صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

واحة الإبداع .. من قلب البحر

24 مارس 2016



كتبها- طلعت نصرالدين

يسيل بجوار النيل فى بر مصر نهر آخر من الإبداع.. يشق مجراه بالكلمات عبر السنين.. تنتقل فنونه عبر الأجيال والأنجال.. فى سلسلة لم تنقطع.. وكأن كل جيل يودع سره فى الآخر.. ناشرا السحر الحلال.. والحكمة فى أجمل أثوابها.. فى هذه الصفحة نجمع شذرات  من هذا السحر.. من الشعر.. سيد فنون القول.. ومن القصص القصيرة.. بعوالمها وطلاسمها.. تجرى الكلمات على ألسنة شابة موهوبة.. تتلمس طريقها بين الحارات والأزقة.. تطرق أبواب العشاق والمريدين.  إن كنت تمتلك موهبة الكتابة والإبداع.. شارك مع فريق  «روزاليوسف» فى تحرير هذه الصفحة  بإرسال  مشاركتك  من قصائد أو قصص قصيرة «على ألا تتعدى 055 كلمة» على الإيميل التالى:    
[email protected]

فى حجرة عتيقة عتيقة ذائمة الإظلام تخيم عليها سحابة زمن ويغلب عليها شحوب تاريخ، لها بابين ونافذة وكأنها قبو فى سرداب ليس له منافذ يأبى النور زيارتها وتغمض الشمس عيونها إذا رأتها وحتى الناس والجيران نظرتهم إليها هاربة مذعورة مهزوزة كبرواز صورة لم يتقن صانعها الحرفة إما إهمالا أو حكمة لا أدرى؟
ينبعث الثوت يمزق الليل ويأخذ من حضن العينين تسلل نوم يصرخ بجنون.. أستغفر الله، سبحانك ربى، سبحانك يا ديان، وعجوزا صعبة تتحدى لا تهدأ مثل القطة الشرسة والكلب الضال والاثنين فى مستنقع دنيا فى قارب لا يحلم، لا أيمل فى بر أمان.
ورأيته يوما على النيل وأمام حديقة وتلاقت عينانا، كان يجلس مثل القنفذ يتدثر بكوفية حول الوجه ويخبأ رأسه وأعلى الجبهة منديل أزرق كتب عليه الليل أغنية سوداء حزينة لعيون صبية كانت ابنته وماتت.؟
قلت، إزيك يا عم أحمد، تجاهلنى ونظر إلى السماء...!
أعدت عليه القول: أزيك يا عم أحمد صرخ كالمذعور..!! صاح كالهارب من نفسه أو من أيامه: فول سودانى، حاول أن يطغى بصوته على صوتى، قلت أنا طارق إللى ساكن معاك ابن الست أم، قبل أن أكملها قال بصوت يشوبه الخوف والألم والفزع والأمر بإنهاء محادثة لم تبدأ بعد...!!
قال: عايز تشترى اشترى مش عايز سيبنى فى حالى يا أخى عزيزين منى إيه، وكأنه يدارى وجه الدنيا بين قضبان الصور.. هارب من نفسه مسجون يأبى لمسه حنان، يخشى نظرة شفقة من إنسان، وتركته وعدت إلى البيت محزونا...!
هو جارى فى الشقة فى نفس الشقة وقربت لى، فى أعماقى هاتف مقتول يا زمنى المشنوق بسكوت متفكك وحبال ضياع، لا توصل بين قلبين بل تقتل من غير وداع..؟
وعاد عم أحمد بعد وداع الشمس، وزحف الليل، عاد فوق زراعيه سبت الفول، كنت أغسل وجهى، جرحى، ودموع الألم المدفون فى قلبى تختلط بماء النيل وأخبأ آهاتى كناى حزين يتأثى بالمواويل، سمعت فتح الباب وجاء صوته واهنا منكسر كموجة فوق الصخر ملفوظة، من قلب البحر، من قلب البحر.
قال: لأمه، أزيك يا أمى.
قالت لهك الله يسلمك يا أحمد.
قال لها: مالك صوتك واطى ليه، ردت عليه بعنف أنت عايز منى إيه حتوطى صوتى ليه، بطريقة ليس بها ترحيب ولا ترغيب شعرت بأقدامه فى الحجرة كالملدوغ يتلوى والسم يسرى فى البدن المكلوم إما مقتولا، أو ضاعت منى كلمات ومات على شفتى التعبير، صرخ بأنات موجعة، يا ساتر يا رب، خدنى بقة وريحني، أنا قولت حاجة يا رب، الحق على، أروح فين، أبات على الرصيف، عجبك كدة يا رب!!
