صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

14 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

البابا والمفتى فى القدس

13 ديسمبر 2015



عاطف بشاى  يكتب

استكمالاً لما ورد فى مقالنا السابق عن زيارة البابا تواضروس للقدس تلك الزيارة التى فجرت الكثير من الاختلافات فى وجهات النظر بين مؤيد ومعارض وأكد فيه الغاضبون من المثقفين الأقباط أنه قرار يمس الوطنية المصرية التى هى فى القلب منها وطنية الكنيسة، وخروج عن الإجماع الشعبى وشق فى الصف فى وقت نحتاج فيه إلى الإصطفاف، والتضامن والتوافق، كما عبر العامة عن غضبهم بجملة لخص فيها أحدهم رأيهم على موقف تواصل إجتماعى بقوله: هى الكنيسة بتحلل لنفسها اللى بتحرمه علينا؟!
لكن الحقيقة أن ما دفعنى للكتابة مرة أخرى حول هذا الموضوع هو ما تستدعيه الذاكرة من موقف مشابه يستحق إلقاء الضوء حوله ألا وهو موقف د.«على جمعة» مفتى الديار بسفره إلى القدس منذ عدة سنوات بدعوة من مؤسسة آل البيت الأردنية فأشعل ذلك حريقاً وأثار عاصفة عاتية من الإدانة والهجوم الضارى على شخصه ونظم العشرات من أئمة وعلماء الأزهر الشريف وقفة احتجاجية أمام دار الإفتاء المصرية اعتراضاً على الزيارة، وردد المتظاهرون الهتافات، رغم أن الرجل لم يفعل أكثر من الصلاة فى المسجد الأقصى والتقى بمسلمين فلسطينيين هناك، إلا أن سلاطين مجلس الشعب وكهانه وثواره المغاوير قد اتهموه بأنه لا يعى مكانة كرسى الإفتاء الذى جلس عليه علماء أجلاء مثل الإمام «محمد عبده» وخالف الإجماع الوطنى فاعتبروا الزيارة تطبيعا مع الكيان الصهيونى، ومن ثم هى تعتبر خنجراً فى ظهر الوطنية المصرية، والقدس لن تعود بزيارته، ولو كان صادقاً لعاد والقدس فى يمينه، وهى عبارة هزيلة سخيفة تذكرك بالنكته التى تعبر عن عنت المعلم الكاره لطلبته ومصراً على إدانتهم والتربص بهم ورسوبهم فى الامتحان بسؤالهم عن عدد الملايين الذين ماتوا فى الحرب العالمية الثانية فإذا أجابوا الإجابة الصحيحة طلب منهم ذكر أسمائهم.
لقد تحلق الجميع، ظلاميون ومكفرون ومزايدون ومتربصون من محترفى فرض الوهابية الدينية، وانضم إليهم المناضلون الحنجوريون المتشنجون الأشاوس للنيل من الرجل، وانهالوا عليه طعناً وتمزيقاً بقسوة غريبة، وطالبوا بخلعه من منصبه.إنهم إذاً الأطهار الأنقياء القلوب الذين لا يأتيهم الباطل من قريب أو بعيد، فتفرغوا للجهاد الدينى المقدس فامتطوا جيادهم واستلوا خناجرهم، وسعوا للنضال القدسى عبر الميكروفونات، وتفتقت قرائحهم عن اصطياد الأخطاء على طريقة التعبير الدارج «لبدوا للرجل فى الدرة»، فقال أحدهم أن المفتى تبرأ من العمامة الأزهرية وخلعها أثناء الصلاة فى المسجد الأقصى، ولابد ألا يرتديها مرة أخرى.
وقال آخر من المزدرين الأشداء للزيارة: ألا يعرف الدكتور «على جمعة» أن «صلاح الدين الأيوبى» بعد أن حرر القدس من الصليبيين وأشار عليه من حوله بأن يدخل المدينة بعد أن تحررت فإنه اشترط أن يتم غسل شوارعها ومبانيها ومساجدها وكنائسها من دنس الاحتلال وبعد أن تمت عملية الغسل التى اعتبرها عملية تطهر وتطهير دخلها «صلاح الدين الأيوبى».
