صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

19 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

سينما «داود».. ومأزق المتلقى

27 ديسمبر 2015



عاطف بشاى يكتب

تثير دائما أفلام «داود عبد السيد» قضية مهمة خاصة بمشكلة المتلقى وعلاقته بالمبدع والإبداع المتجاوز لحدود الفن التجارى السائد، فمن الواضح أن أفلامه لا تحظى باحتفاء جماهيرى واضح ابتداء من فيلم البحث «عن سيد مرزوق» حتى فيلمه الأخير المعروض الآن فى دور السينما «قدرات غير عادية».
ومما لا شك فيه أن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورا خطيرا فى تطور أشكال الفنون وأساليبها - ومنها بالطبع فن السينما - من حيث إنها لا تستطيع أن تهيئ للفن موضوعاته وتحدد اتجاهاته العامة وتطلق العنان لقوى الخلق والإبداع وتدفعها عبر التاريخ، تلهمها وتغذيها أو تحط منها وتقضى عليها، ولكن من الغريب حقا أنه بالرغم من وجود مثل هذا الترابط الوثيق بين الأحوال الاجتماعية وتطور الفنون نجد أنه كلما صاحب تطور المجتمعات وتغيرها عبر التاريخ تطورا وتغيرا فى أشكال الفنون واتجاهاتها كلما اتسعت الهوة بين المتلقى والفن، فبينما اتجه الفن الحديث نحو الغرابة والصعوبة والتعقيد كنتيجة مباشرة لتعقد وتشابك أساليب الحياة والثقافة بقى الناس عند تصوراتهم ومقاييسهم القديمة للفن والفنانين مولين ظهورهم للفنون المعاصرة متهمين أصحابها بالجنون والتخريف.
ولعل هذا الموقف المتعسف من قبل المتلقى يرجع فى المرتبة الأولى إلى طبيعة تكوينه العقلى والنفسى التى تختلف بالضرورة عن طبيعة الفنان النفسية والعقلية فالإنسان العادى - كما يرى برجسون - يبقى فى دائرة التعامل النفعى مع الواقع لا يرى فى هذا الواقع إلا ما يجعله دائما على استعداد للمواجهة أو للاستجابة لما يتعرض له من مواقف حياتية.
وهكذا أزمة المتلقى فى عدم قدرته على تذوق الفن الأشد تعقيدا لأنه يضع أمامه صعوبات ومشاكل عديدة لا يمكن حلها إلا بالبعد عن دائرة النفعية حيث لا يتضمن الفن الحديث المباشرة والمحاكاة واستثارة الحواس ومغازلته العواطف بقدر ما يهدف إلى التلاعب بالحقيقة والزمن، والبعد عن التشخيص والتجسيد والتخلص من العقدة والحبكة والسرد المنطقى أو المتعارف عليه.
لذلك فإن نجاح العمل الفنى عند الجماهير العريضة منفصل تماما عن المعايير المتعلقة بالمستوى فالجماهير لا تستجيب لما هو جيد أو ردىء فنيا بقدر ما تستجيب للانطباعات «السفلى» التى تشعرها بالانزعاج أو الاطمئنان فى مجال حياتها الخاص وهى فى أفضل الحالات تستجيب للقيمة الفنية بشرط أن يقدم الموضوع فى إطار من الجاذبية الحسية والإثارة، أى أن طبيعة الفن عند المتلقى مترتبة على إدخال السرور دون ألم أو الإثارة دون إرهاق، بينما تظل طبيعة الفن عند الفنان المبدع بمثابة الحركة «التمردية» التى يقوم بها الإنسان حينما يعمد إلى مواجهة الواقع من أجل خلق العالم الجديد.. منشدا ما يحلم به من وحدة وتماسك واتساق حتى أن مطلب التمرد فى حد ذاته يبدو عند - «كامي» - مطلبا جماليا.
