صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

21 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

من محاكم التفتيش إلى دولة المطوعين

25 اكتوبر 2015



عاطف بشاى يكتب:
تحولت الكوميديا الراقية فى السينما المصرية فى السنوات الأخيرة إلى هزل رخيص.. وتدهور فن الكاريكاتير تدهورا ملحوظا.. وتوارت الكتابات الساخرة تواريا لافتا واختفى المضحكون الكبار.. والأسباب فى ذلك كثيرة ومتباينة.. لكن تأتى فى مقدمة تلك الأسباب أن مفارقات الواقع الاجتماعى والسياسى فى بلادنا أضحت أكثر غرابة وعبثية ولا معقولية عن خيال مؤلفى الكوميديا بأشكالها المختلفة.. وصار الكاتب الساخر وصناع الضحك فى مأزق حقيقي.
إن المتأمل للواقع السياسى المختل الذى نعيشه الآن يدرك بسهولة تلك الحقيقة التى تثير التأمل وتدعو إلى الرثاء لحال أوضاعنا المتضاربة والملتبسة.. والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة لعل أكثرها غرابة ولا معقولية رؤية الكنيسة المصرية العتيدة لتجاوزات الإسلام السياسى المتطرف ممثلا فى السلفيين.. وتقييمها لتصريحات أقباطه التى تتخذ من كراهية الأقباط وازدرائهم.. وعدواتهم موقفا حادا وواضحا لا مواربة فيه ولا مهادنة.. والعامة قبل المثقفين يعلمون من خطاب «ياسر برهامي» وفتاويه السامة التى يعلنها بمناسبة وبدون مناسبة.. وفى كل الأوقات على الملأ.. إنه وكل المنتمين إلى تياره يكفرون «الذميين».. ويطالبون بضرورة دفعهم «الجزية» مقابل إعفائهم من التجنيد والاعتداء على بيوتهم وأملاكهم ودفعهم إلى الهجرة القسرية فى حالة عدم انصياعهم لما يريدونهم منهم.. كما يحرمون السلام عليهم أو تهنئتهم فى أعيادهم.. وهكذا..
وعلى الرغم من ذلك.. فإن سلاطين الكاتدرائية وكهنتها الكبار لا يرون غضاضة فى هذا.. فالأنبا بولا - الرجل الثانى فى الكنيسة العتيدة يصرح ببساطة أن «حزب النور» تيار وطنى حتى النخاع.. كما قال بثقة واعتداد - لا فض فوه - «أنا أحترم ممثلى السلفيين بصفة عامة رغم أنهم متشددون جدا دينيا.. ورغم نظرتهم للمسيحيين نظرة دونية ولكن أحترم فى السلفى وطنيته فهو لا يخون وطنه كغيره».. تصوروا؟!..
المثير للدهشة المفارقة فى موقف الكنيسة من بعض أبنائها المتمردين والذين عانوا من عنت قوانين الأحوال الشخصية لغير المسلمين والتى تقصر الطلاق على علة الزنى.. فضاق المتضررون منهم لعدم قدرتهم على الطلاق أو الزواج الثاني.. وفى غمرة يأسهم كانوا صيدا ثمينا لحزب النور الذى استطاع أن يستقطبهم ويضمهم إليه ويتخذهم مبررا لشرعية الحزب ليثبتوا أنه ليس حزبا دينيا يحظر وجوده فى الشارع السياسي..
وتتجلى المفارقة فى موقف الكنيسة فى وصف هؤلاء المارقين «بالخيانة».. وصوروا كل واحد منهم كيهوذا الذى باع سيده المسيح.. بحفنة من المال.. فكيف يستقيم إذا أن يكون السلفيون أعضاء حزب النور «وطنيين» مخلصين لوطنيتهم بينما المسيحيون الذين انضموا إليهم خونة؟!
فأى تضامن جميل هذا الذى يدعم الوحدة الوطنية بين الكنيسة وحزب السلفيين..
فإذا ما انتقلنا إلى شكل آخر من أشكال التضامن بعيدا عن السياسة ولكنه يصب فى اتجاه الحريات وحقوق البشر.. بصرف النظر عن دينهم فإن محاكم التفتيش الحديثة تتوحد مع ائتلاف المطوعين الجدد توحدا رائعا للقضاء على روح الإنسان ووجدانه ومشاعره وأخص ما يميزه من تفرد وحرية إنسانية خلقه الله عليها..
