى لكن أسعاره مرتفعة وهو غير قادر على شرائه.
الحاجة حسنية عبد الهادى - 60 عاما - مصابة ببتر فى ساقها وصل لتحت الركبة وتعتمد فى حركتها على الكرسى المتحرك المتهالك الذى قام ابنها اﻷكبر بشرائه لها، ولكنها فى حاجة لطرف صناعى يعوضها عن فقدان ساقها ولكن عند سؤالهم على سعر القدم تحت الركبة وجدت أنه يصل لأكثر من 4 آلاف جنيه، وهذا يعتبر عبئا على ولدها الذى لديه أبناء وزوجة مسئولين منه أيضا، لذلك قررت أن تقضى الباقى من عمرها معتمدة فى حركتها على الكرسى المتحرك التى يساعدها فى تحريكه حفيدها الصغير.
«أصحاب المحلات»
أحمد الطيب - صاحب أحد محلات المستلزمات الطبية بشارع القصر العينى - قال إن جميع الأفراد لايستطيعون تحمل سعر المستورد، فأقل ثمن جهاز بـ7 آلاف جنيه فى مقابل المصرى بـ 3 آلاف جنيه.
وأشار إلى أن المصرى أقل من المستورد من حيث الجودة، فالمصرى ثقيل الوزن وصلب وغير مريح فى المقابل المستورد خاصة الألمانى خفيف الوزن ومتين ويسهل على الحركة.
وأقل سعر لقدم تحت الركبة مصرى بـ ألفين جنيه وفوق الركبة 3 آلاف جنيه، والتركى بـ4.5 ألف جنيه، والألمانى بـ6 آلاف جنيه، والقدم المتحرك يصل إلى 15 ألف جنيه، لذلك قبل شراء أى طرف أو جهاز مستورد لابد أن أٌنسق قبلها مع المريض للحصول على مقاساته.
ويقول وجدى مصطفى - صاحب محل مستلزمات طبية بوسط القاهرة - إن الأسعار تحدد وفقا لحالة المريض فهناك مريض السكر من الممكن ألا يناسبه قدم صناعي، لاحتمالية عدم شفاء الجرح.
وأشار إلى أنه لا يوجد مقارنة بين المنتج الألمانى والمصري، وتتراوح الأسعار للقدم تحت الركبة من 4 إلى 6 آلاف جنيه، ويصل لـ36 ألف جنيه حسب الحالة والخامة وطلب المريض.
وتتراوح اليد من 12 ألف جنيه لـ47 ألف جنيه، والكرسى المتحرك من 600 جنيه لـ8 آلاف جنيه، والعكاز يبدأ من 50جنيها.
محمد سيد - أحد الباعة بمحلات المستلزمات الطبية بوسط البلد - أضاف أن أسعار الأجهزة والأطراف الصناعية زادت 30% نظرا لارتفاع سعر الدولار الفترة الأخيرة، وبرغم هذا فإن الإقبال كثير على المستورد لأن الأشخاص تفضل الحاجة التى تستمر معهم أكثر وقت.
الأسطى ناصر لطفى - مسئول الورش بمعهد الشلل - أكد إن المعهد يخدم جميع المعاقين وهناك خدمات مجانية وخدمات اقتصادية وغير القادرين يتم عمل له بحث اجتماعى والبيع لهم بنصا السعر.
وأضاف نخدم فئات بسيطة بالمعهد من 2500 لـ 3000 مريض فى العام، ونقوم بالاعتماد على الخامات المحلية بديلة للمستوردة، لإنتاج منتج محلي، ويتم تجميع الخامات من خلال استيراد البلاستيك من السعودية والبوليستر من الصين والجلد والحديد يتوافران فى مصر. وأشار إلى أن الذى يؤخر عمل الطرف أو الجهاز فى الورشة هو نظام المخازن بالمعهد مواصلا: لا نستطيع أخذ أى خامة بدون ورق وفواتير الصرف كل هذا يأخذ فترة أسبوع بالإضافة إلى وقت صناعة الطرف وعمل بروفة عليه يأخذ وقتًا أطول مما يجعل المريض يتركنا ويشترى من الخارج.