خرج مسرعا مهرولا من حجرته إلى الصالة متوجها إلى دورة المياه، شعرت به خلفى رآنى قال يا رب يا ساتر، يا مسهل، تنحنح بعصبية، وكأن قيود العالم فى قدميه والكل يكيل له طعنا، عاد خائفا إلى باب حجرته طرق عليها بشدة يستنجد، طرقات متلاحقة، يعلن الحرب على نفسه، يقاتل دوامات الهواء، تعود الضربات إلى صدره، يشعر بكابوس العمر، لا يملك إلا صوتا للآهات..
ألتفت إليه بعطف وإحساس بما يعانيه قلت له تفضل يا عم أحمد وأوسعت له الطريق!!
كنت فى بدء طريق الأمل المخنوق فى قدرى المسطور كأن إحساس بالعطف عليه، مشاركة لطريق مجهول، لغد ليس معلوم، فى الأعماق، يسبقنى حزنى على نفسى، من صورة نفسى، قد سبقتنى للمقبرة الموعودة..!!
التصق عم أحمد بالحائط صاح بخوف، متقربش منى عايز منى إيه؟ تركته فى حالته، وتركت دمعتين تسللا على صفحة خدي، ودخلت حجرتى محزونا متحيرا..
كانت أمى مشغولة فى خياطة فانلة داخلية ممزقة ليس عندى سواها قلت لها يا أمى ماذا به؟ قالت جايز عليه عفريت، يكفينا شر أهل تحت الأرض وإللى فوق الأرض، أشتاتا أشتوت.. قلت أليس له علاج، قالت ربنا يشفيه هو وإللى زيه يا رب!!
قلت لها: لوحده، إيه السبب قالت: مراته ماتت ثم بنته وحصل اللى حصله ده كان منجد أفرنجى محترم إديه تتلف فى حرير، منها لله إللى كانت السبب..!!
تركت أمى وحاولت أن أنام، رأيت نفسى فى مكان فسيح، وجبل عالى وهضبات وناس من مختلف الأجناس، أنا أعرف طريقى، ولكن لا أعرف كيف أصل إليه، أصعد، أنزل، أهرول، أجرى، لا أدري، ولكنى سائر مع السائرين، أريد أن أصل إلى طريقي، أضنانى السير، أختنقت، أنظر إلى الناس لا أعرف لغتهم، أبحث بينهم عن إنسان، إنسان، إنسان، يرشدنى إلى مرساتى، أبكى بشدة، أصرخ، تأتى أمى تنادينى، تنادينى، طارق، طارق، أصحى يا ابنى، يكفينا شرهم يا رب...؟
قلت لها: لا شىء وأنا أمسح دوموعا حقيقية.. وتنبهت أنى أحلم أو كابوس لا أدرى..!
اغتسلت لأخرج من دائرة القيد الوهم، الممزوح بواقع مر لا يأبه بالعمر والعمر يمر.. كقطار فى مدن مهجورة لا يدرى محطات الرحلة يحلم بالمرسى والبهجة ويدندن أغنية فى الليل ويحلم....
أثناء خروجى من الباب سمعت صوت...... قر..... قر...... قر..... وصوت كحة.... قح... قح... قح... وأنين مكتوم يدندن لحنا «ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين»... كان صوت عم أحمد من داخل حجرته ولما شعر بى نادى يا أستاذ طارق.. يا أستاذ طارق.. رديت أيوه يا عم أحمد قال: اتفضل ادخل كانت أول مرة أدخل فيها حجرته، رأيت قبوا معتما ورائحة عفنة لمرتبة على الأرض ملصوقة بالحائط كرصيف محطم يعلوه عربة خردة عفا عليها الزمن وفوقها سلة «بائع فول سودانى» لم أتشجع لدخول الحجرة ولكنها الرأفة وحبى لمشاركة اللحظة يسرقها منا زمن الموت ودمار النفس لصراع الأيام المنسية الساقطة من تاريخ مهزوم يأبى أن يستيقظ رغم شروق الشمس...!!؟

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

المُجدد
«ميت بروم» الروسية تقرر إنشاء مصنع درفلة بمصر وتحديث مجمع الصلب
تجربة مصر فى مواجهة الهجرة غير الشرعية تبهر القارة السمراء
الإصلاح مستمر
الشباب.. ثروة مصر
نسّّونا أحزان إفريقيا
اتحاد جدة يقف عقبة أمام انتقال «فرانك» للأهلى

Facebook twitter rss