صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

بعد مرور عام على وفاته.. الأبنودى حارس التراث المصرى الدءوب

24 ابريل 2016



كتبت- رانيا هلال


فى مثل هذه الأيام تحل ذكرى وفاة أحد أشهر شعراء الشعر العامى فى العالم العربى وهو الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى «11 أبريل 1938 – 21 أبريل 2015» فقد شهدت معه وعلى يديه القصيدة العامية مرحلة انتقالية مهمة فى تاريخها .. وهو من قلائل شعراء العامية الذين أوجدوا لأنفسهم مكانا فى وجدان الجماهير العربية، فهو يعتبر نفسه الحارس على التراث القروى المصرى.
ينتمى الأبنودى  إلى أسرة فى قرية أبنود بمحافظة قنا.. ولد عام 1938، وعاش حياة فقيرة جدا.. كان عمل والده مأذون شرعى .. انتقل عبد الرحمن إلى مدينة قنا حيث استمع إلى أغانى السيرة الهلالية التى تاثر بها وكان ضليع فى اللغة العربية بشهادة اساتذته
مما غنى له عبدالحليم حافظ: «عدى النهار، وأنا كل ما أقول التوبة، أحلف بسماها وبترابها، أحضان الحبايب)، ومما غنى له محمد رشدي: (عدوية، تحت الشجرة يا وهيبة، عرباوي)، ومما غنت له شادية: (آه يا أسمرانى اللون، أغانى فيلم شيء من الخوف»، وغنى له العديد من المطربين المعروفين مثل: «فايزة أحمد، صباح، وردة، ماجدة الرومى»، كما غنى له محمد منير: «شوكولاتة، كل الحاجات بتفكرني، من حبك مش برىء، برة الشبابيك، الليلة ديا، يونس، عزيزة، قلبى مايشبهنيش، يا حمام، يا رمان».
كتب أغانى العديد من المسلسلات مثل «النديم»، «خالتى صفية والدير»، و«ذئاب الجبل» وغيرها، وكذلك العديد من الأفلام مثل «شىء من الخوف، البرىء». كتب وشارك الدكتور «يحيى عزمى» فى كتابة السيناريو والحوار لفيلم «الطوق والأسورة»، وفى 2011 كتب سيناريو مسلسل «وادى الملوك».
قام بجمع السيرة الهلالية من الشعراء الشعبيين فى مجهود ضخم استمر على مدار أكثر من عشرين عامًا من السفر فى جميع محافظات مصر، وأصدرها فى خمسة أجزاء فى فترة التسعينيات.
كتب قصصًا مختلفة عن حياته فى صعيد مصر نشرت فى حلقات منفصلة بجريدة الأهرام، وجُمعت فى كتاب «أيامى الحلوة» الذى صدر على ثلاثة أجزاء.
تزوج فى أول حياته من مخرجة الأفلام التسجيلية «عطيات الأبنودى»، والتى لم لتتخل عن لقب «الأبنودى» بعد انفصالهما، ثم تزوج من الإعلامية «نهال كمال» حتى نهاية حياته، وأنجب منها ابنتيه «آية» و«نور». توفى فى 21 إبريل عام 2015 عن عمر يناهز السادسة والسبعين.
اشتهر الشاعر الكبير الراحل عبدالرحمن الأبنودى بلقب «الخال»؛ لكن قليل منا قد يعلم سر هذا اللقب ودلالاته ولماذا أطلق على الأبنودى ومن قام بإطلاقه عليه، وهو ماكشفه الروائى المصرى الراحل جمال الغيطانى خلال الاحتفالية التى أقيمت بمناسبة عيد ميلاد الأبنودى فى 2014 بمؤسسة الأهرام، وكذلك احتفالاً بصدور ديوان «مربعات الأبنودي»، وحينها قال «الغيطاني» الشعب المصرى عندما كان يحب أحدا ويثق فيه، كان يسميه الخال، لأن الخال لا يرث وليس لديه أية مطامع شخصية، ولذا فقد أطلقوا على الشاعر عبد الرحمن الأبنودى لقب الخال».
