صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

13 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

تحقيقات

القومية العربية فى مصر خارج الخدمة

23 سبتمبر 2012

كتب : الهام رفعت




أطلق الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذى كان ينادى بالقومية العربية ويدعو لها، أسماء بعض الدول العربية على عدد من القرى فى ستينيات القرن الماضى مثل البصرة وبغداد وحلب واليمن وفلسطين والجزائر بما تعنيه من عروبة وقومية، وما بين ذلك وبين تهميش أهالى تلك القرى التى تقع على أطراف الإسكندرية سنوات من القهر والظل
 
م عاشها أهالى تلك القري، وبزيارة إليها تؤكد أن أهلها من المنسيين، هذه القرى تبعد عن الإسكندرية نحو 70 كيلو متراً، ولم يسمع أهل الحضر عنها من قبل
عندما تطأ قدماك هذه القرى تشعر بحجم البؤس والأسى الذى يعيشه الأهالى بعيداً عن الخدمات وأدنى متطلبات الحياة، ففى الوقت الذى يشغل الشباب والكبار بمختلف مدن مصر أوقاتهم فيه بمطالب الثورة وتحقيقها، ويقضى شباب وكبار ونساء هذه القرى أوقاتهم فى الحقول والورش والمهن البسيطة لتوفير لقمة العيش بالكاد، وهم راضون بالقليل غير متمردين على أوضاعهم حتى لو لم يكن متوافراً لديهم الخدمات والمرافق والمياه النقية للشرب أو المقومات الزراعية لأراضيهم التى زجت بهم الدولة فيها وتركتهم دون رعاية تذكر، ولا يشغلون بالهم بمن سيكون فى البرلمان أو من سيتولى وزارة أو غير ذلك، وكل ما ينشدونه هو الحياة الآدمية، وهى أقل حق يمكن أن يمنح لهم.
 
فى البداية يوضح المهندس جمال كامل ــ أمين ائتلاف عمال الإسكندرية وأحد أهالى قرية البصرة الواقعة فى منطقة العامرية منذ أكثر من عشرين عاماً ــ أن قرى القومية العربية والتى تحمل أسماء لدول عربية منذ عشرات السنين كانت تعرف بقرى مريوط حيث تبعيتها لشركة مريوط الزراعية والتى انشأها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وتضم أسماء مثل البصرة وبغداد وفلسطين ومصطفى كامل واليمن والجزائر والحرية والجلاء وحلب وغيرها، ويقول إنه تم حل الشركة فى بداية التسعينيات من القرن الماضي، وكانت تابعة لقطاع الأعمال العام وقت أن كان الدكتور عاطف عبيد وزيراً لقطاع الأعمال العام، وتم بيع الأراضى فى المزاد العلني، ووزع جزء آخر على العاملين بالشركة مقابل ترك الوظيفة، ومن أشهر المشترين فى المزاد الفنان محمود عبدالعزيز والذى اشترى 30 فداناً.
 
وأشار جمال إلى أن الكبار وأصحاب النفوذ والوساطة يحصلون على الأراضى المتميزة على الطريق والواقعة بجوار المياه، أما الغلابة فيحصلون على أرض بعيدة عن الطريق والمياه مخلوطة بالصرف الصحى، الأمر الذى دمر الأرض وأتلف المحصول وتركوها وباعوها برخص التراب.
ويلفت جمال إلى مأساة قرية البصرة وجميع القرى حولها متباينة الأبعاد، فالجانب التعليمى متدهور للغاية حتى إن الأطفال فى المرحلتين الابتدائية والاعدادية لا يعرفون حتى كتابة أسمائهم، فما بالك بالمذاكرة ودراسة المناهج، ولذلك يحتاج التلاميذ إلى محو أمية، فالمدارس موجودة ولكنها بلا مدرسين أكاديميين قادرين على التدريس وإفهام التلاميذ المواد التعليمية، ويوجد فى قرية البصرة مدرسة ابتدائي، أما المدرسة الثانوية فتوجد فى قرية بغداد الواقعة على بعد 2 كم وأما الدرسة الإعدادى فتبعد كيلو متراً، وعموما فإن قرية بغداد أحسن حالاً من البصرة.
 