والمطوعون كما نعلم هم هؤلاء الكائنات الممسوخة الشوهاء الشريرة التى ظهرت فى العصر العباسى ويقومون بمهمة تنفيذ أوامر جماعة «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» باسم الفضيلة الزائفة والأخلاق الجامدة.. وباسم كراهية الحرية فى الرأى والإعتقاد والحياة.. وباسم ازدراء المرأة التى لا يجوز أن تجاهر بما يتناقض مع كونها عورة من قمة رأسها حتى اخمص قدميها.. وظيفتها أنها وعاء للجنس.. والإنجاب..
وهذا ما حدث مع الممثلة الكوميدية «انتصار» حينما تجاسرت وعبرت عن تشجيعها للشباب لمشاهدة الأفلام الإباحية لكى «يصبروا» أنفسهم فى ظروف الكبت والحرمان انتظارا للزواج.. كما أعلنت - أنها تشاهد تلك الأفلام.. فكان رد الفعل ثورة عارمة.. جرحت فى شخصها ونكلت بها ووصمتها بالدعوة إلى الفجور والرذيلة والتحريض على الفحش واعتبارها كالقوادات فى سوق البغاء.. ورفعت ضدها القضايا التى تدينها بالترويج للدعارة فى عودة كريهة لدعاوى الحسبة..
وهم لا يسألون أنفسهم لماذا كلما زاد التطرف الدينى والعنف.. ازداد الفساد الخلقى انتشارا وتراجعت الفضيلة وارتفعت معدلات الجريمة والتفسخ الأسرى بأمراضه المختلفة من كراهية وشذوذ وزنى محارم وتحرش جنسي.. لأنهم لا يدركون أن التدين القشرى يستدعى فورا تلك الازدواجية الكريهة بين المظهر المتسربل بالأوامر والنواهى والتشدد غير الإنسانى وبين الانحلال والانهيار الأخلاقى وليس العكس وبالتالى فليس من مصلحة تجار الدين كشف عوراتهم.. وفضح ممارساتهم.. فيشهرون سلاح التكفير والمصادرة فى وجوه معارضيهم.. بل فى وجوه من يدلون بملاحظات عابرة مثل تلك التى أبدتها «انتصار» فى برنامجها «نفسنة» والتى ما كانت تلفت الأنظار - بصرف النظر عن وجاهة منطقها أو عدمه - لولا ارتدادنا إلى عصور التصحر والتخلف الحضارى والوهابية..
فى إطار ذلك التراجع الحضارى أيضا تبرز محاكم التفتيش الحديثة مؤكدة ذلك التضامن بينها وبين دولة «المطوعين» فى كثير من مواقف الكنيسة من رعاياها.. فهم بناء على تعليمات صارمة يرفضون ممارسة الأزواج للجنس خلال فترات الصوم الطويلة.. ولا يسمحون به إلا فى ظروف استثنائية.. وبناء على طلب الزوج ذلك من الكاهن الذى ربما يقدر الظروف الجنسية الضاغطة فيسمح له.. أو لا يقدرها فيرفض مرددا له وهو يقرص أذنه «بطل شقاوة بقى يا جرجس.. إنت ما بتشبعشى؟! مع ملاحظة أنهم أغفلوا تماما علاقة الزوجة بالأمر وإذا ما كانت لديها نفس الرغبة أم لا.. ذلك لأنهم مثلهم مثل «المطوعين» يكرهون المرأة وينكرون حقوقها الجنسية..
إذا.. فإنه من محاكم التفتيش الحديثة إلى دولة المطوعين يمضى السلفيون والكنيسة معا على الطريق..

 







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

أبوالليل.. ترك الوظيفة.. وبدأ بـ«ورشة» ليتحول لصاحب مصنع
دينا.. جاليرى للمشغولات اليدوية
مارينا.. أنشأت مصنعًا لتشكيل الحديد والإنتاج كله للتصدير
كاريكاتير أحمد دياب
المقابل المالى يعرقل انتقال لاعب برازيلى للزمالك
قلنا لـ«مدبولينيو» ميت عقبة انت فين..فقال: اسألوا «جروس»
«شىء ما يحدث».. مجموعة قصصية تحتفى بمسارات الحياة

Facebook twitter rss