صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

15 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

ثقافة

الخراط.. يودعنا منذ حين

6 ديسمبر 2015



كتب - مصطفى عرام

إدوار الخراط، روائى وناقد وكاتب، باختصار تاريخ أدبى جديد يضاف إلى تواريخنا الأدبية، وتراث ثرى يزيد تراثنا قيمة ليعلو بين الأمم قامة، لماذا؟ لأنه اتسم بالجرأة فى رواياته، ليست جرأة الإباحة، لكنها جرأة التمرد التى خرج بها عن النسق المألوف للرواية، فصنع لنفسه مسارا وعالما خاصا به، تشكلت ملامحه بمرور السنين.
توفى الكاتب والروائى إدوار قلته فلتس الخراط وهو ابن التاسعة والثمانين، إذ ولد فى الإسكندرية فى الـ16 من مارس 1926، ينتمى إلى عائلة قبطية تعود أصولها إلى الصعيد.. اشتهر بغزارة الإنتاج فى سنى عمره الأخيرة، فكل عام كانت المكتبات تستقبل كتابا أو اثنين أو حتى ثلاثة كتب، كأنه يعوض سنوات الإنتاج التى تأخر فيها عن مجايليه فى الظهور إلى عالم الإنتاج الأدبي.
فى كلمات مجردة
تخرج فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية عام 1946م، ثم عمل فى مخازن البحرية البريطانية فى الكبارى بالإسكندرية، وبعدها موظفا فى البنك الأهلى بالإسكندرية، ثم عمل موظفا بشركة التأمين الأهلية المصرية عام 1955م، ثم مترجما بالسفارة الرومانية بالقاهرة.
اشترك إدوار الخراط فى الحركة الوطنية الثورية بالإسكندرية عام 1946، واعتقل فى 15 مايو 1948م فى معتقلى أبو قير والطور. عمل فى منظمة تضامن الشعوب الإفريقية والآسيوية فى منظمة الكتاب الإفريقيين والآسيويين من 1959 إلى 1983م. تفرغ بعد ذلك للكتابة فى القصة القصيرة والنقد الأدبى والترجمة، وفاز بجائزة الدولة لمجموعة قصصه (ساعات الكبرياء) فى 1972م.
روايته «رامة والتنين»
روايته التى أثارت جدلا واسعا وتأسيسا لتيار جديد، «رامة والتنين»، مزيج بين الأسطورة والرمز، بصبغة فرعونية، يونانية وإسلامية، رواية تجريبية شديدة التميز فى أدب إدوار الخراط، ذات الطابع الاختبارى الخاص، والبحث الضالع فى جماليات اللغة، والأبعاد الذاتية.
الخراط يطرق باب الموت
يبدو أن الموت لم يباغت الروائى «إدوار الخراط» مثلما فعل مع كثيرين، بل إنه طرق بابه واستأذن فى أدب جم أن يقبض روحه، كأنه يرد على استعداد الخراط فى سنوات سابقة لفراق هذه الدنيا، لتبقى روحه حاضرة مع كل كلمة نقرؤها له.
رحلة عمل ونضال
يقول الخراط: «درست الحقوق فى جامعة الإسكندرية. وبعد سنتين أو ثلاث من تخرجى من الجامعة، كنت عضوًا مؤسسًا لحلقة تروتسكية ظللت سكرتيرها العام حتى 1948 فى تلك المرحلة من حياتي، غرقت حتى الثمالة فى الاجتماعات والمناقشات والتظاهرات وإصدار البيانات وكتابة المنشورات التروتسكية، فأصدرنا مجلة «الكفاح الثوري» التى كنا ننسخها على الآلة الكاتبة ونوزعها على الأعضاء والأصدقاء».
الخراط مؤرخا لنفسه
كأن الراحل إدوار الخراط عمل حسابا لهذه اللحظة، فأراحنا من عناء الترجمة لسيرته.
يقول عن عمله: «كروائي، أعتبر نفسى مؤرخًا لأشواق الروح وأشواك المجتمع. وأحب أن يأتى التاريخ على ذكرى وحيدًا فى إحدى صفحاته، لا على صفحة يشاركنى فيها غيرى من الأسماء».
وعن نفسه: «فى الجلسات العائلية على سطح بيتنا تحت عرائش العنب، كانت جدتى وخالتى ترويان الحكايات عن الجن والعفاريت. ولكثرة ما سمعت هذه الحكايات فى طفولتي، كان الطفل الذى كنته يحسب أن جنيات الحكايات وعفاريتها كائنات حية، ومن لحم ودم».. يستطرد: «قدم والدى إلى الإسكندرية من أخميم فى الصعيد، الذكرى الأقدم والأقوى لديّ عن والدتى هى العبارة التى طالما كانت ترددها على مسمعى فى طفولتى قائلة: «أنت رضعت لبن الحزن». ذلك لأنى ولدت بعد 19 يومًا من وفاة أخى الذى ولد قبلى بسنة أو سنتين فى الإسكندرية».
البحث عن الذات
يقول: عام 1955 ضربنى اليأس والقنوط من عملى موظفًا صغيرًا فى شركة التأمين، فاستقلت ومن التعويض المالى الذى تقاضيته رحت أعطى والدتى راتبى الشهري، كما لو أننى لا أزال موظفًا. فى تلك الفترة كنت أمضى وقتى مداومًا على المكوث فى أتيليه الإسكندرية التى يديرها أحمد مرسي، منصرفًا إلى الكتابة والترجمة، فكتبت «حيطان عالية» وترجمت بعضًا من أشعار أيلوار ومؤلفات تشيخوف وكامو. وشهرًا بعد شهر راح التعويض المالى يتناقص وينفد، فلم يعد فى مستطاعى تقديم راتبى الشهرى لوالدتي، فأجبرت على إعلامها بأنى تركت وظيفتى فى الشركة».