فى بداية الستينيات حمل القطار الآتى من الصعيد ثلاث مواهب استثنائية: أمل دنقل، يحيى الطاهر عبد الله، والأبنودي. كان الثلاثة سمر الوجوه، ناحلين، مزاجهم ناري، وفى أعماقهم ضعف عميق تجاه الفقراء.. كانت لديهم قناعة بضرورة «غزو المدينة ــــ القاهرة» التى كانت أشبة بـ «النداهة»، تدعو كل صاحب كلمة وقت الثورة ليشارك فى معاركها.. اقتسم الثلاثة فنون الإبداع بينهم: لأمل شعر الفصحى، وليحيى القصة والرواية، وللأبنودى شعر العامية.. كان الأخير يعرف أن لديه كنزا لا يملكه الآخرون: قرية أبنود فى جنوب مصر، بعاداتها وتقاليدها وناسها، وأمه فاطمة قنديل التى كانت سجلا لكل أشعار القرية وطقوسها، والجدة «ست أبوها» كانتا ــ الأم والجدة ــ فقيرتين إلى أبعد الحدود، غنيتين بما تحملانه من أغان وما تحرسانه من طقوس هى خليط من الفرعونية والقبطية والإسلامية.. واعتبر نفسه محظوظا لأنه عاش مع هاتين المرأتين.
أما الأب الذى كان شاعرا، فلم يتحمل فى ذلك الوقت ما يكتبه ابنه فمزق ديوانه الأول «حبة كلام».. لكن موهبة الابن كانت أكبر من الاستيعاب. أرسل عبد الرحمن الأبنودى مجموعة من قصائده بالبريد إلى صلاح جاهين، فلم يكتف الأخير بتخصيص عموده فى «الأهرام» للشاب الجنوبى، بل أرسل قصيدتين له إلى الإذاعة ليبدأ تلحينهما وهما «بالسلامة يا حبيبى» لنجاح سلام، و«تحت الشجر يا وهيبة» لمحمد رشدى.
فى القاهرة التحق بأحد التنظيمات الشيوعية، فألقى القبض عليه «1966». أثناء اعتقاله أخذت المباحث مخطوط ديوانه «جوابات حراجى القط» المخصص لزوجته فاطنة عبدالغفار، وأوراقا أخرى.. ويقول الأبنودى: «اعتبرت كأنى لم أكتبه، وحاولت نسيان الأمر فلم أفلح، وذات ضحى يوم شتائي، هتف بى حراجى لأكتبه، فاندلعت الرسائل متتابعة بِكَرا، كأننى لم أكتبها من قبل.. أنجزته خلال أسبوع، ودفعت به إلى المطبعة من دون مراجعة، كأنه تحد لمن اغتصبوا حراجى الأول».
فى السجن اكتشف أن «الشيوعية ليست طريقا لتحقيق الذات أو تقديم خير إلى الفقراء»، وجاءت النكسة ليرى كل الأحلام تنهار.. كتب وقتها أغنيات وطنية لعبد الحليم حافظ.. خرج إلى الجبهة يكتب ديوانه «وجوه على الشط». وفى تلك المرحلة وفر له إعجاب الرئيس عبد الناصر بأعماله حماية من بطش «زوار الفجر». بعد انقلاب السادات بدأ التضييق الأمنى على الأبنودى الذى رفض «أمن الدولة» سفره إلى تونس ليستكمل مشروعه فى جمع الهلالية.
استطاع الأبنودى الخروج من مصر بعدما يئس الأمن منه.. واختار الشاعر لندن منفى اختياريا لثلاث سنوات، أنهاها عبد الحليم مستخدما «سلطته» فى السماح له بالدخول إلى مصر. اعتقد السادات أن الأبنودى سيكون صوته، فأعلن رغبته فى تعيينه «وزيرا للثقافة الشعبية».. لكن اتفاقية «كامب دايفيد» ألهمت الشاعر قصيدته الشهيرة «المشروع والممنوع»، وهى أقسى نقد وجه إلى نظام السادات.. وبسبب هذا الديوان جرى التحقيق مع الأبنودى أمام المدعى العام الاشتراكى بموجب قانون سمى «حماية القيم من العيب».
ويقول الأبنودى بلهجته الصعيدية الحادة: «فى حياتى أخطاء بالغة القسوة، ندمت عليها.. لكن فى الشعر لم أندم على شىء.. لأن الشعر مقدس، لا يأتى بقرار، هو هبة من الله».. ويتذكر: «عندما كتبت قصيدتى الطويلة «الاستعمار العربى» ضد غزو العراق للكويت، اتهمونى بالنفعية والانتهازية.. وللأسف، كل ما قلته فى القصيدة تحقق فيما بعد».
ويستعيد الأبنودى ذكريات هزيمة 1967 فى إحدى حواراته الجريئة فيقول: ربما كنت مدينا للنكسة بارتفاع الصوت والتحليق فى أجواء الإعلام الرسمى بعد أن كنت شبه مستبعد ومريب ويتحاشانى الجميع خاصة أننى كنت قد غادرت أصدقائى من جيل الستينيات المعتقل السياسى فى طرة ولذلك وجدتها فرصة للسفر إلى الصعيد والبدء فى جمع السيرة الهلالية وقد خرجنا من الاعتقال فى أبريل وبعد أقل من شهر حدثت تلك الواقعة التى أبهجت كل أعداء عبد الناصر فى الداخل والخارج.