واستطرد: بعد الحرب العالمية الأولى والثانية بدأ العالم ينتبه للأطراف الصناعية، وأول من طور فى الأطراف الصناعية هم الألمان نظرا للأذى الذى لحق بهم نتيجة الحرب.
ونحن مازلنا نعمل فى وسط المواد الكيميائية الضارة والمعدات غير الآدمية، فمن الممكن أن نتعرض لقطع الصوابع حين عملى على المنشار أو إصابة فى العين عند صب البلاستيك إضافةً إلى الرائحة النفاذة التى تؤثر على الصدر والمناعة وتجعل الفرد يفقد توازنه.
ويأتى الأسطى محمد يوسف، مسئول عن ورش الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية، بمؤسسة يوم المستشفيات للتنمية والتأهيل، بالسيدة زينب، ليوضح بأن المؤسسة عبارة عن عدة ورش أنشأها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وكانت أول مكان خاص للاهتمام بالمعاقين فى مصر.
ولكن الآن أصبحت ورشا مهجورة مغلقة الأبواب يتغذى الصدى على ماكيناتها تعمل بالنسبة 15% فقط، وباتت عبارة عن عمال يذهبون صباحا يشربون الشاى ويتناولون إفطارا ويحصلون على رواتبهم الشهرية بدون مقابل، فهناك خامات موجودة منذ 6 سنوات لم نستخدمها حتى الآن.
وأضاف بأن 90% من عمل الورش كان معتمدا على قرارات وزارة الصحة بتحويل المرضى للمؤسسة، ولكن الآن توقفت وتوقف معها حال الورش، والذى زاد الحال سوءا إهمال الإدارة السابقة للمشروع وعدم اهتمامها للترويج لعمل الورش.
وفى سياق متصل، جاء سمير غنيم، صاحب ورشة أطراف صناعية وأجهزة تعويضية، يوضح أن 90% من المهنة تعتمد على الخامات المستوردة بسبب جودتها ووزنها الخفيف وقوة تحملها، والآن لا يوجد فى مصر مواد خام تصنع بها الأجهزة التعويضية.
وهذا يعود لمصانع البتروكيماويات التى لا تستطيع صناعة فرخ «قطع» بروبلين بنفس الجودة الألمانية، وخامة البروبلين هى التى تصنع بها الجبائر والأجهزة والأحزمة البوسطن التى تعالج العمود الفقري، فالطرف الألمانى يصل سعره ضعف ثمن الطرف التركي.
فالموضوع مادى بنسبة 90% «معاك كام عشان تشترى إيه» فطرف البتر فوق الركبة يصل لـ 25 ألف جنيه، لذلك يتأثر بتغير سعر الدولار، فجميع الدول تتقدم فى هذه الصناعة لكن مصر محلك سر.
فالسعوديون والكويتون واليمنون كانوا يأتون إلى مصر للعلاج فى معهد شلل الأطفال، ثم بدأوا فى استقطاب المصريين بأجور عالية فسافر 98% إلى السعودية والكويت، وبعد تعلم المهنة بدأوا تبديل المصريين بجنسيات أخرى.
فبالنسبة لوزراة الصناعة لابد من إنشاء مصانع بتروكيماويات لتصنيع خامات عالمية مثل البروبلين، البلاستازوت، والبوليستر بدلا من استيرادها من الخارج.
وأشار إلى أسوأ شيء فى هذه المهنة هو التعامل على أساس تجاري، خاصة بأنه لا يوجد تصريح لمزاولة المهنة، ففتحت الأبواب لعمل أى شخص فيها، ومن الممكن أن يجرى عمليات نصب فيها، حيث يُباع للمريض طرف أو جهاز على أساس أنه تركى وهو فى النهاية صيني، ويحدث هذا لعدم خبرة الأفراد فى هذه الصناعة.