 

حوار من عالم إدوار الخراط الى عالمنا
 

قال عنه وزير الثقافة حلمى النمنم، إن وفاته خسارة للأدب وعالم الرواية والحياة الثقافية، فهل خسرناه؟
يجيب إدوار الخراط فى روايته «رامه والتنين»:
«لم يقل لها: علمنى حسى بفقدانك أننا نحب وحدنا. ونموت وحدنا. واستشرفت أنّه ليس حتى فى الموت برء من الوحدة. بعد حياة الوحشة المحكوم بها علينا، نحن نموت. ولا نجد فى الموت نجدة. ولا نلتقى فيه بأحد. الموت يطوى الكتاب ويغلقه ويكرس ختمه».
إذن.. هل أغفلناه أم لم نحبه كما ينبغي، يجيب أيضًا:
«والحب؟ الحب كذبة. هو الشهوة العارمة للخلاص من الوحدة، الاندفاعة التى لا توقف نحو الانصهار الكامل والاندماج والاشتعال المزدهر، لكنه يدور أيضا فى الوحدة. وينتهى بتكريسها، أكثرُ علقمًا من الموت. نحن نحب وحدنا، الحب أيضا وحدة لا شفاء منها».
لكن سنشتاق لك يا أستاذ ونتألم لفقدك:
«عندما يمتزج الحب كعاطفة صادقة بوجع الحياة، تضحى الحياة أجمل حتى بعذاباتها فهى تحمل فى ثنايا تواترات ساعاتها وأيامها لحظات ساحرة، وومضات آثرة من ذاك الحنين الذى يترك داخل القلب، واعدا بآمال محققة».
فماذا سنفعل فى دنيانا من غيرك؟
«نحطم بأيدينا كل بنايات عمرنا، هذه الجدران التى أقمناها، كل منا على حدة، طول السنين، بتضحيات لا أحد يعرف ثمنها، هذه السجون التى نرتطم بأبوابها الموصدة كل يوم. حبنا نافذة فى الشمس، قطعة ممزقة من سماء الليل الفسيحة. العلاقات التى تبتر، نظم الحياة التى تتقوض وتنهار. متاع خفيف وجوهرى من الحب والكتب. قطع أخرى أيضًا من القلوب تمزق وتترك وراءنا. موسيقى التوقع والتشوف».
إذن.. هل أنت سعيد؟
«سعيد ﻷنى أشعر أنى قد فعلت ما يمليه على ضميرى الخاص، وسعيد أننى لم أكن متطرفا ومتماديا فى كل شيء، سعيد لأنى أغفر وأعفو وأعترف بخطئي، ولى رؤية متفهمة للآخر».
وماذا عن عروس البحر موطنك، حبيبتك، معشوقتك، ألم تتعاهدا طيلة 89 عاما منذ سنة 1926م على ألا تفترقا.. ماذ ستقول لها؟
«أغرقيني.. بالطبع هذه الأمواج التى نريد جميعًا أن نغرق فيها، دون أن تغص حلوقنا بالماء المالح، غرقًا ناعمًا هادئ النبرة. أو غرقًا عاصفًا متقلبًا يفقد به المرء نفسه وتطيش عيناه. تقول لا لن أغرق أبدًا؟ وأنت منذ الآن قد خبطت القاع الرملى بالفعل، واستقر جدثك واعى العينين تحت ثقل أطباق من الموج لا تطاق».
ما دمت مصرا على الرحيل، إذن بم تنصح؟
أفترض أنه ما من بديل، لدعم أصالة ثقافتنا العريقة، عن تمحيص جذور الأوضاع الراهنة من تخلفنا، بكل ما فى وسعنا من أمانة وتعمّق، وأن نجهد فى أن نقضى على القمع السياسيّ والاجتماعيّ، وأن نعطى أولوية للمتغيّرات فى الوقت نفسه الذى نصون فيه ما هو قابل للحياة فى العناصر الثابتة من تراثنا.
وبعد إصراره على الرحيل، استعدت كنيسة الدوبارة لاستقبال جثمانه وإقامة القداس لروحه ليُنقل بعدها للدفن فى مقابر برج العرب بالإسكندرية - بعد رحلة أدبية أثمرت العديد من الأعمال النقدية والإبداعية التى شارك بها فى تأسيس تيار الحداثة فى القصة والرواية العربية، وحفر بها اسمه كواحد من أهم مُبدعى جيل الستينيات، وازدانت باسمه جوائز وألقاب عدة.
ملحوظة : الإجابات السابقة هى نصوص من رواية «رامة والتنين» ومقالة لإدوار الخراط فى مجلة «العربي».







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

شباب يتحدى البطالة بالمشروعات الصغيرة.. سيد هاشم.. وصل للعالمية بالنباتات العطرية
اكتشاف هيكل عظمى لامرأة حامل فى كوم أمبو
كاريكاتير أحمد دياب
بسمة وهبة تواصل علاجها فى الولايات المتحدة الأمريكية
استراتيجية مصر 2030 تعتمد على البُعد الاقتصادى والبيئى والاجتماعى
المنتخب الوطنى جاهز غدا لاصطياد نسور قرطاج
مهرجان الإسكندرية السينمائى يكرم محررة «روزاليوسف»

Facebook twitter rss