رفضت المباحث العامة أن تسمح لى بكتابة تلك الأغنيات والمشاركة فى الحرب ولو بكلمة.. ويحكى الأستاذ أحمد سعيد أنه كافح كثيرا مع المباحث العامة وقال لهم إنه لا يستطيع أن يخوض حربه الإعلامية دون صوت الأبنودى الذى يمثل له المدفعية الثقيلة فى جيش الإعلام.. كنت فى أبنود قريتى فى الصعيد للبدء فى جمع السيرة الهلالية حين جاء ذلك التليفون الذى أربك أبنود بحالها إذ لم يكن هناك سوى تليفون الوحدة المجمعة وتليفون نقطة البوليس وتليفون العمدة ولذلك فوجئت بأبناء القرية يهرولون: «الحق يا عبدالرحمن تلافون من الإذاعة، أحمد سعيد وعبدالحليم حافظ ووجدى الحكيم»، نزلنا إلى الشارع وركبنا العربة مع عبدالحليم بعد ما لاقيناه متجهين إلى كوبرى القبة، واندفعت السيارة فى شوارع خالية تماما وبعد أن عبرنا نفق العباسية لا ندرى من أين جاء طوفان البشر، مشهد رهيب لنصبح نقطة فى بحر وليتهددنا هذا الطوفان بالاكتساح وقد وارانا الكثيرون إلا أنهم لم يعيرونا أى اهتمام رغم أنهم تعرفوا على عبدالحليم حافظ ثم بدأت تتوحد الهتافات وتلتحم الأجساد ولم يعد فى القاهرة أسفلت وإنما بشر يغطون مساحة الشوارع جميعا.
بعد فترة هاتفنى عبد الحليم وسألنى هل سنظل هكذا وهل ستظل مصر بدون أغنية تسجل اللحظة؟ أجبته: لن يستمع الناس إلى أغنية تعترف بالهزيمة ولن يسمح لنا النظام بأن نغنى هزيمته، قال ساخرا أنت مناضل وذهبت إلى السجن وحين أحتاج إليك فى قطعة نضال لا أجدك يا أخى نصنع الأغنية ثم نناضل.. أجبته: هذه هى الأغنية وقرأت عليه موال النهار فصمت بعمق ثم أدار قرص التليفون طالبا من بليغ حمدى أن يحضر فى الحال وهكذا ولدت عدى النهار التى وزعها الراحل عبدالحليم نويرة، وكانت الأغنية تعترف بنزول الليل وتبشر بنهار ولأول مرة يحس الشعب المصرى أن ثمة أملا فى الغد ولعبت الأغنية دورا مهما فى إعادة الانتعاش الوطنى للروح المصرية ومن ثم الروح العربية أيضا لأننى كل ما نزلت إلى بلد يقولون يكفى على الأبنودى إنه كتب موال النهار فى تلك اللحظة.
وقد كانوا جميعا خائفين من عبد الناصر بسبب هذه الأغنية ومن عجيب الأمر أن الأغنية حين كانت تختفى من الراديو كان عبد الناصر يتصل ويسأل عنها.. وبعدها مباشرة سافرت إلى السويس وأقمت مع الفلاحين من الأقارب والأصدقاء هناك فى جناين السويس فى مواجهة مع العلم الإسرائيلى على الضفة الأخرى وهى لحظة لا تغيب عن عينى وأنا أرى الإسرائيليين وأسمع شتائمهم لنا وجلست إلى فتحية أبوزعزوع وعم إبراهيم أبوالعيون وأم على وعم محمد عبد المولى وأنا أستمع إلى قصص الجنود الذين عادوا من سيناء مهلهلين بثياب تنكرية وأقدامهم منتفخة من المشى الطويل وكيف كان الفلاحون يصنعون الماء بالملح لكى يضعوا أقدامهم فيها ويدقون البصل ليدهنوا به أقدامهم لتخفيف الورم. وكيف كانوا يطمئنونهم لدرجة أن بعض الجنود كانت تأتيه حالات فزع مفاجئة ويصرخ ويجرى فى الحقول وكانت القنابل مازالت تتساقط عليهم من الجانب الإسرائيلى.
بدأت بعد ذلك فى كتابة أغنيات مثل «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي» وألتحم بفرقة ولاد الأرض فى السويس والتى كونها الكابتن غزالى بكل شباب المقاومة من البمبوطية والعمال وغيرهم.. لذا أعتبر أن تجربة السويس هى أفضل ما عشت فى حياتى بعد تجربة أبنود والسد العالى والاعتقال والحرب.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

سَجَّان تركيا
ضوابط جديدة لتبنى الأطفال
وداعًا يا جميل!
«البترول» توقع اتفاقًا مع قبرص لإسالة غاز حقل «أفردويت» بمصر
مفاجآت فى انتظار ظهور «مخلص العالم»
ادعموا صـــــلاح
الحلم يتحقق

Facebook twitter rss