ويتحدث محمد عبد الحليم - رئيس مجلس إدارة مؤسسة يوم المستشفيات للتنمية والتأهيل - عن مجلس الإدارة السابق تعامل مع الورش بإهمال، بحيث لم يقوموا بتدريب عمالة جديدة صغيرة السن.
ويرى أنه لابد من تشجيع الصناعة المحلية نظرا لارتفاع سعر المستورد، فمصر لديها كفاءات يمكن أن تنتج أفضل من الخارج، ولكن ينقصنا الآلات والمعدات الحديثة.
د. محمد إسماعيل - رئيس شعبة المستلزمات الطبية بالغرفة التجارية بالقاهرة - قال إن الأطراف الصناعية لم تدخل فى شعبة المستلزمات الطبية ولا يوجد شعبة لها.
ويرى بأن الفرق بين المصرى والمستورد هو استخدام الدول الأجنبية التكنولوجيا بتقنية عالية بخلاف ما يوجد بمصر، وأن المتحكم فى إرتفاع أسعار الأطراف والأجهزة التعويضية هو ارتفاع سعر الدولار، مشيرا إلى أنه لا يوجد نسبة دقيقة لاستيراد الخامات لأن هناك تهريبًا فى الخامات غير محسوب.
 د. محمد الجندي - مدير وحدة الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية سابقا، بكلية العلاج الطبيعى بجامعة القاهرة - يرى أن هذه الصناعة فى حاجة إلى إعادة تطوير واهتمام بالمنتج المحلى ويكون على قدر المساواة مع المنتج الأجنبي.
مشيرا إلى أن ذلك كان من أهم القضايا التى أثيرت فى المؤتمر الدولى الذى عقد فى إبريل 2014 عن الأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية.
ويعود سوء حالة الخامة والمنتج المصرى للحالة الاقتصادية للمريض وللمُصنع، فالخامات المحلية تعيش لفترة قصيرة لذلك يحدث بها تلف سريع، بعكس الخامة المستوردة فتكلفتها غالية ويرجع هذا لارتفاع جودتها والتى تتحمل فترة طويلة.
مضيفا بأنه فى حالة شعور المريض بجودة المنتج المحلى فلن نكتفى وقتها بالاستهلاك الداخلى فقط بل سنصدر للخارج، وهذا يحدث من خلال اهتمام الدولة ودعمها للصناعة المحلية، ووضع ميزانية للمؤسسات والجهات القائمة على هذه الصناعة. ولكن للأسف لا يوجد اهتمام لأن تكلفة هذه الصناعة مرتفعة جدا، وألمح بأن أحدث ما توصلت إليه هذه الصناعة دوليا، هى التحكم بالأطراف الصناعية والأجهزة التعويضية أوتوماتيكيا بدلا من يدويا، مثل الكراسى المتحركة.
د. حسام المساح - رئيس المجلس القومى لشئون الإعاقة سابقا - أكد أن عدد الأشخاص ذوى الإعاقة فى مصر، وفى حاجة إلى أطراف صناعية وأجهزة تعويضية يصل عددهم إلى أكثر من 6 ملايين فرد، مشيرا إلى أن صناعة الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية فى مصر عبارة عن سبوبة، مضيفا بالرغم من رداءة الخامات المصرية والتى بالخصوص لا تستطيع الأطفال تحملها لكونها عبارة عن حديد ثقيل الوزن يصعب على الطفل تحمله، فأضاف بأن فى أوروبا الأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية تجعل الشخص المعاق لا يشعر أنه ذو إعاقة.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

لا إكـراه فى الدين
الملك سلمان: فلسطين «قضيتنا الأولى» و«حرب اليمن» لم تكن خيارا
بشائر الخير فى البحر الأحمر
السيسى: الإسلام أرسى مبادئ التعايش السلمى بين البشر
الاتـجـاه شـرقــاً
كاريكاتير أحمد دياب
الحكومة تنتهى من (الأسمرات1و2و3)

Facebook twitter rss