صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

19 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

أفكار ضد المحاكمة

17 يناير 2016



عاطف بشاى  يكتب

فى مقالنا الأسبوع الماضى بعنوان «فقهاء المصادرة يحكمون الشارع» كتبت أنه بعد مرور خمس سنوات على قيام الثورة لم تتوار الخفافيش فى أوكارها، لكنها خرجت من سراديب العصور الوسطى وكهوف تجار الدين لتستهدف هذه المرة مفكرا اجتهد ليضىء شعمة تنوير وسط ضباب كثيف، متسلحا بغضبه رئيس مصر الذى أحزنه أن تفسد الفتاوى المسمومة والدعاوى الظلامية المكفرة مسيرة أمة تسعى إلى النهوض من كبوتها لاستشراف مستقبل جديد، فصاح مطالبا بتجديد الخطاب الدينى وتنقيته من شوائب التراث الضادرة فإذا بالرد القاسى أن يوضع المفكر فى السجن ويبقى المروجون للعنف والتزمت والانغلاق والخرافة ينعقون خارجه، بينما لم يكن - للأسف - هذا هو الحال فى ماضينا القريب والبعيد.
فإذا عدنا إلى عام «1957» حينما أصدر الدكتور مصطفى محمود كتاب الله والإنسان الذى تضمن أفكارا تراجع عنها فى رحلته الطويلة من «الشك» إلى «الإيمان»، صودر الكتاب بعد عاصفة عاتية من الهجوم عليه، لكن لم يسجن صاحبه لأن الفتوى الرسمية بالرأى فى الكتابة عن دار الإفتاء خلت من اتهام بالكفر أو إزدراء الأديان رغم جرأة المؤلف البالغة وتطرفه فى عرض أفكاره، وهذا يوضح سماح المناخ الثقافى العقلانى فى الخمسينيات والستينيات فلم تخرج الفتوى لتستبيح قتله، وقد ساعد عدم وجود الجماعات التى تصدر فتاوى التكفير على إصدار فتوى بعيدة عن التأثر بمخافة الاتهام فى العقيدة، بل خرجت وبها رفق ورأفة بالكاتب، حيث أكد الشيخ «حسن مأمون» فى الفتوى أن الكاتب عنى بتمجيد العلم والعقل والحرية، وإظهار أثرها فى تقدم الفرد والأمة، وأنهى فتواه بعبارة «نسأل الله لهذا الكاتب وأمثاله الهداية والرجوع إلى الحق فإن الرجوع إلى الحق فضيلة»، والله أعلم.
وقبل ذلك بسنوات طويلة أصدر الشيخ «على عبدالرازق» سنة «1927» كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، والشيخ من علماء الأزهر وكان يعمل قاضيا شرعيا بمحكمة المنصورة، وقد أوضح فى الكتاب بعبارات لا لبس فيها أنه لا خلافة فى الإسلام، هناك دين، وهناك سياسة، هناك إسلام، وهناك سلطان، إن السلطان يستخدم الدين دائما لخدمته، وهذه سياسة، هذه جريمة، هذه جناية، جناية على الدين لمصلحة سياسية أو كما يقول الكاتب الكبير «محمود عوض» فى كتابه المهم «أفكار ضد الرصاص»، جناية يجب أن يحاسب عليها ملوك المسلمين وسلاطينهم ولا يحاسب عليها الدين الإسلامى نفسه، ثم أن هناك طبيعة الملوك أنفسهم، يقول الشيخ فى عبارات نارية «إن ذلك الذى سمى عرشا لا يرتفع إلا على رؤوس البشر، ولا يستقر إلا فوق أعناقهم، وإن ذلك الذى يسمى تاجا لا حياة له إلا بما يغتال من قوتهم، ولا عظمة له ولا كرامة إلا بما يسلب من عظمتهم وكرامتهم».