والحقيقة بهدوء ودون تشنج أيديولوجى أو إدعاء يتخذ صبغة دينية أن الرجل أقدم بشجاعة أدبية ونية طيبة سمحاء للسفر نصرة للقدس ودعماً لصمود شعبها ورغبة فى تواصل وجدانى حميم معهم طالما اشتاقوا هم إليه، فهم يدعون المسلمين إلى زيارة مدينتهم لتدعيم أواصر المحبة والتأكيد على معانى الأخوة والتضامن والتراحم مع أهلهم فى الجوار والله، وعملاً بالمقولة الشائعة أن زيارة سجين فى محنة لا يعنى تطبيعاً مع السجان، وقد زار الرسول «صلى الله عليه وسلم» الكعبة قبل فتح «مكة» وهى ترزح فى ظل احتلال الكفار، وكان بها فى هذا الوقت أصنام.
كما أن المفتى لم يزر «إسرائيل» أو أى من مؤسساتها والمسجد الأقصى هو مسجدنا ومن واجبنا ومن حقنا زيارته، وكل ما تتمناه «إسرائيل» وتهفو إليه أن يحجم المسلمون عن زيارة المسجد الأقصى ليدعوا أمام الرأى العام العالمى أن المسلمين غير مبالين به، ولا يعنيهم فى شىء.
ما أشبه الموقفين، موقف البابا وموقف المفتى، ولعلنا نرى أن سفر البابا «تواضروس» إلى القدس هو دعوة غير مباشرة للأقباط لكسر قرار الحظر الذى فرضه «البابا شنوده» وتأييداً لتمردهم على القرار.
وبناء عليه فإننى أتفق مع رؤية الباحث «معتمر أمين» التى نشرها فى جريدة المقال التى يوضح فيها أن أى شخص مسيحى عادى لابد أن زيارة البابا إلى القدس جعلته يشعر بالكثير من التنبه فإن هذه الزيارة غير المسبوقة منذ عقود زمنية طويلة تعود إلى القرن التاسع عشر، أيقظت حلم الحج إلى أورشليم مرة أخرى، والصحافة الإسرائيلية تراهن على هذا الشعور بل إن أحد سفراء إسرائيل السابقين فى مصر قال إن مسألة منع المسيحيين من زيارة القدس ستكون أصعب بكثير الآن حتى مع استمرار الموقف الرسمى الكنسى الذى يقضى بزيارة القدس يداً بيد مع المسلمين، ثم أن البابا لم يذهب عبر الطريق التقليدى لزيارة القدس وهو مطار عمان الأردنى ثم براً إلى القدس بل ذهب إلى مطار «تل أبيب» نفسها ثم إلى القدس، وفى هذا التصرف عدم التفات إلى رمزية أى شىء يوحى بالمقاطعة، أو لعل البابا عندما يقرر شيئاً لا يكترث بالتبعات السياسية والشكلية الرمزية.
لذلك فإن من أخذوا على عاتقهم التنديد بموقف البابا والتشكيك فى وطنيته لخروجه على الإجماع الشعبى ضد التطبيع مع إسرائيل وفتح الباب للتعامل السلبى على طريقة فرض الأمر الواقع التى اتبعها الكيان الصهيونى منذ أن اغتصب أرض فلسطين، لا يسعنا إلا أن نقول لهم كفاكم «حنجورية» وإدعاء، وترديداً لشعارات جوفاء ولغو ممجوج عج به بيان «حزب مصر القوية» الذى دعا المصريين كافة إلى رفض تلك الزيارات أياً كانت مكانة القائمين بها، وكذا رفض جميع أشكال التطبيع مع الكيان الصهيونى على جميع المستويات.
فأى مزايدة سخيفة تلك؟!

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

«روز اليوسف» داخل شركة أبوزعبل للصناعات الهندسية.. الإنتاج الحربى شارك فى تنمية حقل ظهر للبترول وتطوير قناة السويس
ماجدة الرومى: جيش مصر خط الدفاع الأول عن الكرامة العربية
كاريكاتير أحمد دياب
الدولة تنجح فى «المعادلة الصعبة»
الانتهاء من «شارع مصر» بالمنيا لتوفير فرص عمل للشباب
ثالوث مخاطر يحاصر تراث مصر القديم
جنون الأسعار يضرب أراضى العقارات بالمنصورة

Facebook twitter rss