مصطفى أبو بكر ــ من قرية بغداد ــ يقول إن الوحدة الصحية الموجودة بالقرية لا تكتمل بها الخدمات أو العلاج خاصة أن الطبيب الموجود بها يغادر الوحدة فى الثانية عشرة ظهراً، حتى إن المرضى لا يجدون من يعالجهم بعد ذلك، وفى حالات الطوارئ يضطر المرضى للذهاب لأقرب مستشفى على بعد عدة كيلو مترات، حتى إن النساء اللائى على وشك الولادة يواجهن بالغ الأسى، وقد يتعرضن للموت بسبب عدم إسعافهن كما حدث فى عدة مرات سابقة، حتى إن الأهالى فى قرية بغداد يشعرون بعدم الآدمية وأنهم ليس لهم ثمن عند المسئولين الذين يعيشون بعيداً عن هذه المهازل.
واستطرد: لا توجد سيارة إسعاف لنقل المرضى لأى مستشفى مركزى أو عام، ومبنى المستشفى عبارة عن هيكل يسكنه الأشباح والحشرات والغربان، وهو موجود على النطاق الرسمى فى أوراق الحكومة فقط، ولكن الحقيقة تؤكد عكس ذلك وكان أهالى القرية خارج حسابات المسئولين، مشيراً إلى أنهم رفعوا شكواهم للمسئولين فى عهد المخلوع إلا أن الاستجابة كانت معدومة، حتى إن أحد المسئولين قال لنا أن ننتظر حتى يأتى دورنا، وعندما سألناه عن متى سيحل هذا الدور؟ أجاب قائلاً «فى المشمش».
 
 
أما مشكلة الطرق بهذه القرى فهى مشتركة ولا توجد أى ميزة لقرية عن الأخرى فكلها طرق بدائية عبارة عن مدقات وحوار ضيقة لا تسمح بمرور السيارات خلالها، الأمر الذى يشكل صعوبة بالغة فى حالة نشوب أى حرائق بالمنطقة حيث يصعب مرورها، وبالتالى مضاعفة الخسائر والإصابات وخلافه، كما أنه يصعب مرور السيارات فى حالة نقل المرضى للمستشفيات خاصة أن من بين الأهالى مصابين بأمراض مزمنة وتنتابهم حالات فقدان للوعى وبالتالى قد تؤدى إلى الوفاة.
 
 
ويتحدث أحد الموظفين من أهالى القرية قائلاً: لا توجد مواصلات حكومية للقرية الأمر الذى يضطرنى لاقتياد الميكروباص مقابل 5 جنيهات يومياً للذهاب إلى عملى مما يضاعف أعباء المعيشة على حيث تلتهم المواصلات وحدها 25٪ من دخلى الشهري، واستاء من تجاهل المسئولين عند مطالبتهم بتوفير المواصلات لأهالى القرى التى تحمل أسماء الدول العربية وتمثل القومية العربية فى مصر.
 
 
أما عن الكهرباء فهى أزمة لا تنقضى فالمساء عندنا ظلام دامس لأن الكهرباء دائماً مقطوعة وتستمر لأيام طويلة وتعطل الحياة، مما يتسبب فى فساد الأطعمة والمشروبات والأدوية خاصة تلك التى تحتاج لدرجة حرارة منخفضة فى الصيف، مما يضطر المريض لشراء غيرها على نفقته وتحمله أعباء إضافية.
 
وتتبع قرى القومية العربية كهرباء الريف بمحافظة البحيرة رغم تبعيتها إدارياً لمحافظة الإسكندرية، ويتم تحصيل فواتير الكهرباء شهرياً من الأهالى رغم شكواهم المتكررة التى لم تحل.
محمد عادل ــ من الأهالى قال إن مياه الشرب تحمل أمراضاً كثيرة حيث تتكون شبكاتها من مواسير الاسبستوس الأسمنتية والموجودة من 30 سنة، ولذلك أصبحت متهالكة وتسرب المياه الجوفية داخل المواسير وتلوثها بمياه الصرف الصحى.
 
محمد الذى يعمل فى وزارة الصحة ويطلع على التقارير الصحية يقول أن تقارير منظمة الصحة العالمية أدانت شبكات المياه المصنعة من الاسبستوس لأنها تصيب المواطنين بالسرطان خاصة أنها متهالكة ومتآكلة، وهى سبب زيادة إصابات الأهالى بالفشل الكلوى والأورام السرطانية، حتى إن الأهالى طالبوا مراراً وتكراراً بتحليل المياه ولا مجيب لهم، ورغم كل ذلك فإن الأهالى يعانون من الحصول على كميات منها بحيث تكفى استخداماتهم وسقاية مواشيهم وطيورهم، بسبب عدم وصولها لبيوتهم.
 
أما قرية فلسطين المجاورة لقرية البصرة فهى الأفضل حالاً بين القرى التى تحمل أسماء لدول عربية فى مصر فالطريق المؤدى إليها مرصوف وممهد للزوار، حيث كانت أيام الرئيس المخلوع مقراً للتزوير فى الانتخابات حيث تقع بها مدرسة فلسطين التى كانت مقراً انتخابياً لجميع القرى المجاورة، ويصل عدد الناخبين لأكثر من 50 ألف صوت انتخابى مما دفع أعضاء مجلس الشعب السابقين المنتمين للحزب الوطنى المنحل إلى رصف الطريق المؤدى للقرية من الطريق الصحراوى والطرق الداخلية إلى مقر المدرسة، ولذلك يعتبرها الأهالى الأكثر حظاً فى عصر المخلوع بين القرى المجاورة.
 