وما سبق يفسر لنا بوضوح، لماذا تنجح أفلام «السبكي» مثلا نجاحا جماهيريا عريضا بما تقدمه من توليفة ميلودرامية قائمة على الإثارة والصدفة والعنف والفواجع والغناء الشعبى الرخيص والرقص الفاضح والحوار المبتذل الذى يحاكى الواقع فى تدنيه، ويغازل رغبات المتفرج التى تجنح إلى زغزغة الحواس والشارع والغرائز السفلية دونما إعمال للعقل والفكر والتأمل وتجاوز الأبعاد الاجتماعية والواقعية إلى أبعاد فلسفية أكثر عمقا ورحابة وشمولا كما فى سينما «داود عبد السيد»
إن «داود» يحقق بشاعرية أخاذة وحس جمالى راق روح الفن الحقيقى الذى يغوص فى أسرار حياة وألغاز وجود غامض ومحير لاتفصح فيه شخوصه التى تبدو رموزا لمعان مطلقة وأفكار مجردة عن واقع محسوس أو رؤية تكشف عن أوضاع سياسية أو اجتماعية تحلل أو تلقى الضوء على مشاكل واقعية ملحة يعانى منها بشر يشتركون فى هموم واحدة، بقدر ما توجد هذه الشخوص لكى تؤكد من خلال الشريط السينمائى أن الموضوع الجمالى هو موضوع افتراضى لأنه مركب عن طريق وعى تخيلى فنحن لكى نبدع لابد أن يكون وعينا حرا، والحرية هنا تعنى الانفلات من رقابة العقل وضغوط العالم الخارجى، لكن الحرية من ناحية أخرى لا تستطيع أن تتجاهل الواقع ولا تستطيع أن تولى ظهرها للعالم الخارجى تماما.
ففى فيلم «قدرات غير عادية» يطرح التصور الافتراضى رؤية تغوص فى أسرار وألغاز تلك القدرات التى يتمتع بها بشر استثنائيون يتحكمون من خلالها فى مفردات الواقع تحكما يؤثر فى الزمان والمكان والأحلام والعلاقات البشرية، والعواطف والمشاعر والرغبات والمستقبل والمصير، ليناقش قضايا فلسفية تشمل «الوجود والعدم» ومأزق الإنسان المعاصر فى عالم غامض وغريب وعبثى يحاول أن يقيم تواصلا إنسانيا معه دون جدوى.
وتعدد مستويات الرؤية ووجهات النظر المختلفة التى يفسر بها المتلقى مضمون الفيلم وما ترمز إليه شخصياته تزيد الأمر ارتباكا وتداخلا، خاصة أن البطل الذى جسد دوره «خالد أبو النجا» والبطلة التى لعبت دورها «نجلاء بدر» والطفلة الملغزة يمثلون عالما خاصا مفصولا عن العالم الواقعى الذى يمثله بقية سكان «البنسيون» (فنان تشكيلى - ومنشد صوفى مثله باقتدار محمود الجندى - ومغنى أوبرالى - ومخرج سينمائي) وهذا اللنفصال بين العالمين يؤكد الإحساس العام بعدم وجود لغة مشتركة، وبالوحدة والاغتراب، والإحساس بالوحشة والقلق الوجودى والخوف من المجهول وصعوبة التواصل الإنسانى.
وإن كان مشهد النهاية الذى يجمع بين هؤلاء الغرباء يوحى بالدفء والبهجة والرغبة الحميمة فى التلاقى.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

البنت المنياوية والسحجة والتحطيب لتنشيط السياحة بالمنيا
تعديلات جديدة بقانون الثروة المعدنية لجذب الاستثمارات الأجنبية
الزوجة: «عملّى البحر طحينة وطلع نصاب ومتجوز مرتين.. قبل العرس سرق العفش وهرب»
«المجلس القومى للسكان» يحمل عبء القضية السكانية وإنقاذ الدولة المصرية
50 مدربًا سقطوا من «أتوبيس الدورى»!
حتى جرائم الإرهاب لن تقوى عليها
حكم متقاعد يقوم بتعيين الحكام بالوديات!

Facebook twitter rss