صحيفة روز اليوسف

رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي

رئيس التحرير
أحمد باشا

20 نوفمبر 2018

أبواب الموقع

 

الرأي

«محفوظ» بين قبح التمثال.. وصمت النقاد

27 سبتمبر 2015



كتب - عاطف بشاي

 

خاطبت وزير الثقافة الأسبق «فاروق حسنى» منذ أكثر من عام قبل ثورة (25) يناير وعلى صفحات مجلة «روز اليوسف» أطالبه مخلصا أن يصدر قرارا وزاريا بتحطيم تمثال «نجيب محفوظ» المقام فى ميدان «سفنكس» ليس استجابة لممارسة متطرفى «طالبان» أو لفتوى الشيخ «حسان» السابقة بتحريم ظاهرة التجسيم لأشخاص أو اقتناعا بخزعبلات السلفيين، أو لفتوى الداعية الملتاث الذى افصح عن نيته فى تحطيم الأهرمات وأبو الهول لأنهم أصنام وتماشيا مع تخلف الدعوة إلى تكفير الرجل صاحب الرواية الفذة «أولاد حارتنا» التى حصل بموجبها على جائزة «نوبل»، لكنه استنكارا لسوء التجسيد الفنى، وافتقاره إلى أبجديات العمل النحتى وأصوله ونسبه، فالتمثال يبرز «نجيب محفوظ» كضرير يرتدى نظارة تخفى عينيه التى كانت تعبر بجلاء ونفاذ عن عمق فكره وعظمة رؤيته للواقع المصرى، والتمثال أيضا يبرزه ممسكا بعصا وكأنه يتحسس بها طريقه، ويخلو من الجمال الفنى فى القدرة على التعبير عن شخصية الكاتب الكبير، ويعكس ضعف موهبة المثال وفقر إحساسه الفنى، وجهله الفادح بقيمة وقدر ومكانة الكاتب الكبير الذى بدا وكأنه كاريكاتير سيئ لرسام مبتدئ، فأصبح وكأنه شاهد على الإساءة ليس فقط للعظيم «نجيب محفوظ»، ولكن لفن النحت ذاته، مثله فى ذلك مثل تماثيل «طه حسين» برأسه الصغير كالبيضة وردائه الغريب وقدميه الحافيتين، وتمثال «أحمد شوقى» الذى يجلس منحنيا فى وضع غريب وكأنه يقضى حاجته. ويبدو أن هذه التماثيل قد قام بنحتها مثال واحد فهى تتشابه فى فقر ثقافة النحات وسطحية تناوله، وهو ما يدعو إلى التساؤل هل عقمت «مصر» من مثاليها الكبار حتى يعبث الصغار برموز ثقافتنا المعاصرة؟!
لم يستجب وزير الثقافة الأسبق مصرا على مقولته التى كان يرددها دائما وهى: من أين آتى بـ«مختار» جديد؟! كما لم يستجب الوزراء الذين أتو من بعده وأخيرهم الوزير «النبوى».
مصر ولادة وهناك نحاتون ممتازون يبحثون عن فرصة لإبراز مواهبهم.. ذلك فأنا لا أعتقد أن مقولة من أين آتى بمختار جديد تلك مبررا لهذا القبح والتشويه الذى نراه ويصدمنا ويدعونا إلى الشعور بالحسرة لتلك الردة لفن النحت العظيم الذى يميز حضارتنا العريقة.
لذلك فإنى أكرر الدعوة إلى الوزير الجديد المثقف المستنير (حلمى النمنم) لإصلاح ذلك الأمر المشين وهو أمر ليس بالهين أو الثانوى.
يدعو للدهشة أيضا التجاهل النقدى إزاء آخر إبداعات «نجيب محفوظ» وهى أحلام فترة النقاهة.. التى كتبها وهو يدخل عامه الخامس والتسعين حيث كان القلب مازال ينبض بعطاء أخاذ مفعم بعطر الأشواق.. وسحر الحب وعصير الحكمة وعمق التجربة وجموح الخيال وطرافة السخرية كان العقل الكبير مازال قادرا على الإبهار والتجدد والتطوير وتجاوز وهن الجسد وارتعاشة اليد.. مازالت الروح الحارة المتألقة أكثر حيوية ومعاصرة وشبابا وتجريبا وتحديثا وجرأة فى اقتحام عوالم جديدة وأشكال غير مألوفة فى الطرح والتعبير والصياغة والحبك والسبك.
يقول أديبنا الكبير فى أحد الأحلام: «اشتد العراك فى جانب الطريق حتى غطت ضجته ضوضاء المواصلات.. ورجعت إلى البيت متعبا.. وهناك تاقت نفسى إلى التخفف من التعب تحت مياه الدش.. فدخلت الحمام فوجدت فتاتى تجفف جسدها العارى فتغيرت تغيرا كبيرا.. واندفعت نحوها ولكنها دفعتنى بعيدا وهى تنبهنى أن ضجة العراك تقترب من بيتى»
إنه فى أسطر قليلة موجزة وسلسة واضحة وخالية من الزخرف اللفظى ومن الإطناب والتزيد.. عارية من المحسنات البديعية والصور البيانية.. مجردة من استعراض مهارات الوصف والحكى يدخل مباشرة إلى قلب الوجود.. ويا للغرابة.. تتوالد الأفكار وتتكاثر المعانى فى فيض وغزارة وغنى عجيب.. معان موحية بدلالات كبيرة تتصل بقضايا فلسفية عميقة تتحدث عن غربة الإنسان.. وعبث الوجود.. ولا معنى الحياة.. آمال لا تتحقق.. ومنال لا يتم.. ورغبة فى الابتهاج مجهضة.. إنه حلم يتبدد وسط وحشة مسيطرة.. وشر متحكم وحزن مقيم ويأس جاثم وصراع عقيم، وأصداء باهتة وواقع جهم.. وإرادة واهية غير قادرة على مواجهة المجهول أو حماية نفسها من فظاظة واقع كئيب.. وهى دلالات ومعان ربما تعجز عنها روايات بأكملها.. وذلك هو سر عبقرية أديبنا الكبير ..
فما سر صمت الجهابذة النقاد؟!







الرابط الأساسي

الاكثر قراءة

لا إكـراه فى الدين
كاريكاتير أحمد دياب
الملك سلمان: فلسطين «قضيتنا الأولى» و«حرب اليمن» لم تكن خيارا
الاتـجـاه شـرقــاً
السيسى: الإسلام أرسى مبادئ التعايش السلمى بين البشر
الأموال العامة تحبط حيلة سرقة بضائع شركات القطاع الخاص
الحكومة تنتهى من (الأسمرات1و2و3)

Facebook twitter rss