على عصمت ــ من سكان المنطقة ــ قال إن أغلب سكان هذه القرى من عائلات البراهمة والسناجرة والعقارى وينتمون لقبيلة أولاد على الأبيض التى نزحت من ليبيا منذ مئات السنين واستقروا فى أطراف الإسكندرية واندمجوا مع سكانها الأصليين مع الاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم العربية خاصة فى عادات الزواج والجلسات العرفية والمأكولات والعادات الخاصة بالقبيلة، رغم تأثرهم قليلاً بالعادات المصرية، فهم يتناقلون عاداتهم من خلال التوارث بين الأجيال.
 
 
ويلفت محمد سعيد ــ من أهالى قرية بغداد ــ إلى الانفلات الأمنى الذى تسبب فى ضياع الثروة الحيوانية بالقرية والقرى المجاورة وذلك بعد مهاجمة الحظائر والبيوت وسرقة المواشى والحيوانات الموجودة بها فى عز الظهر حتى أصبح ذلك ظاهرة متكررة دون وجود للأمن، ومن يواجه هؤلاء اللصوص لا يجد سوى الموت مصيراً له بعد أن يطلقوا عليه الرصاص.
مستطرداً: يطالب أهل القرية بتواجد أمنى مستمر، ودورية أمنية نهاراً وليلا بدلاً من التجاهل الذى يشعرون به.
 
 
ويضيف: محمود حنفى من سكان قرية اليمن، فى عام 2010 انتشرت معلومات مفادها أن شركة مريوط الزراعية تريد استرداد الأرض التى بنى عليها مركز شباب قرية اليمن والمقام من التسعينيات، ومن الواضح أن المسئولين استخسروها فى أهالى القرية، ويتكرر هذا الكلام بين الحين والآخر، ونخشى أن يتم تنفيذه خاصة أننا نعيش بعيداً عن العيون والإعلام ولا يسأل فينا أحد، وبدلاً من تطوير مركز الشباب وتفعيله من أجل أبنائنا والقرى المجاورة، ويتساءل لماذا لا يتم تطوير قريتنا مثل قرية الجزائر التى تهتم بها المحليات والروتارى وطوروها؟
لدرجة أننا نعتبرها قرية محظوظة كما أنها تقع على الطريق وليس مثل قريتنا الواقعة فى الداخل، ويؤكد أن طبيب الوحدة الصحية يأتى مرة فى الأسبوع ولا نراه بعد ذلك، وأهالى القرية تحت خط الفقر ولا يتحملوا الذهاب إلى الإسكندرية للعلاج وجميع الخدمات فى القرية معدومة، الكهرباء دائماً مقطوعة والمياه مخلوطة بالصرف ولا يوجد عندنا جمع للقمامة التى تنتشر فى كل مكان ونحن نلقيها بمعرفتنا فى أقرب أرض فضاء.
 
 
وفى قرية النهضة التى تبلغ مساحتها 40 ألف فدان كارثة خطيرة حيث يوجد بها تلوث شديد للبيئة يضر بالصحة العامة للمواطنين والزراعات والحيوانات حيث يقول الحاج محمد بسيونى إن النظام السابق دمر القرية بموافقته على إنشاء مصنع للكربون رغم أن هذه القرية مكدسة بالسكان، ووافقت الحكومة المصرية للشركة الهندية أن تقيمه على أرض قرية النهضة الزراعية، وهذا المشروع الكارثة ما زال يؤثر على صحة أهالى القرية بما يتصاعد منه من أبخرة مسرطنة دون التزام بالمواصفات والشروط البيئية المناسبة، ورغم الشكاوى العديدة للمسئولين إلا أنه لم تنته الأزمة، فلا تم نقل المصنع ولا ألزمته جهة حكومية بالمواصفات البيئية السليمة.
 
ويؤكد أحمد سلامة ـ منسق المصرية لحقوق الإنسان، وأحد المهتمين بمشكلة الأهالى فى القرى المذكورة ـ أن أهالى قرى القومية العربية المحرومين من جميع الخدمات يمثلون قنابل موقوتة فى المجتمع يمكن انفجارها فى أى وقت، فقد تعبوا من التهميش والفقر، لافتًا إلى تقسيم نحو 2500 فدان على كبار القضاة من خلال جمعية القضاة التى تحوز مساحات من المنطقة، وعلى رأسهم المستشار ممدوح مرعى وزير العدل السابق، حيث يتوسط قصره مزرعة عامرة بالمزروعات وتروى دون عناء مثل باقى المزارعين، ولا تنقطع عنها الكهرباء، وطالب سلامة الحكومة ونواب الشعب بالالتفات لهذه الفئة المهمشة وأن يشعروا أن الثورة أنصفتهم وأعطتهم حقوقهم الضائعة على مدار سنوات ظلم المخلوع.
 