بعد صدور الكتاب بدأت تتدفق الكتب التى تهاجم بعنف كتاب «على عبدالرازق» وفى مقدمه لواحدة منها يقول مؤلفها «لم يذكر المؤلف فى كتابه هذا رأيا إيجابيا يقيم عليه البرهان، بل كان ما قاله قضايا سالبة وإنكار محصن لما أجمع عليه المسلمون أو نص عليه صريحا فى الكتاب العزيز أو السنة النبوية ولا يستند فى أفكاره إلى السفسطة العقلية والآراء الظنية والأدلة الشعرية، مع أن تلك المسائل التى أنكرها وأنكر أدلتها مسائل فقهية شرعية لا يجوز الخوض فيها بمجرد العقل».
ولكن رغم تعليق المفتى الشيخ المطيعى بأن الكتاب كفر صريح يجب على كاتبه أن يتوب عنه ليرجع إلى حظيرة الإسلام فلم يطلب محاكمته أو سجنه، بل أعتبر أن «على عبدالرازق» لم يسلك سبيل الهدى والرشاد، أنه ارتكب عارا لا ينسى ودنسا لا يطهر إلا بدموع التوبة، والاستغفار والندم على ما وقع فيه.
بل أن عددا من المثقفين يناقشون الأمر، وعقدوا اجتماعا كتبوا فيه التماسا إلى الملك «فؤاد» لحماية حرية الفكر قالوا فيه: «يا ذا الجلالة، نلجأ إليك وأنت رب الدستور لتحول دون استباحته فى أقدس ما كفل وصان، وهى حرية الفكر، إن مؤاخذة مؤلف علم- وفوق ذلك قاضى- لنشره بحثا علميا حوى آراءه الخاصة فى مسائل دينية أو اجتماعية حسبما وصل إليه بحثه فى تأويل مصادرها ومراجعتها، لهى مصادرة لحرية الفكرة المكفولة بدستورنا المصرى والمقدسة لدى جميع الأمم المتمدينة ورجوع بمصر إلى عهد الظلمة».
وتم رفض التماس المثقفين واستجوبه هيئة كبار العلماء فى جلسة بالإدارة العامة للمعاهد الدينية، وتم إخراجه من زمرة العلماء، وكتب د.طه حسين يدافع عنه فى جريدة السياسة باستهلال قال فيه: «أيه أيها الطريد من الأزهر تعال نتحدث ضاحكين عن هذه القصة المضحكة، ما سلطة هذه الهيئة التى أخرجتك من الأزهر، إنما هى بدعة لا يعرفها القرآن الكريم ولا السنة المطهرة ولا النظم الإسلامية، ليس لحكمها صفة دينية، ومن قال غير ذلك فهو آثم، نعم آثم لأن هذا النظام يشبه أن يكون من نظم النصارى لا من نظم المسلمين، فلهم مجلس للأساقفة ومجلس الكرادلة ولهم البابا، أما نحن فليس لنا من هذا كله شىء، فسلام عليك أيها الطريد، وإلى اللقاء».
انتهى الأمر بالشيخ «على عبدالرازق» إلى أن أصبح بلا وظيفة ولا مرتب ولا تقدير ولا رد اعتبار، وإنزوى إلى النسيان فى صمت.
لكن التاريخ يسجل أن وزير الحقانية وقتها «عبدالعزيز باشا فهمى» تحدى الملك «فؤاد» ورفض معاقبة الشيخ «على عبدالرازق»، مشيرا إلى رفضه لقرار هيئة كبار العلماء كمحاكمة عالم بالأزهر، فتمت إقالته، واستقالة ثلاثة وزراء، وانهار ائتلاف وزارى وقيام أزمة سياسية ضخمة، كما لم يحدث مع أى كتاب آخر فى تاريخ مصر السياسى.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

الرئيس يرعى مصالح الشعب
«عاش هنا» مشروع قومى للترويج للسياحة
فى معرض الفنانة أمانى فهمى «أديم الأرض».. رؤية تصويرية لمرثية شعرية
466 مليار جنيه حجم التبادل التجارى بين «الزراعة» والاتحاد الأوروبى العام الماضى
الطريق إلى أوبك
نبيل الطرابلسى مدرب نيجيريا فى حوار حصرى: صلاح «أحسن» من «مودريتش والدون»
« روزاليوسف » تعظّم من قدراتها الطباعية بماكينة «CTP» المتطورة

Facebook twitter rss