صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 سبتمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

إدوار الخراط مبدع من طراز خاص .. يرحل فى صمت مهيب يليق به

6 ديسمبر 2015



كتبت - رانيا هلال

رحل عن عالمنا مؤخرا الروائى والشاعر والمترجم القدير ادوار الخراط بعد رحلة طويلة مع المرض. إدوار الخراط (مواليد 16 مارس، 1926 - توفى 1 ديسمبر 2015) كان كاتبًا مصريًا، ولد بالإسكندرية لعائلة قبطية أصلها من الصعيد، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1946م، عمل فى مخازن البحرية البريطانية فى الكبارى بالإسكندرية، ثم موظفا فى البنك الأهلى بالإسكندرية، عمل بعدها موظفا بشركة التأمين الأهلية المصرية عام 1955م، ثم مترجما بالسفارة الرومانية بالقاهرة.
شارك إدوار الخراط فى الحركة الوطنية الثورية فى الإسكندرية عام 1946 واعتقل فى 15 مايو 1948م فى معتقلى أبو قير والطور. عمل فى منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية فى منظمة الكتاب الإفريقيين والآسيويين من 1959 إلى 1983م. تفرغ بعد ذلك للكتابة فى القصة القصيرة والنقد الأدبى والترجمة، فاز بجائزة الدولة لمجموعة قصصه (ساعات الكبرياء) فى 1972م.