 
ومن جانبها أكدت الدكتورة هدى عطية ـ رئيس نادى اسكندرية مريوط سابقًا ـ أن اختيار قرية الجزائر جاء بعد بحث فى القرى التى تحتاج لتطوير، وأن النادى كان قد اختار عدة قرى إلا أن المحافظ الأسبق للإسكندرية اللواء عادل لبيب اختار الجزائر لأنها كانت ضمن خطة المحافظة لإنشاء بنية تحتية، وكنا قد طورنا مركز الشباب بتكلفة 500 ألف جنيه، وانتهى تطوير المبنى الرئيسى وحجرات خلع الملابس بينما تولى ناد آخر تطوير الملاعب.
 
ومن جانبه أكد رئيس لجنة تطوير قرية الجزائر التابع للأندية الروتارية أسامة الأحمر أن تطوير القرية تم خلال عام 2010/2009 وكانت جميع المنشآت الرئيسية بالقرية متهالكة تمامًا، وقامت المحافظة برصف الطرق وتركيب 96 عمود إنارة للشوارع للنهوض بمستوى معيشة الأفراد القاطنين بها وتم تشجير الشوارع بمعرفة المجلس المحلى واشترك فى تطوير منشآت القرية المتهالكة 12 نادياً روتارياً، مشيرًا إلى تطوير مبنى مصنع الألبان الذى تملكه وزارة الزراعة وتؤجره لأحد الأشخاص وتطوير مبنى المدرسة وجمعية تنمية المجتمع، كما تم تطوير دار المناسبات وإعادة تأسيسها وتطوير مركز الشباب، لافتًا إلى إنشاء 18 فصلاً لمحو الأمية بالتعاون مع هيئة تعليم الكبار وتكلفت هذه الأعمال 2 مليون جنيه تحملتها أندية الروتارى المشاركة فى التطوير.
وتم عقد ندوات ولقاءات مع أهالى قرية الجزائر بالتعاون مع جامعة الإسكندرية عن تصنيع الألبان وعسل النحل وختان الإناث ونظمنا قوافل طبية ومسابقات رياضية لتوعية المواطنين وتقديم المعلومات عن حرف ومهن يمكن العمل بها وتوفير متطلبات حياتهم. وأضاف الأحمر أن تطوير قرية الجزائر كان ضمن تطوير أربع قرى أخرى من القرى الفقيرة والأشد احتياجًا فى مصر، لافتًا إلى أن مشروع تطوير الجزائر قدم خدمة لأكثر من ستة آلاف و800 نسمة مقسمة إلى 956 أسرة وتم إدراجها ضمن القرى المصرية النموذجية.
 
 
ويؤكد على محمد عمر عضو مجلس الشعب السابق عن المنطقة أنه بعد فوزه فى الانتخابات الماضية توجه لزيارة تلك القرى للتعرف على مشكلات أهلها الملحة، وكان واضحًا عليها التهميش الذى تعرضوا له طوال سنوات مضت حتى إن جميع الخدمات تكاد تكون منعدمة الأمر الذى دفعه لإعداد مشروع متكامل لتطويرها لعرضه على محافظ الإسكندرية، إلا أنه لم يجد استجابة من المحافظ ويقول: من الواضح أن تلك القرى مرفوعة من خريطة الخدمات بمحافظة الإسكندرية وأهاليها من المنسيين، مشيرًا إلى أنه لن يتوانى عن إيجاد حل آدمى يمكن أن يعوض الأسر التى تعيش فى تلك القرى عن المر الذى ذاقوه طوال عشرات السنين.

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

روزاليوسف داخل شركة حلوان لمحركات الديزل: الإنتاج الحربى يبنى الأمن.. ويلبى احتياجات الوطن
«العربى للنفط والمناجم» تعقد اجتماعها العام فى القاهرة
كاريكاتير أحمد دياب
التقمص كممارسة فنية لتخليص الذات
أردوغان يشرب نخب سقوط الدولة العثمانية فى باريس
الصحة 534 فريقًا طبيًا لمبادرة الـ100 مليون صحة ببنى سويف
الداخلية تحبط هجومًا لانتحارى يرتدى حزامًا ناسفًا على كمين بالعريش

Facebook twitter rss