يمثل إدوار الخراط تيارًا يرفض الواقعية الاجتماعية كما جسّدها نجيب محفوظ فى الخمسينات مثلا ولا يرى من حقيقة إلا حقيقة الذات ويرجّح الرؤية الداخلية، وهو أول من نظّر الـ«حساسية الجديدة» فى مصر بعد 1967م.
اعتبرت أول مجموعة قصصية له (الحيطان العالية) 1959 منعطفًا حاسمًا فى القصة العربية إذ ابتعد عن الواقعية السائدة آنذاك وركّز اهتمامه على وصف خفايا الأرواح المعرَّضة للخيبة واليأس، ثم أكدت مجموعته الثانية (ساعات الكبرياء) هذه النزعة إلى رسم شخوص تتخبط فى عالم كله ظلم واضطهاد وفساد.
أما روايته الأولى (رامة والتِنِّين) 1980 فشكّلت حدثًا أدبيًا من الطراز الأول، تبدو على شكل حوار بين رجل وامرأة تختلط فيها عناصر أسطورية ورمزية فرعونية ويونانية وإسلامية. ثم أعاد الخراط الكرة بـ(الزمان الآخر) 1985 وبعدد من القصص والروايات (وإن صعب تصنيف هذه النصوص) متحررة من الاعتبارات الإيديولوجية التى كانت سائدة من قبل.
الكاتب شعبان يوسف مسئول ورشة الزيتون الثقافية واحد أصدقاء الخراط لوكالة فرانس برس قال عنه: لقد رحل الخراط وترك لنا إبداعه فقد أصدر فى العام 1968 مجلة «جاليري» مع مجموعة من المثقفين المصريين المتمردين على الواقعية فى الأدب وقد شكلت رافدا مهما فى الحركة الثقافية والنقدية المصرية. وبدأ الخراط بالتنظير لرؤيته الثقافية المغايرة «الحساسية الجديدة» التى عارض فيها كل الإشكال التقليدية فكريا وكتابيا.
وهو كان يؤكد أن الكتابة الإبداعية تكون فى الخروج عن التقليدى وانتقاده. وقد واجه فى هذا السياق الكثير من الانتقادات لتجربة الروائى المصرى نجيب محفوظ الحائز جائزة نوبل للآداب كونه الممثل الأمين للواقعية فى الرواية.
وقد نال جوائز عدة منها جائزة الدولة فى العام 1972 عن «ساعات الكبرياء» وجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية فى القاهرة فضلا عن جائزة النيل التى تمنحها الدولة وهى الأعرق فى العام 2014. وترجم الخراط العديد من الكتب والمسرحيات الى اللغة العربية عن الانجليزية والفرنسية.. وقد ألف أكثر من 50 كتابا بين القصة القصيرة والرواية والكتابة النقدية الى جانب العديد من المقالات الصحفية من أهمها، «يقين العطش» و«ترابها زعفران» و«الزمن الآخر».
كما نعى الشاعر «محمد المخزنجى» الكاتب الكبير الراحل إدوار الخراط، الذى رحل عن عالمنا، قائلا: بمزيد من الحزن والآسى وبقلوب مؤمنة بقضاء الله استقبلنا خبر وفاة الأديب الكبير الذى أثرى الحياة الأدبية بأكثر من خمسين إصدارا ما بين المجموعات القصصية والشعر والنقد كان من أهمها «رامة والتنين» و«الزمن الآخر»، و«يقين العطش» وغيرها.
كما نعى الكاتب الصحفى حلمى النمنم وزير الثقافة، رحيل الأديب إدوار الخراط حيث قال عنه: «إن موت الخراط خسارة كبيرة لأديب وروائى أثرى الحياة الثقافية بأعماله، فكان متفانيا فى حب الوطن ورسم ملامح المجتمع فى رواياته، وتغنى بمعشوقته الإسكندرية وحبه لها فى رواية «ترابها زعفران»، مشيرا إلى أنه يعد من رموز الحداثة فى الأدب المصري، وأثرى المكتبة العربية بعدد كبير من الروايات والترجمات.
وأضاف أن الخراط استطاع أن يلمس بأعماله وجدان القراء، واستحسان النقاد، فدارت حول أدبه الكثير من الدراسات النقدية والندوات وصارت محطا لاهتمام الباحثين فى الأدب العربى والحداثة، كما تخرج من تحت عباءته الروائية كثير ممن ساروا على الدرب.
«بحث عن النموذج البشرى المتفوق بطريقته الخاصة»
 الكاتب حاتم الجوهرى قال إنه تعود علاقتى بالراحل المبدع الكبير إدوار الخراط إلى ذكريات الحركة الطلابية الأدبية فى التسعينيات، حينما كنت مشغولا بفكرة جمال التمرد، وأن ليس كل تمرد على المجتمع هو إضافة للمنجز والتجربة البشرية، وأن أفكار ما بعد الحداثة وذوبان الحدود بين الفنون والقيم الموروثة، لا تعنى بالضرورة تصفيرها بل يمكن إعادة تشكيلها ونقدها وتقديم انطلاقة جديدة للحياة والبشرية بأسرها.
أذكر أننى فى إحدى دراساتى الأدبية المبكرة فى الجامعة، اعتمدت على كتابه «الكتابة عبر النوعية: مقالات فى القصة القصيدة ونصوص مختارة»، للتأكيد على هذه الفكرة. . خاصة فكرة أن الذات فى علاقتها بالكتابة يمكن أن تتمرد على الأشكال التقليدية للأدب، ولكنها تظل ذاتنا ممسكة بنفسها غير مقهورة، هكذا أرى إدوار الخراط وتصوره النقدى عن فكرة «الكتابة الجديدة» و«الحساسية الجديدة».
أرى أنه على عكس ما فهم بشكل كبير فى الوسط الأدبى المصري، كان يؤسس لفكرة المبدع الكبير أو الأديب المتفوق العبقري، الذى يمكن لذاته أن تتجاوز أشكال الكتابة التقليدية وأشكال الايديولوجيا التقليدية (لا أن تتخلى عنهما)، هناك مدارس فنية لا تُفهم إلا بعد مضى مدة من الزمن، ولا يستطيع روادها أو معاصروها -وفق الظروف - طرحها أو فهمها بشكلها الصادم، أرى أن إدوار الخراط كان يتحدث عن فكرة «الذات الخالقة» مثلا كما فى لب فلسفة الوجودية عند سارتر، وليس القشور التى ترتبط بظروف كل عصر، كأن يشيع فى تطبيق الوجودية فكرة تضخيم الذوات الضعيفة التى عادة ما تنتهى بالانسحاق أو الانتحار أو التشوه، أو أن يعنى ذلك فى الأدب انتقال المبتدئين أو أنصاف الموهوبين بين الأشكال الكتابية المختلفة للكتابة عبر النوعية.
إدوار الخراط فى إبداعه السردى والشعري، كان يبحث عن النموذج البشرى المتفوق بطريقته الخاصة، وأعتقد أننا يجب أن نعيد قراءة مشروعه الفكرى والأدبى فى هذا السياق، بعيدا عن التفسيرات المرحلية والاستقطابات التى كانت سائدة فى زمانه، من كانوا منافسين له ومن ناصروه على السواء. تماس إدوار الخراط مع فكرة عظمة ورقى الإبداع البشرى وقدرته على تجاوز الأشكال والأطر الفكرية والتعبيرية السائدة فى زمان ما، تماس مع كسر السائد ومخاطبة القدرات الكامنة للعقل البشرى والتجربة البشرية فى تفوقها وليس فى عاديتها.
«الخراط اختار الخلود»
الكاتب يوسف الرفاعى قد نعى الخراط بأن رحيله خسارة كبيرة للمشهد الثقافى المصرى وذكر «الرفاعى»: أن إدوار الخراط تسارع فى الآونة الأخيرة فقدانه لأدباء وهبوا ذلك المشهد رونقه وأشبعوا ذائقة أجيال بالكلمة والمعنى والفكرة. لكن عزاءنا الوحيد فى هذا الرحيل هو أن الأديب لا يموت، لأن أعماله باقية تتحدث وتنبض وتفكر ويتناقلها محبو أدبه الذى اتسم بالتمرد على التقليدية. ولن أقيس تميزه بجوائز مشهود لها كجائزة الدولة التى نالها عام 1972 أو جائزة النيل التى نالها عام 2014 وإنما أقيسه بنتاجه الأدبى الذى صنعته تحديات منحته مفردات القوة القادرة على البقاء، فقد عبر مع أبناء جيله فترات عاشت فيها الدولة والمجتمع ظروفا قاسية كادت تعصف ببقائها وتماسكها. وأحسب أن الأديب الذى يولد فى عصر حافل بالإشكاليات، مثل إدوار الخراط، يملك مبررات التميز حين يكتب ويفكر وينقد ويترجم وهو ما انعكس على أعماله الأدبية التى فاقت الخمسين عملا. ومن بين أعماله التى أستحسنها روايته الأولى «رامه والتنين» رغم ميلى الفطرى للنمط الواقعى فى الكتابة الذى مثّله عن جدارة نجيب محفوظ. وأحسب أن الخراط لم يثر على أدب محفوظ إلا بعد ثورة يوليو التى جرفت أشياء كثيرة راسخة وغرست شتلات إبداع من نوع مختلف. تقول الروائية الإنجليزية مارى آن إيفانز: «موتانا لا يموتون حقا إلا حين ننساهم»، وإدوار الخراط سيبقى فى الذاكرة، لأنه اختار الخلود بأعمال محترمة. رحمه الله.







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

سَجَّان تركيا
ضوابط جديدة لتبنى الأطفال
«البترول» توقع اتفاقًا مع قبرص لإسالة غاز حقل «أفردويت» بمصر
وداعًا يا جميل!
مفاجآت فى انتظار ظهور «مخلص العالم»
ادعموا صـــــلاح
الحلم يتحقق

Facebook twitter rss